رغم رفض الشارع.. لماذا أعاد رئيس موريتانيا تكليف "ولد أجاي" بتشكيل حكومة جديدة؟

"تشكيل الحكومة ستكون رسالة سلبية لكل من ينتظر إصلاحا حقيقيا ومحاربة جادة للفساد"
تشهد الساحة السياسية في موريتانيا تفاعلا واسعا عقب إعلان استقالة الحكومة، وسط تساؤلات بشأن ارتباط الخطوة بتحركات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لإعادة ترتيب المشهد السياسي، في ظل النقاش الدائر حول ولاية رئاسية ثالثة.
وكان الوزير الأول المختار ولد أجاي قد قدم استقالته واستقالة حكومته إلى الرئيس الغزواني، قبل أن تعلن الرئاسة الموريتانية في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 إعادة تعيينه بموجب مرسوم، وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة.
وجاءت استقالة الحكومة بعد يوم من عرض خلاصات التقرير النهائي لـ"لجنة التحقيق المستقلة" بشأن حريقي محطتين للتحويل الكهربائي في نواكشوط، اللذين تسببا خلال أغسطس/ آب 2026 في انقطاع الكهرباء عدة أيام عن مناطق واسعة من العاصمة.
في المقابل، يرى مؤيدون للحكومة أنه لا توجد علاقة بين تقرير اللجنة واستقالة ولد أجاي، بتقدير أن الحكومة لم تكن متورطة بشكل مباشر في الحرائق أو الأحداث المرتبطة بها.
وكانت حكومة ولد أجاي قد تشكلت مطلع أغسطس 2024، مع بداية الولاية الرئاسية الثانية للغزواني، واستمرت نحو عامين وشهرين، شهدت خلالهما تعديلين وزاريين.
ويعد ولد أجاي ثالث وزير أول يعينه الغزواني منذ وصوله إلى السلطة عام 2019، بعد إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا ومحمد ولد بلال.
تكليف جديد
وخلال تعيينه، تعهد الوزير الأول المكلف المختار ولد أجاي بالعمل فورا على تشكيل حكومة جديدة، مؤكدا أن الحكومة الجديدة يجب أن تكون لديها الكفاءة السياسية والفنية لمواصلة تنفيذ برنامج الرئيس غزواني "طموحي للوطن".
وأضاف ولد أجاي في تصريح صحفي بالمناسبة، عقب تعيينه وزيرا أول بعد ساعات من استقالته، أن الحكومة الجديدة يجب أن تكون قادرة على مواجهة تحديات الأزمة العالمية الراهنة، وخصوصا تعزيز شبكة الأمان التي ستسمح للمواطنين الأقل دخلا بمواجهة تأثيرات هذه الأزمة.
وأردف ولد أجاي أن الحكومة الجديدة يجب أن تكون قادرة على خلق ديناميكية وأمل حقيقيين في التكوين وفي التشغيل وفي الإشراك والتمكين للشباب في المدن والأرياف، وأن تكون قادرة على خلق تنمية محلية في المدن والمناطق الداخلية.
وأكد الوزير الأول أنه سيباشر العمل بهذه التوجيهات من أجل أن يتمكن من تقديم مقترح يلبي هذه الصفات والتوجيهات في أقرب وقت إلى الرئيس غزواني من أجل تعيين الحكومة الجديدة.
ووصف ولد أجاي ثقة غزواني بـ "الغالية، وبالأمانة"، معبرا عن أمله في أن يكون عند حسن ظن الرئيس في تأدية الأمانة على الوجه الأكمل، مردفا أن الرئيس كلفه بتقديم مقترح لتشكيل حكومة جديدة، لافتا إلى أنه عبر للرئيس عن شكره وامتنانه لهذا التكليف.
فساد وسوء إدارة
بمجرد إعلان ولد أجاي لاستقالته، دعت أحزاب معارضة وشخصيات سياسية إلى تشكيل حكومة تقنوقراط لمعالجة حالة الفساد المستشري في البلاد وفي الدوائر الحكومية، والتمهيد لانتخابات تشريعية نزيهة، تعيد الثقة للمواطنين في الحياة السياسية.
وفي هذا الصدد، بعث السياسي المعارض محمد ولد الدحان، برسالة تحذير إلى رئيس الجمهورية، أكد فيها أن إعادة تكليف ولد أجاي بتشكيل الحكومة ستكون رسالة سلبية لكل من ينتظر إصلاحا حقيقيا ومحاربة جادة للفساد.
