بعد طوفان الأقصى.. هل باتت عزلة إسرائيل أخطر من التهديد العسكري؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

"تستعد إسرائيل لمفاجآت مستقبلية من العالمين العربي والفلسطيني، غير أن التاريخ لا يعيد نفسه عادة بالطريقة ذاتها"، هذا ما خلصت إليه صحيفة "معاريف".

ويرى التقرير العبري أن "التخطيط للحرب المقبلة ضد الفلسطينيين استنادا إلى ما جرى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، سيكون خطأ جسيما يعكس الوقوع مجددا في فخ التصورات المسبقة".

ورغم تقديرها أن "الحرب التي اندلعت صباح ذلك اليوم في منطقة غلاف غزة، وامتدت إلى لبنان وإيران وجبهة الحوثيين في اليمن، انتهت بتحقيق إسرائيل مكاسب عسكرية كبيرة"، إلا أنها "أقرت صراحة بأن الفلسطينيين، على النقيض من هزيمتهم العسكرية، تمكنوا من تحقيق مكسب كبير على صعيد الرأي العام في أوروبا الغربية والولايات المتحدة".

حرب أكتوبر

ولفهم المسارات المختلفة التي قد تتيح للفلسطينيين تحقيق مكاسب كبيرة في مواجهة إسرائيل، عادت الصحيفة إلى حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، مشيرة إلى أن "قلة فقط تدرك حتى اليوم أن المفاجأة التي شهدتها تلك الحرب لم تكن عسكرية فحسب، بل سياسية أيضا".

واستشهدت بما جرى "مطلع عام 1973، عندما توجه الرئيس المصري أنور السادات إلى السعودية، والتقى الملك فيصل، ونسق معه تحركا سياسيا تمحور بشأن فرض حظر نفط على الغرب بهدف ممارسة الضغط على إسرائيل".

وبحسب رأيها، "نجحت خطة التضليل في إقناع الأميركيين بأن مصر تفضل المسار الاقتصادي والسياسي على خوض الحرب، حتى إنه في يوم الهجوم على سيناء، نُقلت إلى الأميركيين عبر إيران رسالة تفيد بأن إسرائيل هي التي بدأت الحرب".

ووفق التقرير، "أسهمت هذه الرسالة في تردد الأميركيين بشأن الموافقة على توجيه ضربة استباقية إسرائيلية، كما ساعدت في تضليل أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية ودفعها إلى استبعاد احتمال اختيار المصريين خوض حرب شاملة ضد إسرائيل".

وتابع: "تعاملت واشنطن بجدية كبيرة مع احتمال أن تختار مصر فرض حظر نفط على الغرب، بدلا من اللجوء إلى الخيار العسكري وخوض حرب لاجتياح سيناء".

بعبارة أخرى، "تزامنت الاستعدادات العسكرية مع حملة سياسية هدفت إلى تضليل إسرائيل والولايات المتحدة بشأن نية مصر والطريقة التي ستختارها للتعامل مع إسرائيل، وإيهامهما بأنها ستسلك المسار السياسي والاقتصادي بدلا من الخيار العسكري".

ولفتت صحيفة "معاريف" إلى أن "المؤسسات الإسرائيلية لم تكن بعيدة تماما عن مؤشرات هذا التحرك السياسي؛ إذ كان داخل وزارة الخارجية من أدرك وجود تحركات في الساحة السياسية".

واستدركت: "غير أن المنظومة الإسرائيلية عجزت عن الربط بين المؤشرات المختلفة وفهم مغزى تحركات السادات على جبهات متعددة".

واستطردت: "وامتد سوء تقدير الموقف إلى الأمم المتحدة أيضا، إذ ساد الاعتقاد بأن السادات تخلى عن الخيار العسكري لصالح التحرك الاقتصادي والسياسي".

