ماذا وراء المخاوف الجزائرية من إقرار عقوبة الإعدام في جرائم حرائق الغابات؟

"العدالة يجب أن تحاسب المسؤولين عبر محاكمات نزيهة، وليس عبر الانتقام بالقتل"
أعادت الحرائق الواسعة التي شهدتها غابات الجزائر خلال صيف 2026 عقوبة الإعدام إلى صدارة النقاش والجدل في البلاد، بعد أكثر من ثلاثة عقود على تجميد تنفيذها، عقب ما عُرف بـ"العشرية السوداء" التي عاشتها الجزائر في نهاية القرن الماضي.
وصادق المجلس الشعبي الوطني -النواب-، بالإجماع يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، على نص القانون المعدّل والمتمم لقانون العقوبات الذي تضمن استحداث عقوبة الإعدام لعدد من الجرائم.
وينص القانون، ضمن أحكامه، على تطبيق عقوبة الإعدام بحق مرتكبي جنايات إضرام النار عمدًا في الغابات والحقول، والتخريب المتعمد للأملاك العمومية والخاصة، عندما تُرتكب هذه الأفعال لصالح أطراف أجنبية، أو في إطار الخيانة أو التخابر أو الجريمة المنظمة.
كما تشمل العقوبة جرائم تستهدف الأمن والنظام العام والوحدة الوطنية، أو تهدد الاستقرار الاقتصادي والبيئي، إلى جانب تشديد العقوبات المرتبطة بجرائم اختطاف الأطفال.
وسارعت الحكومة الجزائرية إلى نشر هذه التعديلات في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية، وذلك يوم 14 أكتوبر 2026.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد وجّه وزير العدل إلى إعداد مشروع تعديل لقانون العقوبات، يتضمن إقرار عقوبة الإعدام بحق كل من يتعمد إضرام النار في الغابات، وذلك عقب موجة حرائق شهدتها عدة ولايات في شرق البلاد ووسطها، وأسفرت عن مقتل 12 شخصًا.
وجاء القرار خلال اجتماع عقد يوم 30 سبتمبر/ أيلول 2026، برئاسة تبون في مقر رئاسة الجمهورية، وخُصص لبحث الإجراءات المتعلقة بالتكفل بتداعيات الحرائق الأخيرة، بحضور كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين.
وشهدت الجزائر، في الفترة من 26 إلى 30 أغسطس/ آب 2026، موجة من الحرائق المدمرة التي اجتاحت مساحات واسعة من شمال شرق البلاد، لا سيما منطقة القبائل والمناطق المجاورة، وخلّفت خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبحسب الأرقام الرسمية، بلغ عدد الضحايا 37 قتيلًا وأكثر من 183 جريحًا، فيما أتت الحرائق على ما يزيد على 141 ألف هكتار من الغطاء النباتي، في حصيلة أولية تُعد الأعلى منذ عام 2021.
وأعادت هذه الكارثة إلى الواجهة إشكالية هشاشة المناطق الغابوية في مواجهة الكوارث المتكررة، فضلًا عن الانتقادات المتعلقة بمدى جاهزية منظومة الوقاية والاستجابة للطوارئ، وما أثير بشأن تأخر أو ضعف وسائل التدخل والإطفاء الجوي والبري في بعض البؤر الوعرة.
صياغات فضفاضة
القرار الحكومي الجديد لم يمر بدون إحداث ضجة كبرى في الجزائر؛ حيث ظهر الانقسام واضحا بين مؤيدين ومعارضين، وهو النقاش الذي تفاعلت معه مؤسسات حقوقية دولية أيضا.
حيث وصفت نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، ديانا الطحاوي، التعديلات التي اعتمدها المجلس الشعبي الوطني بـ "التراجعية"، وأنها "بمثابة ضربة قاصمة لحقوق الإنسان".
وشدّد الطحاوي في تعليق نشره الموقع الإلكتروني لمنظمة العفو الدولية، أن ما تمضي فيه الحكومة الجزائرية يتعارض مع التزامات الجزائر الدولية إزاء حقوق الإنسان.
ورأت أن هذه التعديلات التي تم تمريرها على عجل عبر البرلمان في عملية خلت من المشاورات الفعَّالة مع الأطراف المعنية، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان والمحامون، على تطبيق عقوبة الإعدام على أفعال صيغت بصياغاتٍ فضفاضة، مثل التحريض على إشعال الحرائق أو تشجيعها أو تسهيلها، بما في ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأردفت، كما أن هذه الخطوة الخطيرة التي تُمثِّل انتكاسة، فضلا عن التهديدات باستئناف تنفيذ عمليات الإعدام للمرة الأولى بعد أكثر من 30 عاما، تتناقض مع موقف الجزائر التي تدعم بشكل مستمر قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعية إلى إعلان وقف تنفيذ عمليات الإعدام تمهيدا لإلغاء عقوبة الإعدام، كما تتعارض مع الاتجاه العالمي لإلغاء هذه العقوبة.
