غزة اليمن.. الحوثي يقطع شريان المياه والغذاء عن تعز والقوات الحكومية تحبط زحفه

12 مستشفى في تعز مهددة بالتوقف التام عن العمل بسبب قرب نفاد مخزون الوقود والأكسجين
بين مطرقة التصعيد العسكري الحوثي وسندان الحصار الخانق، تعيش مدينة تعز اليمنية فصلاً مأساويا من فصول التنافس الميداني والضغط السياسي الجيوسياسي تحت وطأة العطش، ونفاد الغذاء، والمشتقات النفطية، والتهديد بتوقف المستشفيات، وإغلاق طرق الإمداد الحيوية كافة.
فقد كشفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من ربع مليون شخص نزحوا داخل اليمن منذ بدء التصعيد الأخير، ينحدر 76% منهم من محافظة تعز وحدها، وقد نزح غالبيتهم داخل المحافظة نفسها.
كما أطلقت منظمة الصحة العالمية تحذيراً شديد اللهجة يؤكد أن 12 مستشفى في تعز مهددة بالتوقف التام عن العمل بسبب النفاد الوشيك لمخزون الوقود والأكسجين الطبي، فيما أكدت اليونيسيف وهيومن رايتس ووتش انخفاض إنتاج المياه في المدينة إلى النصف.
وأوضحت المفوضية أن الأسر النازحة لا تزال بحاجة ماسّة إلى المأوى والغذاء والمساعدات النقدية، في ظل نقص حاد في التمويل، مشددة على ضرورة تقديم الدعم العاجل للنازحين.
وبدوره، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في بيان عاجل، من أن إغلاق الحوثيين طرق الإمداد الوحيدة التي تربط تعز بمحافظة عدن يعرض المدنيين لمخاطر جسيمة، معيقاً وصول المساعدات والسلع الأساسية.
ومن بين جميع جبهات القتال في اليمن تشهد تعز أعنف المعارك والهجمات بين القوات الحكومية المسنودة بتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية من جهة، وجماعة الحوثيين من جهة أخرى.
وأعلنت قيادة محور تعز العسكري التابع للقوات الحكومية اليمنية صباح 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن إفشال محاولات زحف وهجمات عنيفة شنتها مليشيا الحوثي في جبهات الشقب، والمسراخ، والأقروض جنوبي تعز، بالإضافة إلى مواجهات بمحيط جبل هان ومنطقة الضباب غربي المدينة وفي القطاع الشمالي.
ووفقاً للبيان العسكري الصادر، فقد تسببت المعارك الضارية والغارات الجوية المساندة خلال الـ24 ساعة الماضية في مقتل 98 عنصراً حوثياً وإصابة 148 آخرين.
وأكد الناطق الرسمي للقوات المسلحة، العقيد ركن ماجد عبد الله النزيلي، أن القوات الحكومية تواصل توسيع ضغطها القتالي لدفع المليشيا إلى التراجع.
ومن جانبها، أدانت وزارة الخارجية في الحكومة اليمنية الشرعية تشديد مليشيا الحوثي لحصارها الممنهج على تعز، ومنعها دخول صهاريج مياه الشرب من آبار الضباب إلى المدينة.
وصرحت السلطة المحلية في تعز بأن المليشيا تستخدم احتياجات المواطنين وسيلة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية، محذرة من كارثة صحية وبيئية وشيكة جراء تراكم النفايات وتوقف القطاع الصحي.
وعدت السلطة المحلية احتجاز إمدادات الغاز ومنع الصهاريج جريمة حرب وحرب إبادة جماعية معلنة ضد السكان المدنيين.
وتمثل محافظة تعز، الواقعة جنوب غربي اليمن، مركز الثقل السكاني والثقافي في البلاد، وتكتسب أهمية جيوسياسية فائقة لكونها مفتاح السيطرة على الساحل الغربي القريب من مضيق باب المندب الإستراتيجي.
ويرى الخبراء العسكريون أن السيطرة على مرتفعات تعز تمنح تفوقاً نارياً وحماية كاملة للخطوط الساحلية والموانئ الحيوية.
وبدأ حصار تعز الفعلي منذ أواخر مارس/آذار ومطلع أبريل من عام 2015، عقب اقتحام المليشيا المحافظة في محاولة لإخضاعها.
ومنذ ذلك التاريخ، عمد الحوثيون إلى إغلاق المداخل الرئيسة للمدينة (الشرقية والشمالية والغربية)، مما أجبر ملايين السكان على سلك طرق جبلية وعرة وشديدة الخطورة (مثل طريق الأقروض وهيجة العبد) للانتقال وتأمين العيش اليومي.