التهديد المقبل

وانطلاقا من هذه التجربة التاريخية، يرى التقرير أن "الدرس لا يزال صالحا في الوقت الراهن، فالتهديد المقبل لإسرائيل ليس بالضرورة أن يأتي من ساحة المعركة، في ظل امتلاك الفلسطينيين مجموعة واسعة من الأدوات التي يمكنهم استخدامها لمحاولة إلحاق أضرار جسيمة بإسرائيل عبر المسارات السياسية أو التأثير في الرأي العام العالمي".

وأضاف: "ربما يدرك الفلسطينيون اليوم أن القوة الأكبر المتبقية بأيديهم ليست بالضرورة عسكرية، إذ قد يتمكنون، بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بقدراتهم العسكرية، من إدراك مكامن تفوقهم النسبي في الساحة السياسية وعلى صعيد الرأي العام الدولي".

وبناء على ذلك، شدد على ضرورة "استعداد إسرائيل لاحتمال أن تكون الخطوة المقبلة التي سيحاول الفلسطينيون مفاجأتها بها سياسية أو اقتصادية أو مرتبطة بالتأثير في الوعي العام، وليس بالضرورة تحركا عسكريا".

وبحسب وجهة نظره، فإن "إسرائيل مطالبة بالاستعداد لاحتمال اتساع عزلتها السياسية والاقتصادية، في ظل مسار بدأ بالفعل من جانب دول وهيئات دولية، بهدف تحويلها إلى دولة منبوذة، على غرار ما حدث سابقا مع جنوب إفريقيا".

ونوه إلى أن "هذا السيناريو ليس مجرد تصور خيالي، بل يمثل خطرا إستراتيجيا يستوجب التعامل معه بجدية".

ووفق تقديره، "قد تجد إسرائيل نفسها أمام سلسلة من التحركات السياسية ذات تداعيات بعيدة المدى، من بينها احتمال تبني الكونغرس الأميركي الذي ستفرزه انتخابات التجديد النصفي خطوات واضحة مناهضة لإسرائيل".

إلى جانب "احتمال اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية في الضفة الغربية، مع فرض عقوبات واسعة على المستوطنات اليهودية فيها، بل قد يصل الأمر إلى إعلان بريطانيا تراجعها عن وعد بلفور وتقديم اعتذار عنه"، وفقا له.

إلى جانب هذه السيناريوهات، لم تستبعد الصحيفة أن “تصدر مطالب أميركية قاطعة بانسحاب إسرائيل من لبنان ومن قمة جبل الشيخ”، فضلا عن "إدخال قوات تركية إلى سوريا وشمال لبنان تقدم على أنها قوات حفظ سلام".

واستطردت: "كما يتمثل سيناريو آخر في ممارسة ضغوط أميركية مدعومة بضغوط دولية لدفع إسرائيل إلى الانسحاب من قطاع غزة دون نزع سلاح حماس".

وحذرت الصحيفة من أن "كل سيناريو من هذه السيناريوهات ينطوي على خطر كبير وفوري على أمن إسرائيل وهامش مناورتها السياسية، رغم أنه ليس من الضروري تحققها جميعا، ولا يوجد ما يضمن حدوثها في الوقت نفسه".

واستدركت: "غير أن تحقق بعضها وحده سيكون كافيا لخلق واقع إستراتيجي جديد، تواجه فيه إسرائيل ضغوطا خارجية متزايدة وتراجعا كبيرا في حرية تحركها".

وفي هذا السياق، ترى الصحيفة أن "الفلسطينيين يدركون ما تنطوي عليه هذه التحركات من فرص، إذ قد يمثل تحقيق مكسب سياسي يجبر إسرائيل على تقديم تنازلات واسعة، من وجهة نظرهم، إنجازا لا يقل أهمية عن المكسب العسكري، بل قد يفوقه أحيانا".

ومن ثم، شددت على أن إسرائيل "لا تستطيع الاكتفاء بالاستعداد للتهديدات العسكرية، بل يتعين عليها أيضا دراسة السبل الكفيلة بمنع التحركات السياسية التي قد تضر بمصالحها الحيوية".

