"الوضع أصبح لا يُطاق".. إسرائيليون يدرسون الهجرة هربًا من الحروب وسياسات نتنياهو

منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

تشهد إسرائيل منذ عام 2023 موجة غير مسبوقة من هجرة الكفاءات، وفي ظلّ اقتراب الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، يفكر العديد من أصحاب المؤهلات العلمية في المغادرة إذا استمر الائتلاف الحاكم الذي يضم أحزاب اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، في السلطة.

وفي تقرير ميداني، استعرض موقع "فرانس 24" الفرنسي دوافع هذه الظاهرة وتداعياتها، من خلال شهادات باحثين وإسرائيليين يفكرون في الهجرة نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية.

هجرة العقول

وجاء في التقرير: "في مكتبه داخل جامعة تل أبيب، لا يخفي الخبير الاقتصادي إيتاي آتر معارضته الشديدة لحكومة نتنياهو، بعدما أثار مع فريقه البحثي جدلا واسعا في فبراير/ شباط 2026، بنشر دراسة استندت إلى إحصاءات حكومية".

وبحسب الموقع، فإن "الدراسة كشفت أن نحو 50 ألف إسرائيلي من أصحاب المؤهلات الجامعية يغادرون البلاد سنويا منذ عام 2023، في مؤشر على تصاعد هجرة الكفاءات".

وأوضح أن "نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين يعملون أطباء ومهندسين، بينما تقل أعمار 80 بالمئة منهم عن 40 عاما، ويتمتعون بمستويات دخل مرتفعة".

وفي هذا السياق، نقل التقرير عن آتر قوله: "من الواضح بالنسبة إلينا أن هذه الزيادة الكبيرة في الهجرة لا يمكن تفسيرها إلا بحدث وقع داخل إسرائيل، فقد رصدنا ارتفاعا حادا في أعداد المغادرين منذ صيف 2023، أي قبل أحداث 7 أكتوبر 2023".

وأضاف: "نعتقد أن بداية هذه الظاهرة ترتبط بمشروع الإصلاح القضائي الذي أطلقته حكومة نتنياهو في يناير/ كانون الثاني 2023، والذي كان يهدف إلى تقليص صلاحيات المحكمة العليا، ومنح الحكومة سلطة تعيين القضاة".

ووفق تحليله، فإن "هجرة العقول لا تعود إلى أسباب اقتصادية، أو إلى تقليص المخصصات المالية للخدمات العامة والبحث العلمي والابتكار، وإنما تمثل بالدرجة الأولى رد فعل على الأوضاع السياسية في إسرائيل".

وتابع: "انظروا إلى ما حدث في إسرائيل خلال السنوات الأربع الماضية، إنه جنون، فقد شهدنا أحداث 7 أكتوبر، والحروب في لبنان وغزة، واستدعاء جنود الاحتياط، والتهديد الإيراني".

بالإضافة إلى ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أن "هذه الحكومة تخصص مبالغ مالية هائلة لليهود المتشددين دينيا، ولذلك عندما تكون شخصا علمانيا، وتؤدي الخدمة العسكرية وتدفع الضرائب، فمن الطبيعي أن يتساءل كثيرون عما إذا كانوا لا يزالون يريدون تربية أطفالهم هنا في إسرائيل".

ولا يخفي الباحث آتر توجهاته السياسية اليسارية؛ إذ "يسعى إلى تحذير الرأي العام الإسرائيلي من التداعيات المحتملة لاستمرار هجرة العقول والكفاءات العلمية".

من جانب آخر، أشار إلى أن "تدهور صورة إسرائيل على المستوى الدولي انعكس سلبا على المؤسسات الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية التي أصبحت تواجه حملات مقاطعة متزايدة".

وأردف: "نتعرض للعديد من أشكال المقاطعة في الأوساط الأكاديمية، وهناك برامج بحثية يجرى وقفها لمجرد أننا إسرائيليون".

وفي ضوء هذه المعطيات، حذَّر آتر من "احتمال تصاعد هجرة الكفاءات خلال المرحلة المقبلة، بعدما غادر إسرائيل بالفعل نحو 150 ألفا من أصحاب المؤهلات الجامعية منذ عام 2023".

ورجّح أن "فوز أحزاب اليمين واليمين المتطرف ذات التوجه القومي المتشدد في انتخابات 27 أكتوبر 2026، قد يدفع أعدادا إضافية من الإسرائيليين إلى مغادرة البلاد".

وفي هذا السياق، استعرض التقرير "شهادة امرأة إسرائيلية تدعى تمار، تبلغ من العمر 32 عاما، وتعمل مديرة للمنتجات في شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتفكر جديا في الهجرة برفقة زوجها وطفلهما البالغ من العمر عاما واحدا، إذا استمر الائتلاف الحاكم في السلطة".

وبحسب شهادتها، فإنها "لم تعد تحتمل الحروب التي لا تنتهي، ونفوذ إيتامار بن غفير، المتعصب اليهودي، على رأس وزارة الأمن القومي، وأكاذيب نتنياهو".