وخلال الأشهر القليلة الماضية من عام 2026، شهد ملف حصار تعز منعطفا حاسما، بعد فترة من الركود النسبي والهدنات الهشة.
وبدأت ملامح التضييق الأخير وتفجير الموقف ميدانياً في محافظة تعز نتيجة لعدة تحولات قريبة ومترابطة، حيث انقلبت مليشيا الحوثي بشكل مفاجئ على التفاهمات والمبادرات المحلية والضغوط المجتمعية كافة التي رعت فتحاً جزئياً لبعض المعابر الثانوية مثل طريق حوض الأشراف وجولة القصر.
وعمدت بدلاً من ذلك إلى إعادة تلغيم هذه الخطوط ورفع السواتر الترابية مستغلة فترة الهدوء لإعادة التموقع العسكري، ليتزامن ذلك مع عسكرة الخطوط البديلة وفرض جبايات جمركية مضاعفة وإقامة نقاط تفتيش عسكرية مكثفة في منافذ الأقروض وسوق الربوع.
الأمر الذي شل حركة قاطرات البضائع التجارية المتجهة إلى المدينة تماماً وتسبب في نشوء أزمة تموينية خانقة، وصولاً إلى مطلع الشهر الحالي الذي دخلت فيه المستجدات مرحلة العقاب الجماعي المباشر والإغلاق الكلي لشريان الحياة.
وذلك بعدما أقدمت المليشيا على قطع خطوط ضخ المياه الرئيسة القادمة من الحقول الواقعة تحت سيطرتها في منطقتي الحيمة والضباب واحتجاز قاطرات الغاز المنزلي وهو ما فجّر موجة الغضب الشعبي والتحذيرات الأممية المتصاعدة التي بلغت ذروتها صباح اليوم.
فقد قفزت أسعار المواد الغذائية والمشتقات النفطية إلى أكثر من الضعف، ويواجه السكان أزمة مياه حادة بعد أن أغلق الحوثيون خطوط الضخ الرئيسة وحظروا دخول صهاريج مياه الشرب.
وتسبب قص الوقود والأكسجين الطبي في شلّ المستشفيات، توازياً مع تكدس النفايات والمخاوف من تفشي الأوبئة كالكوليرا جراء انهيار البنية التحتية للصرف الصحي.
كما تحولت تعز إلى جبهة استنزاف دائم، حيث تستغل المليشيا المرتفعات لتطويق الأحياء السكنية وقصفها بالصواريخ والمدفعية العشوائية لتثبيت ميزان قوى عسكري يخدم مصالحها.
ويندرج حصار تعز ضمن النزاع اليمني المستمر منذ انقلاب جماعة الحوثي على السلطة الشرعية واجتياح العاصمة صنعاء في أواخر عام 2014.
ورغم خضوع المدينة لسيطرة القوات الحكومية، إلا أن المليشيا نجحت في تطويقها من مختلف الاتجاهات الحيوية لمنع تحولها إلى قاعدة انطلاق لإنهاء الانقلاب في المحافظات المجاورة.
ويأتي تشديد الحصار والتصعيد الميداني الحالي في أكتوبر 2026 بالتزامن مع إطلاق القوات الحكومية لحملة عسكرية واسعة بهدف استعادة المواقع القريبة من مضيق باب المندب.
كما يرتبط النزاع بالتوترات الإقليمية الأوسع التي تشهد ضربات متبادلة وتصعيداً للهجمات الحوثية العابرة للحدود، مما جعل ملف تعز يبرز مجدداً كورقة ضغط سياسية وعسكرية قصوى من قِبل الجماعة على حساب السكان.
استهداف ممنهج
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تداول ناشطون مقاطع فيديو وصورا توثق موجات النزوح من مدينة تعز ومعاناة الأهالي اليومية تحت وطأة الحصار، وتظهر طوابير المواطنين والأطفال بحثاً عن المياه، إضافة إلى مشاهد للمسافرين وهم يسلكون طرقاً جبلية وعرة.
واستنكروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها،#حصار_تعز، #ارفعوا_الحصار_عن_تعز، #تعز_تحت_الحصار، #أنقذوا_تعز، #تعز_تقاوم، #ارفعوا_الحصار_عن_تعز، وغيرها، تحويل المليشيا الاحتياجات الأساسية إلى أدوات ضغط سياسي وعسكري.
