إجراءات صارمة لتجنيد الشباب التونسي وملاحقة المتخلفين.. ما السر؟

"تضاعفت ميزانية الجيش في تونس بأكثر من مرتين منذ عام 2018"
بعد سنوات من التساهل مع عدم أداء الخدمة العسكرية، شرعت السلطات التونسية في تطبيق إجراءات أكثر تشددا لإلزام الشباب بالالتحاق بالجيش، تشمل ملاحقة المتخلفين عن التجنيد قضائيا، في إطار جهود تستهدف تحديث المؤسسة العسكرية، وفي المقام الأول زيادة عدد أفرادها.
وفي هذا الإطار، تناولت صحيفة "لوموند" الفرنسية التحركات التي تقودها وزارة الدفاع التونسية لاستقطاب عشرات الآلاف من المجندين، في وقت يشهد فيه الإقبال على الخدمة الوطنية تراجعا منذ ثورة 2011، بالتزامن مع تصاعد التهديد بفرض عقوبات قانونية على الممتنعين عن أدائها.

نهاية العزوف
ووصفت الصحيفة الوضع في مدينة سوسة شرقي تونس، قائلة: "اصطف نحو 50 شابا تحت أشعة الشمس أمام الجدران المتهالكة لإحدى الثكنات العسكرية بالمدينة، يوم الإثنين 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2026".
وتابعت: "جاء معظم هؤلاء الشباب من المدينة الساحلية الواقعة شرقي البلاد، بينما قدم آخرون من القيروان والمهدية الواقعتين إلى الجنوب منها، وجميعهم مدعوون لأداء الخدمة العسكرية لمدة 12 شهرا، التي تعد إلزامية من الناحية القانونية للتونسيين الذين تجاوزوا سن العشرين منذ عام 1975".
واستدركت: "رغم ذلك، شهدت الخدمة الوطنية عزوفا واسعا منذ ثورة 2011، ولم يعد يلتحق بها سوى عدد محدود من الشباب المشمولين بالتجنيد".
وبحسب التقرير، فإن "مركز التجنيد في سوسة، وهو واحد من خمسة مراكز في البلاد، يواصل استقبال الشباب المستعدين لأداء الخدمة العسكرية، رغم انتهاء آخر دورة للتجنيد في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2026".
ووفق رأيها، فإن "هذا الإقبال الملحوظ لا يعود بالضرورة إلى استعادة الخدمة العسكرية شعبيتها بين الشباب، بقدر ما يرتبط بالخوف من العقوبات التي باتت تهدد المتخلفين عن التجنيد".
وفي سياق تحليلي، ذكرت أن "الجيش التونسي يحظى بصورة إيجابية لدى الرأي العام، لكن نظام الخدمة الوطنية الإلزامية ظل مهملا لفترة طويلة؛ إذ لم يكن يؤديها فعليا سوى جزء من الشباب المطلوب تجنيدهم".
ونقلت عن أستاذ الأمن والمخاطر الجيوسياسية في مدرسة غرونوبل للإدارة، مراد شابي، قوله: "خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، كانت السلطات تنفذ حملات توقيف لإجبار الشباب على أداء الخدمة العسكرية، لكن هذه الممارسات توقفت في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، عندما أصبحت الدولة تتغاضى عن أوضاع الشباب الذين لا يؤدون خدمتهم".
وتابعت: وفي فبراير/ شباط 2024، أقرت السلطات التونسية قانونا يعفي المواطنين المولودين قبل الأول من يناير/ كانون الثاني 2000 من أداء الخدمة الوطنية".

“400 ألف ملف”
إلا أن الآونة الأخيرة شهدت اتجاها معاكسا؛ فبحسب تقدير الصحيفة، "تبدو وزارة الدفاع التونسية عازمة مجددا على إلزام الشباب المتخلفين عن التجنيد بتسوية أوضاعهم، بهدف أساسي يتمثل في زيادة أعداد قوات الاحتياط".
وأردفت: "يضم الجيش التونسي في عام 2026 نحو 35 ألفا و800 عسكري في الخدمة الفعلية، وفقا لبيانات المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، وهو مركز أبحاث بريطاني وصف قدرات المؤسسة العسكرية التونسية بأنها محدودة، لكنها تشهد عملية تحديث".
وأضافت: "ومع وجود أكثر من 380 ألف شاب تتراوح أعمارهم بين 20 و24 عاما، ويحتمل أن يكونوا مؤهلين للخدمة العسكرية، تسعى قيادة الجيش إلى زيادة أعداد الجنود بصورة ملحوظة، من خلال تجنيد عشرات الآلاف خلال كل دورة".
وفي هذا الصدد، استشهد التقرير بتصريحات المتحدث باسم الإدارة العامة للتجنيد والتعبئة، النقيب أشرف خليفة، خلال مقابلة مع إذاعة "إكسبريس إف إم" التونسية في 24 سبتمبر/ أيلول 2026.
وحذّر خليفة من أنه "إذا مرت أربع دورات للتجنيد، خلال مارس/ آذار، ويونيو/ حزيران، وسبتمبر/ أيلول، وديسمبر/ كانون الأول، دون أن تلتحق بالخدمة العسكرية أو تسوي وضعك القانوني بالحصول على إعفاء، فقد ينتهي ملفك لدى السلطات العسكرية".
ولفتت الصحيفة إلى أنه "في يناير/ كانون الثاني 2025، أعلنت وزارة الدفاع، وللمرة الأولى منذ عقود، إحالة 400 ألف ملف متعلق بالخدمة الوطنية إلى القضاء العسكري، بحسب ما أوردته آنذاك صحيفة (لابراس) التونسية".
واستدركت: "غير أن هذا الرقم يشمل جميع الأشخاص المطلوبين للخدمة العسكرية، وليس فقط الذين اتخذت بحقهم إجراءات قضائية، إذ إن الملاحقات شملت نحو ربع هؤلاء، وفقا لما نشرته الصحيفة التونسية نفسها في أغسطس/ آب 2025".
وأوضحت أن "الأشخاص الذين تستمر أوضاعهم مخالفة للقانون قد يواجهون عقوبات تصل إلى السجن الفعلي لمدة عام، رغم عدم تسجيل أي أحكام إدانة معروفة حتى الآن بسبب التخلف عن الخدمة الوطنية".
وفي هذا الإطار، استعرض التقرير نتائج الإجراءات الجديدة، مشيرا إلى أن "الجيش التونسي أعلن في أغسطس/ آب 2025 أن نحو 30 ألف مواطن تمكنوا من تسوية أوضاعهم المتعلقة بالخدمة العسكرية، مقارنة بنحو 4500 شخص خلال الفترة نفسها من العام السابق".
ووفقا له، "تحققت هذه التسويات إما من خلال الالتحاق بالخدمة العسكرية، أو الحصول على إعفاء منها، وهو الخيار الذي استفادت منه الغالبية العظمى من هؤلاء الشباب".
ومع ذلك، نوّه إلى أن "العدد الفعلي للشباب الذين أدوا خدمتهم الوطنية خلال عام 2025 لم يعلن رسميا، كما أن وزارة الدفاع التونسية لم تستجب لطلب الصحيفة الحصول على توضيحات بشأن هذه الأرقام".