وأضافت: "لم أعد أستطيع النوم بسبب الحرب؛ فقد أمضى زوجي أكثر من 400 يوم في الخدمة العسكرية ضمن قوات الاحتياط خلال السنوات الثلاث الماضية، وأشعر بغضب شديد تجاه الحكومة التي تسمح لليهود المتشددين دينيا بالإعفاء من الخدمة العسكرية".

اعتذار للحكومة

ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، أوضح الموقع أن "المجتمع لا يزال يعاني تداعيات الهجوم غير المسبوق الذي شنته حركة حماس قبل ثلاث سنوات؛ إذ يبدو أن الحوار انقطع بين من يواصلون المطالبة بالانتقام، ومن يريدون فهم كيفية وقوع مثل هذا الهجوم".

وبحسبه، فإن "أحزاب اليمين واليمين المتطرف تواصل استخدام الخطاب الديني لنزع الشرعية عن كل من يعارضها، في ظل تصاعد الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي".

وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى أن "إحياء ذكرى هجوم 7 أكتوبر هذا العام شهد جدلا واسعا، بعدما طالب صحفي في القناة 14 الإسرائيلية، المعروفة بدعمها الشديد لحكومة نتنياهو، أقارب رهائن إسرائيليين سابقين كانوا محتجزين في قطاع غزة بالاعتذار للحكومة".

وأوضح أن "الصحفي ينون ماغال استهدف المشاركين في تأليف كتاب جماعي صدر عام 2024 بعنوان (السيد المتخلي.. إرث الرجل الذي تخلى عن الرهائن)، والذي انتقد فيه عدد من أقارب الرهائن طريقة تعامل رئيس الوزراء مع قضيتهم".

وأضاف: "وصف ماغال مؤلفي الكتاب، خلال ظهوره على شاشة التلفزيون، بأنهم أكثر الأشخاص إثارة للاحتقار في إسرائيل، ما أثار ردود فعل غاضبة".

واستطرد: "ومن بين الذين ردوا عليه، شقيقة ياردين بيباس، أحد الرهائن الإسرائيليين الذين توفيت زوجته وطفلاه خلال احتجازهم في غزة".

ونقل التقرير عنها قولها: "تندرج هذه التصريحات ضمن حملة متعمدة للتحريض على الكراهية، وبثّ سموم الانقسام، بهدف وحيد هو إبقاء الشخص الذي يرفض حتى اليوم تحمل مسؤولية أكبر إخفاق شهدناه في السلطة".

“لا يطاق”

في هذه الظروف، تفكّر تمار في مغادرتها "إذا أسفرت الانتخابات عن استمرار الحكومة الحالية في السلطة".

وقالت: "الوضع أصبح لا يطاق، وأبحث حاليا إمكانية الانتقال للعمل في مكاتب شركتي بالولايات المتحدة أو أوروبا".

وأضافت: "أعلم أن الأمر لن يكون سهلا؛ لأن هذه الحكومة دمرت علاقاتنا مع بقية العالم، لدي أقارب يعيشون في ولاية نيوجيرسي الأميركية، وأصبحوا اليوم يخشون الإفصاح عن كونهم يهودا".

وترى تمار أنها “إذا اضطرت إلى مغادرة إسرائيل، فإنها تأمل أن تكون مغادرتها مؤقتة لبضع سنوات فقط، لا أن ترحل عنها نهائيا”، مؤكدة أنها "لا تخشى اتهامها بالخيانة؛ لأنها وزوجها أديا خدمتهما العسكرية".

وبحسب الموقع، فإن "تمار، شأنها شأن كثير من الإسرائيليين، تشعر بالخوف من السياسات المتشددة لحكومة نتنياهو التي لا تخفي عداءها لمن تصفهم بليبراليي تل أبيب".

وفي هذا الإطار، أعربت عن خشيتها من "تربية ابنها في بلد لم يعد يؤمن بالقيم الليبرالية، وتتحكم فيه مجموعة صغيرة من المتعصبين".

واستطردت تمار: "أصبح مجرد القول إنك يساري في إسرائيل أشبه بكلمة بذيئة، بينما أريد أنا العيش في دولة ديمقراطية".

من جانب آخر، توصلت مايا، وهي طبيبة عامة في تل أبيب، يعمل زوجها أيضا في قطاع التكنولوجيا، إلى القناعة نفسها التي عبرت عنها تمار بشأن مستقبل الحياة في إسرائيل.

ونقل التقرير عن مايا، وهي أم لثلاثة أطفال صغار، قولها: "خلال السنوات الأربع الماضية، شهدنا أحداث 7 أكتوبر، وسقوط الصواريخ الإيرانية على تل أبيب، حتى إن طفلي الأصغر كاد يولد داخل أحد الملاجئ أثناء القصف".

وأضافت: "بسبب الحرب واستدعاء جنود الاحتياط، أصبحنا نعاني نقصا في العاملين بقطاعات الرعاية الصحية والتعليم ورعاية الأطفال الصغار".