من جانبه، أعرب "الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان" -مقره باريس- عن تضامنه مع ضحايا الحرائق الأخيرة وعائلاتهم وجميع من هبّوا لتقديم المساعدة للمتضررين، مقدرا أن الاستجابة القضائية مع هذه الحرائق لدى نظام العدالة الجنائية تُثير القلق.
وشدَّد الاتحاد في بيان تفاعلي مع الحدث، أن المطلوب هو "استجابة قضائية جادة ومستقلة وفعالة"، مؤكدا أنه "لا يُمكن تبرير استئناف عمليات الإعدام، لا سيما أن أفرادا قد أُلقي القبض عليهم بالفعل على خلفية التحقيقات في هذه الحرائق".
وترى المؤسسة الحقوقية أنه "لا يمكن لأي جريمة، مهما بلغت خطورتها، أن تبرر عقوبة الإعدام. ففي قضايا الحرق العمد، كما في أي جريمة أخرى، يجب على العدالة مقاضاة المسؤولين ومحاكمتهم ومعاقبتهم، لكن لا يجوز لها أن ترد على الموت بالموت".
ولذلك، تضيف المؤسسة، "إعادة العمل بالإعدام في الجزائر ستشكل انتكاسة تاريخية وقطيعة مع أكثر من ثلاثين عاما من الوقف الفعلي لتنفيذ أحكام الإعدام".
وأكد المصدر ذاته أن "الحكومة الجزائرية لن تعزز مكانتها بإعادة تفعيل المشنقة، بل بتحويل هذا الوقف إلى إلغاء نهائي، وبالتأكيد بشكل قاطع على أن الحق في الحياة لا يعتمد على طبيعة الجريمة ولا على الظروف السياسية".

عقوبة غير مبررة
على المستوى الداخلي، يرى رئيس جمعية حماية حقوق الإنسان في الجزائر، عيسى رحمون، أن خطورة الجريمة لا يمكن أبدا أن تبرر عقوبة الموت.
وشدَّد رحمون وفق ما نقل موقع "أحداث اليوم" في 14 أكتوبر، أن العدالة يجب أن تحاسب المسؤولين عبر محاكمات نزيهة، وليس عبر الانتقام بالقتل، مشيرا إلى أن إعادة تفعيل المشنقة تمثل تراجعا كبيراً
وأكد أن الجزائر لم تنفذ أي حكم إعدام منذ 33 عاما، رغم صدور أحكام بالإعدام بشكل منتظم، وأن الجزائر دعمت في السنوات الأخيرة قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعية إلى وقف عمليات الإعدام بهدف إلغاء العقوبة نهائيا.
ورأى أن الحديث عن إعادة الإعدام أو توسيع نطاقه يمثل تراجعا كبيرا في مجال حقوق الإنسان، وإشارة خطيرة تجاه الالتزامات الدولية للبلاد، داعيا إلى التركيز على التحقيقات المستقلة والموثوقة لتحديد المسؤوليات بناء على الأدلة.
وتوقف رحمون عند ضرورة احترام مبدأ البراءة وضمان حقوق الدفاع لكل شخص يتهم، وأن تتم المحاكمات أمام محاكم مستقلة مع توفير طرق استئناف فعالة لضمان العدالة، مطالبا بتعزيز آليات الوقاية من الحرائق بدلا من اللجوء للعقوبات القاسية.
في السياق ذاته، جددت الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنون، رفضها للعودة إلى تنفيذ عقوبة الإعدام، مؤكدة أن مواجهة الجريمة تكون عبر معالجة أسبابها ومعاقبة مرتكبيها، وليس بتنفيذ الإعدام.
وأكَّدت حنون في تصريحات صحفية بالمناسبة، أن الدولة مطالبة بحماية الأرواح، مقدرة أن عقوبة الإعدام لا تعالج جذور الجريمة، كما شددت على أهمية حماية مصداقية القضاء وتفادي الأخطاء القضائية التي لا يمكن تدارك آثارها في حال تنفيذ حكم الإعدام.
تجدر الإشارة إلى أنه قبل يوم من نشر القانون بالجريدة الرسمية، نشرت وزارة الدفاع فيديو ترويحي لتحقيق أمني بعنوان "كشف مكائد الخيانة… وخيوط العمالة"، يرتقب بثه عبر التلفزيون العمومي، ويتضمن تصريحات لأشخاص يتحدثون عن استغلالهم في تنفيذ أعمال تخريبية، من بينها إحراق الغابات، مع ورود اسم المعارض السياسي أمير بوخرص، المعروف بـ "أمير دي زاد".
وتحدثت الوزارة عن استغلال الظروف الاجتماعية والطمع في النفوذ، من خلال تقديم وعود بالثراء ومساعدات من الخارج، مقابل تكليف أشخاص بمهام تستهدف الأمن الوطني والممتلكات والثروات الجزائرية.
وجاء في التسجيل أن هذه المهام تشمل إحراق الغابات وإلحاق خسائر بالمقدرات الوطنية، فضلًا عن بث الفرقة وزعزعة الاستقرار داخل المجتمع، وفق ما ورد في التصريحات المنشورة.