وعبر ناشطون عن غضبهم العارم تجاه احتجاز مليشيا الحوثي قاطرات الغاز وصهاريج المياه القادمة لتعز. مؤكدين أن لقمة عيش المواطن وشربة الماء تحولت لرهينة سياسية وعسكرية بيد مليشيا لا تكيل وزناً للقيم الإنسانية، مما يفاقم الأزمة ويهدد حياة الآلاف.
غزة اليمن
وشبه ناشطون ما يحدث في تعز لليمنيين على يد مليشيا الحوثي من خصار وقصف للأحياء السكنية واستهداف المدنيين بما يجري للفلسطينيين في قطاع غزة على يد الاحتلال الإسرائيلي من حصار وإبادة جماعية، مستنكرين ادعاءات الحوثي نصرة غزة ومناهضة الاحتلال.
وأكدوا أن تعز تنزف كما تنزف غزة، وأن الحوثي يمارس الحصار والتجويع والقصف العشوائي وهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، تماماً كما يفعل الإسرائيليون في غزة، بينما يرفع شعارات "الموت لأميركا وإسرائيل" ونصرة غزة، والضحايا في الحالتين بشرٌ لهم الحق في الحياة والأمان والكرامة.
وعدوا ذلك نفاقا صارخا، متوعدين بأن الجرائم لن تسقط بالتبرير، ولن يمحوها الصمت، وسيبقى دم الأبرياء شاهدًا على كل من جعل من معاناة الشعوب وسيلةً لفرض سلطته.
أنقذوا تعز
وأدان ناشطون وحقوقيون جرائم الحوثي واستنكروا صمت العالم والمنظمات الحقوقية والإنسانية والدولية، وطالبوا بوقف قصف المدنيين فورا ورفع الحصار عن تعز ومحاسبة المسؤولين عن استهداف الأبرياء، داعين الحكومة الشرعية لأن تدفع بكل ثقلها لكسر الحصار وتأديب الحوثي.
كما حثوا الجميع على الاصطفاف الوطني بوجه الحوثي، داعين الصحفيين والناشطين والحقوقيين والإعلاميين، وكل المتابعين من اليمنيين والعرب والأجانب، إلى المشاركة الفاعلة في الحملة الإلكترونية للتنديد بحصار مليشيا الحوثيين لتعز، والمطالبة برفعه بشكل عاجل وفوري.
وطالبوا المنظمات الدولية والحقوقية، والدول الفاعلة، والبعثات الدبلوماسية، ووسائل الإعلام، إلى إدانة حصار تعز، وتسليط الضوء على آثاره الإنسانية، وممارسة الضغط الجاد من أجل رفعه وضمان فتح الطرق والممرات أمام المدنيين دون تأخير.
صمود تعز
وفي ظل تقارير ميدانية تؤكد استمرار صمود أهل تعز واستعادة القوات المسلحة اليمنية التابعة للشرعية والمقاومة الشعبية زمام المبادرة في بعض المحاور ضمن عملية "فجر اليمن"، حيا ناشطون صمود تعز وأثنوا على أبطال الجيش والمقاومة الشعبية، وأعربوا عن ثقتهم فيهم.
وتشهد جبهات تعز (خاصة الغربية حول جبل هان والمطار القديم والضباب، والجنوبية في صبر والشقب والمسراخ والأقروض) معارك عنيفة مستمرة، تصدت خلالها القوات المسلحة والمقاومة الشعبية لهجمات حوثية وحققت تقدماً محدوداً في بعض المواقع (مثل الصنمات والصراري).
كما ألحقت خسائر بشرية ومادية للحوثيين، وإسقاط مسيّرات، وإسناد جوي بغارات على تجمعات وتحصينات.
وركز ناشطون على صمود تعز كملحمة تاريخية، مشيدين ببسالة الأبطال في الجبهات وثبات الأهالي (رجالاً ونساءً) رغم الحصار والقصف، ويرون أن هذا الصمود يكسر رهانات الحوثيين ويكشف ضعفهم، ويُدرَّس في التاريخ.
وربط ناشطون الصمود بدعم الجيش الوطني والقيادة الشرعية والإسناد الجوي (التابع للتحالف/السعودية)، مطالبين بالمزيد من الدعم والدعاء، ومؤكدين أن الجدية والقيادة النزيهة مع الإمكانيات الكافية ستحسم المعركة.
وعبروا عن الثقة بأن تعز لن تنكسر، وأن المعارك الحالية جزء من استعادة الدولة، مع تحية خاصة للمرابطين والأهالي.

