وشدد ولد الدحان في منشور له عبر فيسبوك بتاريخ 09 أكتوبر 2026، أن هذا التعيين سيثير تساؤلات مشروعة حول مدى جديكم في إحداث التغيير المنشود، مقدرا أن "الوطن بحاجة إلى وجوه جديدة وكفاءات نزيهة لا إلى إعادة تدوير المفسدين".
بدوره، أكد الفاعل الحزبي والحقوقي يعقوب أحمد لمرابط، أنه لا أمل في التغيير والإصلاح من خلال ما أعلن عنه، مشددا أن من ينتظر هذا التغيير "واهم جدا".
وأشار لمرابط في منشور عبر حسابه على فيسبوك إلى أن الوزير الأول سبق أن أعلن في أول مقابلة إعلامية له، أنه لا يمكن الاستغناء عن المفسدين.
وتابع قائلا باللهجة الحسانية: "اللي ما جاء في أول الگصعة، ما إجي فعكابها"، في إشارة منه إلى أن الإصلاح الذي لم يأت في أول الولاية لن يأتي في آخرها.
في السياق، يرى الإعلامي محمد سوله، أن إعادة تكليف المختار ولد أجاي بتشكيل الحكومة لا تعني الرفض الشامل للأداء السابق، بل تحمل رسائل سياسية وإدارية موجهة لضمان الاستقرار السياسي من خلال الحفاظ على شخصية تتمتع بخبرة تكنوقراطية وسياسية واسعة لضمان استمرارية برنامج الرئيس.
وشدد سوله في تحليل نشره موقع "نبض ميديا" المحلي، أن إعادة التكليف منحت الوزير الأول الفرصة لإعادة هيكلة فريقه والتخلص من مكامن الضعف والتقصير الوزاري.
وأشار إلى أن الأولويات التي يجب التركيز عليها خلال هذه الولاية الحكومة تشمل تصفية القطاعات الخدمية ومعالجة التعثرات التي تعتريها، وخاصة في الكهرباء والمياه والبنية التحتية.
واسترسل، وكذا "مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية"، و"إرساء آليات أكثر صارمة في متابعة المشاريع العمومية وتفادي أزمات الصيانة والتشغيل".
وشدد سوله أن الوزير الأول يواجه في مأموريته الجديدة تحديات متعددة، في مقدمتها استعادة ثقة الشارع، عبر تحسين سريع وملموس في جودة الخدمات الأساسية.
وتابع، وأيضا الضغوط الاقتصادية، عبر إدارة الملفات التنموية ومكافحة التضخم في ظل ظروف إقليمية ودولية دقيقة.
وأردف، وأيضا ما تعلق بالسياسة والانتخابات، من خلال الحفاظ على التوازن بين القوى السياسية المشكلة الداعمة للرئيس وضمان انسجام الفريق الحكومي.

مصداقية غائبة
على المستوى الحزبي، قال زعيم حركة "إيرا" النائب البرلماني بيرام ولد اعبيد، إن رئيس الجمهورية كانت أمامه فرصة تاريخية للقطيعة مع الممارسات التي قادت موريتانيا إلى المأزق الذي تتخبط فيه، لكنه اختار الإبقاء على الوضع القائم.
وأضاف ولد اعبيد، وفق ما نقل موقع "ميادين" المحلي، بتاريخ 10 أكتوبر 2026، "بإعادة تعيين رئيس حكومته بدلا من الإصغاء إلى غضب الشعب، اختار رئيس الدولة الاستمرارية على حساب التغيير".
وشدد أن هذا القرار لا يجيب عن التساؤلات الملحّة التي أثارتها القضايا الأخيرة، ولا يستجيب للانتظارات العاجلة للموريتانيين الذين ترهقهم غلاء المعيشة والبطالة والفقر والفساد وانعدام المساواة.
وتابع: "كما أنه لا يعالج إخفاق حكومة قادها الارتجال وانعدام الكفاءة والمحسوبية إلى دفع البلاد نحو أزمة متعددة الأوجه، وهي تزداد، يوما بعد يوم، انحدارا وتفككا".
وزاد: "ولا يعكس القرار، أي إرادة لاحتواء التوترات الناجمة عن استمرار مظاهر تجاوزها الزمن وتراكم إرث تاريخي ثقيل، ولا لمراجعة القوانين المقيّدة للحريات التي ترهن مستقبل البلاد وتعرقل تنميتها".
ويرى القيادي الحزبي المعارض أن هذا القرار، يكشف عن اتساع الهوة بين رئيس دولة حبيس الدائرة الضيقة لحاشيته وتطلعات الشعب الموريتاني العميقة.