كما تضمّن المقتطف حوارا يشير إلى تنفيذ عملية أولى، قبل توجيه سؤال بشأن إمكانية تنفيذ مهمة في قسنطينة، مع تأكيد المتحدث أن المطلوب هو تنفيذ ما يُكلّف به الشخص المعني.
وتضمنت التصريحات، بحسب المقتطف، حديثا عن وعد بالتكفل بإجراءات الحصول على تأشيرة إلى فرنسا إلى جانب الإشارة إلى ما وصفه المتحدث بـ "الزواج الأبيض" (mariage blanc)، وهو زواج صوري يُبرم بغرض الحصول على منفعة، مثل تسوية وضعية الإقامة، دون أن يكون قائما على علاقة زوجية فعلية.

المتهم الأول
في ظل هذا الجدل، أكد الناشط السياسي الجزائري عبد اللطيف بوسنان، أن الأبعاد السياسية لهذا التعديل الذي تقدَّمت به السلطات وصادق عليه البرلمان لا تخفى، ومنها تهديد المعارضين السياسيين لنظام تبون.
وأضاف بوسنان لـ "الاستقلال"؛ ذلك أنه سبق أن حَكم عليّ النظام أنا شخصيا بعام حبس نافذ لأنني كتبت في حسابي عبر فيسبوك أن تبون رئيس فاشل، نعم سنة كاملة حبسا نافذا من أجل كلمة.
واسترسل، وهي كلمة سياسية بما أنني مواطن جزائري ويمكنني التصويت ضد تبون والقول: إنه فاشل لأنني لن أصوت عليه بما أنه فشل، يعني أنا قمت بدوري فقط.
وأردف، فعندما تقول كلمة حق أو تصف حقيقة الواقع يحكم عليك قضاء النظام الفاسد بعام سجنا نافذا فما بالك لو أقول أكثر من ذلك، وأكشف فساد بارونات النظام وملفات الكوكايين وتضخيم الفواتير والنهب بكل أشكاله وعلاقاتهم بشبكات خارجية خطيرة.. إلخ.
وأردف، في هذه الحالة يمكن لبارونات النظام أن يلفقوا لي ملفا مفبركا ويحكموا علي بالإعدام.
والآن مع هذا التعديل التشريعي الذي سمح بتطبيق عقوبة الإعدام، يقول بوسنان، فإن السؤال المطروح هو لماذا الإعدام، والجواب الواضح هو أن النظام لم يجد ردا أقوى ليغطي على جريمة كبيرة جدا، هو المتهم الأول فيها.
وأوضح، لأن النظام عرف مباشرة بعد الكارثة العظمى التي وقعت في غير ما منطقة، أن الشعب سيطلب منه أجوبة عن الإمكانيات والميزانية الكافية التي لم يخصصها للحماية المدنية، وأنه لم يقم بدوره في تهيئة الغابات ضد الحرائق، وأنه لم يضع منظومة للإنذار المبكر للحرائق، وأنه لم يضع مخططا للطوارئ لحماية أرواح الناس في حالة عجزه عن السيطرة على النيران.
وأردف الناشط السياسي، كل هذه الأسئلة كانت ستجعل من النظام هو المتهم والمسؤول الأول عن أرواح مئات الأبرياء وأرزاق آلاف العائلات، ودمار آلاف الهكتارات من الغابات.
إذن، يقول بوسنان، جاء هذا التشريع الجديد من أجل التغطية عن هذه الجريمة الكبيرة جدا، ولذلك سيصعد النظام ويعلن عن تفعيل تنفيذ حكم الإعدام في متهمين وهميين لا يعرفهم أحد ولم يرهم أحد.
ونبَّه المتحدث ذاته إلى أن أغلبية الجزائريين يعرفون اليوم أن السؤال الرئيس والقضية المركزية في كارثة الحرائق هو ليس من أشعلها بل كيف يمكن التصدي لها، لأن اشعال نار في الغابة أمر في متناول أيا كان، والدولة لا يمكنها مراقبة 47 مليون ساكن، لكن الدولة عليها واجب توفير الإمكانات اللوجستية اللازمة.
وعليه، يرى بوسنان أن كلام النظام عن المتسببين في الحرائق هو فقط للتهرب من المسؤولية، وهو أكبر دليل يدين النظام الفاسد ويجعله المتهم الرئيس في ارتكاب جريمة جيجل؛ لأن هذه من أكثر ولايات الوطن كثافة غابويا ومع ذلك لا تمتلك منظومة للإنذار المبكر للحرائق بعد سنوات من الكوارث التي عرفتها البلاد في تيزي وزو وفي الكثير من الولايات الشمالية.
المصادر
- الجزائر: يجب على مجلس الأمة رفض التشريعات التراجعية التي توسِّع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام
- Algérie : le Président Tebboune et les autorités en pleine surenchère sur la peine de mort pour cacher leur impuissance à gérer les incendies
- من حرائق الغابات إلى “خيوط العمالة”.. ما علاقة “أمير دي زاد”؟
- الجزائر: تيبوبن يهدد بإعادة الإعدام لتغطية إخفاقه أمام الحرائق