وبحسب وجهة نظر مايا، فإن "نتنياهو هو المسؤول الرئيس عن حالة الاستقطاب الحادّ التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي". 

وأشارت إلى أنه "كان يشغل منصب رئيس الوزراء عندما كانت تدرس في الصف الخامس الابتدائي، بينما تبلغ اليوم 42 عاما".

وتابع التقرير: "وأعربت مايا، والدموع تملأ عينيها، عن مخاوفها على سلامة والديها، بعدما وضعا لافتة على نافذة منزلهما تعلن دعمهما لحزب الديمقراطيين اليساري، وريث حزب العمل".

وقالت: "تبلغ والدتي 73 عاما، ومنذ أربع سنوات تشارك في جميع المظاهرات المناهضة لنتنياهو، سواء الاحتجاجات ضد الإصلاح القضائي أو تلك المطالبة بالإفراج عن الرهائن، وقد أطاح بها ذات مرة شرطي يمتطي حصانا".

وأضافت: "إنها امرأة هادئة، تحب مساعدة الآخرين، ومع ذلك نُشرت صورتها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنها عملت محامية للدفاع عن فلسطينيين من الضفة الغربية".

وأردفت: "أعتقد أن هذه الحملة كانت منظمة من جانب أشخاص يتمتعون بنفوذ كبير".

وبعد أن جفّفت دموعها، عادت مايا للحديث بحزن عن خطط المغادرة، موضحة أن "زوجها أكثر رغبة منها في الهجرة، رغم أنها بدأت بدورها البحث عن فرص للعمل خارج البلاد".

وتابعت: "يرغب زوجي بشدة في الرحيل، أما أنا فأقل حماسا لذلك، لكنه يشعر بقلق بالغ، ويخشى أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى اندلاع أعمال عنف داخل إسرائيل، وأعتقد أنه محق".

واستطردت: "رغم أنني لا أستطيع تخيّل نفسي أعيش في بلد آخر، فإنني أبحث عن الأماكن التي يمكنني ممارسة مهنتي فيها".

وفيما يتعلق بالوجهات المحتملة، أوضحت أنها "وزوجها يعتزمان زيارة أصدقاء انتقلوا للإقامة في البرتغال بعد الانتخابات، إلى جانب التفكير في الانتقال إلى العاصمة اليونانية أثينا".

وأضافت: "استقر كثير من الإسرائيليين في أثينا بعد أحداث 7 أكتوبر".

انقسامات عميقة

وفي ضوء هذه المعطيات، خلص الموقع إلى أن "الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وهي الأولى منذ 7 أكتوبر 2023، تكشف عن مجتمع يعاني انقسامات عميقة تغذيها مشاعر الخوف والغضب، في ظل تصاعد الخلافات بين مختلف التيارات السياسية".

وتابع: "تتصارع أحزاب اليسار والوسط واليمين واليمين المتطرف بشأن مجموعة من القضايا، أبرزها إعفاء اليهود المتشددين دينيا من الخدمة العسكرية، ورفض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق في هجوم حماس".

وإضافة إلى ذلك، "تشمل الخلافات أيضا مسألة إشراك الأحزاب الممثلة للعرب في إسرائيل في ائتلاف معارض محتمل، أو استبعادها من أي تحالف حكومي مستقبلي".

من جانب آخر، أعربت مايا "عن شعورها بضيق شديد إزاء الدمار الذي لحق بقطاع غزة، وما تراه من مسؤولية أخلاقية تقع عليها بوصفها مواطنة إسرائيلية".

وقالت: "أشعر بأن جرائم حرب مروعة ترتكب باسمي، وبأموال الضرائب التي أدفعها، وهو أمر يصعب علي تحمله، بل حتى التعبير عنه".

وأضافت: "لست مستعدة للتوقف عن معاملة الناس بوصفهم بشرا، لمجرد اختلاف المكان الذي ولدوا فيه أو اللغة التي يتحدثون بها، فهذا هو الطريق الذي يقود أخلاقيا إلى الجحيم".

واستطردت: "علاوة على ذلك، يعود الرجال الذين يؤدون خدمتهم العسكرية في قوات الاحتياط وهم يعانون صدمات نفسية، ويصبحون أكثر عنفا ويشعرون باليأس، بعدما تنهار أعمالهم ومصادر رزقهم".

وفيما يتعلق بخياراتهما الانتخابية، ذكر التقرير أن "تمار تعتزم التصويت في 27 أكتوبر لصالح غادي آيزنكوت، المنافس الرئيس لنتنياهو، أو رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت".

"أما مايا، فتعتزم منح صوتها لحزب الديمقراطيين بقيادة يائير غولان، على أمل أن تسفر الانتخابات عن تغيير سياسي يسمح لها ولأسرتها بالبقاء في إسرائيل، بدلا من الاضطرار إلى مغادرتها". وفق الصحيفة.