وأشار إلى أن الحراك على شبكات التواصل الاجتماعي، ومواقف المواطنين وقادة الرأي، والدعوات المتكررة إلى رحيل المختار ولد أجاي، كلها مظاهر لرفض واسع لرئيس الحكومة وفريقه.
ويرى ولد اعبيد أن ولد الغزواني بضربه عرض الحائط بهذه المطالب، وجّه صفعة حقيقية إلى الموريتانيين، بمن فيهم قطاع واسع من أغلبيته السياسية نفسها، الذين كانوا يطالبون بالتغيير.
وخلص إلى أن المختار ولد أجاي مسؤولية سياسية جسيمة عن الانحراف الذي يشهده أداء الدولة اليوم، معتبرا أن "الإبقاء عليه في منصبه يعني مواصلة نهج ثبتت حدودُه وإخفاقاتُه، وتجاهل المطالب بالتغيير التي عبّر عنها الموريتانيون عن عمد".
من جانبه، طالب حزب تجديد الحركة الديمقراطية "تحدي" بتشكيل حكومة كفاءات وطنية تتسم بالنزاهة والاستقلالية والقدرة على الإنجاز، محذرا من إعادة تعيين مسؤولين تحوم حولهم شبهات فساد في التشكيلة المرتقبة.
ووفق ما نقل موقع "أطلس انفو" المحلي بتاريخ 10 أكتوبر 2026، فذكر الحزب أن الحكومة الجديدة ينبغي أن تعكس إرادة التغيير، وأن تضع المصلحة الوطنية فوق التقديرات الضيقة، مقدرا أن طبيعة التعيينات المرتقبة ستحدد ملامح التوجهات السياسية للمرحلة المقبلة.
ودعا الحزب إلى استكمال التحقيق في حرائق محطتي التحويل الكهربائي بنواكشوط، وإحالة كل من تثبت الأدلة ضلوعه في القضية إلى العدالة، ومحاسبة المسؤولين عن الحادثة دون انتقائية أو استثناء.
وحمل الحزب النظام المسؤولية السياسية عن ضمان عدم طيّ الملف أو تعطيل مسار المساءلة، محذرا من أن إعادة تعيين المسؤولين دون إصلاح فعلي ومحاسبة جدية ستؤدي إلى استمرار الاختلالات وتعميق أزمة الثقة في مؤسسات الدولة.
وأضاف الحزب أن مصداقية التغيير لا تقاس بمجرد تغيير الأسماء، وإنما بمدى الالتزام بمعايير الكفاءة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا وأعلنت الوزيرة الأمينة العامة للرئاسة، عيساتا با يحي، في وقت متأخر مساء السبت 10 أكتوبر، تشكيلة حكومة ولد أجاي الجديدة، والتي أبقت معظم أعضاء الفريق السابق، مع تغييرات في الدفاع والداخلية والطاقة وقطاعات اقتصادية وخدمية.
وحدد الإعلان الرسمي مهمة الحكومة في مواصلة البرنامج الرئاسي، ومواجهة تداعيات الأزمة العالمية، وتعزيز الحماية الاجتماعية والتشغيل وتنمية الداخل.

استطلاع كاشف
رفض ولد أجاي من لدن الشارع الموريتاني تشهده تفاعلاتهم الواسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضا استطلاعات الرأي، ومن ذلك النتائج النهائية لاستطلاع رأي نشره "صالون انواكشوط" حول أداء حكومة الوزير الأول المختار ولد أجاي، بعد يومين من إطلاقه، والذي شهد تفوقا واضحا لخيار المطالبة برحيل الحكومة.
وذكر الاستطلاع المنشور بتاريخ 14 أغسطس 2026، أنه أحصى أكثر من 70 ألف مشاهدة ومشاركة وتفاعل عبر المنصة، فيما توزعت آراء المشاركين على النحو التالي: 85% يؤيدون إقالة الحكومة، و10% قالوا إنهم يحتاجون مزيدًا من الوقت لتقييم أدائها، مقابل 4% يؤيدون استمرار الحكومة، و1% فقط يؤيدون إجراء تعديل جزئي عليها.
وتكشف النتيجة، يقول الصالون في منشور عبر حسابه على فيسبوك، في حدود جمهور الاستطلاع وطبيعته، عن مزاج نقدي لافت تجاه أداء الحكومة، إذ لم يكتفِ معظم المشاركين بالمطالبة بتعديل بعض أعضائها، بل ذهبوا مباشرة إلى خيار رحيلها.