تمويل الجيش
وفي مركز التجنيد بمدينة سوسة، كان معظم الشباب الذين التقت بهم الصحيفة "يسعون للحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية، في ظلّ وجود حالات عديدة يتيح فيها القانون الإعفاء أو التأجيل، تشمل عدم اللياقة الطبية، وإعالة الأطفال، والإقامة خارج البلاد".
وبحسبها، فإن "الطلاب الذين تقل أعمارهم عن 28 عاما يستفيدون من تأجيل الخدمة العسكرية طوال فترة التحاقهم بالجامعة، شريطة الحضور سنويا إلى مركز التجنيد لتسوية أوضاعهم".
وأضافت: "هناك أيضا إجراء يستفيد منه الأشخاص الأكثر قدرة من الناحية المالية، يتمثل في إمكانية المساهمة في صندوق الخدمة الوطنية، من خلال اقتطاع شهري يتراوح بين 30 و50 بالمئة من صافي رواتبهم لمدة عام، مقابل الحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية".
وعلق أستاذ الأمن والمخاطر الجيوسياسية مراد شابي قائلا: "منذ عام 2017، يدرس الجيش التونسي مقترحات لإصلاح نظام الخدمة الوطنية، بهدف جعله أكثر جاذبية للشباب، وبالتالي أكثر فائدة للبلاد".
في هذا السياق، ذكرت الصحيفة أنه "في يونيو/ حزيران 2026، أعلنت وزارة الدفاع التونسية اعتزامها توسيع برامج التدريب المهني المقدمة للمجندين، وأبدت استعدادها لتقليص مدة الخدمة العسكرية".
ووفق تقديرها، فإن "قيادة الجيش تسعى من خلال نظام الخدمة الوطنية الجديد إلى تعزيز نموذج الجيش الهجين الذي تعرض لاختبارات صعبة خلال سنوات مكافحة الجماعات الإرهابية التي ظهرت أو تعزز نفوذها عقب ثورة 2011".
وبحسب دراسة نشرتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي عام 2020، فإن "الهجمات التي استهدفت الثكنات العسكرية والكمائن التي نفذتها الجماعات المتشددة خلال السنوات التي أعقبت ثورة 2011، أسفرت عن مقتل نحو 120 عنصرا من قوات الأمن وإصابة 200 آخرين، لا سيما من المجندين الأقل خبرة".
من جانبه، أوضح شابي أن "قيادة الجيش التونسي تتابع باهتمام التطورات الأمنية في جنوب الجزائر وليبيا، تحسبا لاحتمال شن الجماعات المسلحة هجمات مركبة جديدة".
وأضاف: "ستتيح زيادة أعداد المجندين للوحدات العسكرية الخاصة التي أنشئت بعد عام 2011 الاعتماد على جنود احتياط سبق لهم أداء الخدمة العسكرية، ويتمتعون بالقدرة على استخدام الأسلحة".
بالتوازي مع ذلك، لفت التقرير إلى أن "الجهود الرامية إلى زيادة أعداد المجندين تأتي ضمن توجه أوسع لتعزيز القدرات العسكرية التونسية، وليس مجرد معالجة النقص في أعداد الأفراد".
وتابع: "يواصل الجيش التونسي منذ عام 2024 تنفيذ برنامج لتحديث معداته العسكرية، رغم الأزمة التي تعاني منها المالية العامة للدولة، من خلال الحصول على طائرات وصواريخ ورادارات، لا سيما من الولايات المتحدة الأميركية".
وفي الوقت ذاته، "يشهد الإنفاق الدفاعي في تونس ارتفاعا مستمرا؛ إذ تضاعفت ميزانية الدفاع بأكثر من مرتين منذ عام 2018، في مؤشر على تزايد الاهتمام بتعزيز المؤسسة العسكرية وتحديث قدراتها".
