طويل الأمد

وبالانتقال إلى التداعيات الإستراتيجية لعملية 7 أكتوبر 2023، رجح التقرير أن “تكون أحداث ذلك الصباح من قبيل ظاهرة (البجعة السوداء)، التي تشير إلى وقوع حدث استثنائي نتيجة تضافر ظروف غير مألوفة؛ إذ اجتمعت عوامل عديدة في وقت واحد لصالح حركة حماس وعلى حساب إسرائيل”.

واستدرك: "هذا لا يعني استبعاد حدوث مفاجأة مماثلة في المستقبل، بل يعني أن احتمالية حدوثها بنفس الشكل ضئيلة للغاية".

وبحسب تحليله، "تكمن الخطورة في أن يؤدي التركيز على الكيفية التي وقع بها هجوم 7 أكتوبر إلى دفع إسرائيل للاستعداد لحرب سبق أن خاضتها، بدلا من إدراك طبيعة المواجهة المقبلة".

أما الضرر الإستراتيجي الأعمق للهجوم، فلا يقتصر، وفق التقرير، على الخسائر العسكرية والبشرية الناجمة عنه وعن الحرب متعددة الجبهات التي أعقبته، بل يمتد إلى التحول المستمر في الرأي العام بدول عديدة حول العالم، مع تنامي التأييد للموقف الفلسطيني واتساع العداء لإسرائيل.

وتابع: “وبالتوازي مع هذا التحول، تتصاعد التحركات السياسية الرامية إلى عزل إسرائيل وتقييد قدرتها على التحرك في الساحة الدولية”.

ووفق تقييمه، "هذا ضرر طويل الأمد، قد يتبين لإسرائيل أن إصلاحه بالغ الصعوبة مع اتساع نطاقه في بعض الدول، إذ يمكن أن يؤثر ليس فقط على سياسات الحكومات الحالية، بل أيضا على المواقف تجاه إسرائيل لدى الأجيال المقبلة".

وفي ضوء هذه المخاطر، طرحت صحيفة "معاريف" "تساؤلا بشأن كيفية استعداد إسرائيل للسيناريوهات السياسية القصوى التي قد تشهد تحركات دولية تصب في مصلحة الفلسطينيين، لا سيما وأنه لا توجد حلول سحرية فورية".

وأضافت: "تتمثل الخطوة الأولى في إدراك أن المعركة على مستقبل إسرائيل لا تدور في ساحات القتال وحدها". 

وبحسب رأيها، فإن إسرائيل بحاجة إلى تطوير قدرتها على استشراف التطورات السياسية، والربط بين المؤشرات التي تبدو غير مترابطة للوهلة الأولى، وفهم الكيفية التي قد تتكامل بها التحركات في الساحة الدولية لتشكل حملة شاملة ضدها".

وأردفت: "يجب على إسرائيل كذلك الاستثمار في معركة الرأي العام، وتعزيز علاقاتها مع حلفائها، والتحرك لمنع نشوء واقع سياسي يفرض قيودا شديدة على حرية تحركها".

غير أن الأكثر أهمية من ذلك كله، بحسب الصحيفة، هو "تجنب الوقوع في فخ التصورات المسبقة التي تفترض أن الحرب المقبلة ستكون بالضرورة مشابهة لسابقتها، إذ قد تأتي المفاجأة التالية من اتجاه مختلف تماما، وبأدوات وأساليب وإيقاع مغاير".

وتابعت: "إن الاستعداد الصحيح لا يقتصر على محاولة منع تكرار ما حدث في 7 أكتوبر، بل يتطلب فهم طبيعة التهديد المقبل، حتى وإن كان مختلفا تماما عن التهديد الذي عرفناه سابقا".

واختتمت بالإشارة إلى أن "قدرة إسرائيل على التعامل مع التحديات المقبلة على المدى الطويل، والتي لن تكون بالضرورة عسكرية، لن تتوقف على الاستخبارات والاستعداد السياسي والقدرات العسكرية وحدها، بل ستعتمد أيضا على مدى تماسك المجتمع وصموده، حتى في الحالات التي تتمكن فيها إسرائيل من اكتشاف تلك التهديدات في الوقت المناسب".