وأردف، "لكن الرقم الأهم ربما لا يكون 85% وحده، بل الفارق الكبير بين من يطالبون بإقالة الحكومة ومن يمنحونها ثقتهم للاستمرار".
أسئلة أخلاقية
يرى الكاتب الصحفي محمد عبد الرحمن ولد عبد الله، أن تكليف ولد أجاي من جديد بتشكيل حكومة جديدة ليس مجرد إجراء دستوري عابر، بل فتح الباب أمام أسئلة سياسية وأخلاقية تتجاوز أسماء الوزراء القادمين إلى جوهر العلاقة بين السلطة والمساءلة.
وأضاف ولد عبد الله لـ "الاستقلال"، أنه من غير المفهوم تجديد الثقة في مسؤول تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى حصيلة تسييره، بينما ينتظر المواطنون إجابات واضحة عن ملفات الفساد والاختلالات الإدارية وتعثر الخدمات الأساسية.
وشدد المتحدث ذاته أن جوهر الإشكال ليس في حق الرئيس في اختيار الوزير الأول أو إعادة تكليفه، وإنما في المعايير التي تحكم هذا الاختيار، وفي مدى استجابته لمطالب المحاسبة والتغيير.
وتابع، فالتكليف الجديد يضع السلطة التنفيذية أمام اختبار حقيقي: هل يتعلق الأمر بمراجعة جدية للأداء الحكومي، أم باستمرار النهج نفسه مع تغيير بعض الوجوه وإعادة توزيع الحقائب؟
ونبه ولد عبد الله إلى أنه من حق الرئيس أن يمنح ثقته لمن يراه مناسبا لقيادة الحكومة، لكن الثقة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن التقييم والمحاسبة.
واسترسل، ذلك أن الوزير الأول ليس مسؤولا عن إدارة الملفات الحكومية فحسب، بل يفترض أن يكون مسؤولا أمام رئيس الجمهورية والرأي العام عن نتائج السياسات العامة، وعن مدى التزام الحكومة بالقانون والشفافية وحسن استخدام المال العام.
ومن هنا تبرز المفارقة، يقول الكاتب الصحفي، مشددا أنه إذا كانت الانتقادات الموجهة إلى أداء الحكومة تتعلق بملفات جوهرية تمس المال العام والخدمات الأساسية ومعيشة المواطنين، فإن تجديد الثقة في رئيسها يستدعي توضيحا سياسيا بشأن أسباب هذا القرار، والمعايير التي استند إليها، والنتائج التي ينتظر تحقيقها خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف، أما أن يعاد تكليف المسؤول نفسه دون إعلان تقييم واضح للحصيلة السابقة أو تحديد التزامات قابلة للقياس، فذلك يترك المجال واسعا للتساؤل عما إذا كانت إعادة التشكيل تعني تغيير السياسات أم مجرد إعادة ترتيب للمشهد الحكومي.
وذكر ولد عبد الله أن مسؤوليات الرئيس والوزير الأول تتداخل في إدارة السلطة التنفيذية، لكن هذا التداخل لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتبديد المسؤولية.
وأضاف: "إذا كان الوزير الأول يدير العمل الحكومي وينسق أداء الوزراء، فإن الرئيس يتحمل بدوره مسؤولية سياسية عن خياراته الكبرى، وعن استمرار المسؤولين الذين يجدد لهم الثقة".
لذلك، يقول ولد عبد الله، "لا يستقيم أن تحمل الحكومة وحدها كل الإخفاقات، بينما يبقى القرار الرئاسي خارج دائرة الأسئلة. كما لا يصح أن يتحول الوزير الأول إلى كبش فداء عند كل أزمة، ثم يعاد إلى موقعه متى اقتضت الحسابات السياسية ذلك، من دون تقديم حصيلة واضحة للرأي العام".
وشدد الكاتب الصحفي أن "المساءلة الحقيقية تبدأ بتحديد المسؤوليات، وتقييم النتائج، وإحالة ما يثبت من مخالفات إلى الجهات المختصة، بعيدا عن التوظيف السياسي أو إطلاق الأحكام قبل اكتمال التحقيقات".
وخلص ولد عبد الله إلى أن الدولة لا تدار بتجديد الثقة وحده، ولا تستعاد ثقة المواطنين بتغيير الأسماء، وإنما بنتائج ملموسة، وشفافية قابلة للتحقيق ومحاسبة لا تستثني أحدا.

















