من الغاز إلى الذكاء الاصطناعي.. حرب هرمز تختبر مستقبل قطر

"الدوحة ستسعى لترسيخ مكانتها جسرا بين رؤوس الأموال الخليجية والأسواق الغربية"
تواجه إستراتيجية قطر لتنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على النفط والغاز اختبارا صعبا في ظل الحرب التي بدأت 28 فبراير/ شباط 2026، وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز وتعرض منشآتها الصناعية لهجمات إيرانية، وهو ما أدى إلى تعطيل جزء من قدراتها الإنتاجية وتأخير خطط التوسع في تصدير الغاز الطبيعي المسال.
وفي هذا السياق، استهل مركز الدراسات الدولية الإيطالي (CeSI) مقاله بالإشارة إلى أن "قطر تستفيد منذ عقود من حقل الشمال، الذي يعد أكبر حقل للغاز الطبيعي غير المصاحب للنفط في العالم".
الأمر الذي "أتاح لها تحقيق مستويات مرتفعة من الصادرات، وعزز موارد الموازنة العامة وصندوقها السيادي الذي تقدر أصوله بأكثر من 500 مليار دولار".
وأضاف: "منذ وصول الأمير حمد بن خليفة آل ثاني إلى السلطة عام 1995، شرعت قطر في تنفيذ تحولات سياسية هيكلية، بالتوازي مع توسيع دورها في الوساطة لحل الأزمات الإقليمية".
وتابع: "أسهم ازدهار الاقتصاد القطري في جعل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من بين الأعلى عالميا، بينما تواصل الدوحة جهودها لتنويع أنشطتها الاقتصادية بهدف التخلص من الاعتماد الحصري على قطاع الهيدروكربونات".
وفي هذا الإطار، أوضح المركز أن "قطر حددت أهدافها الاقتصادية من خلال رؤية قطر الوطنية 2030 التي أطلقتها عام 2008، ثم إستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة للفترة 2024-2030، واللتين تستهدفان بناء اقتصاد متنوع من خلال تعزيز الصناعات الكيميائية والقطاع المالي، إلى جانب تحقيق هدف رئيس يتمثل في تحويل البلاد لمركز لوجستي إقليمي".
واستدرك: "غير أن الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026، وما أعقبها من إغلاق مضيق هرمز، حولت خيار التنويع الاقتصادي من إستراتيجية طويلة المدى إلى ضرورة ملحة، خاصة بعدما ألحقت هجمات إيران أضرارا بأجزاء واسعة من المنطقة الصناعية في رأس لفان، ما أدى إلى تعطيل نحو سدس طاقتها الإنتاجية".
واستطرد: "فاقم إغلاق مضيق هرمز هذه التداعيات، وأدى إلى تأخير خطط توسعة حقل الشمال التي تشمل في مرحلتها الأولى مشروع حقل الشمال الشرقي".
واسترسل: "حيث كان من المقرر أن تترفع القدرة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن إلى 142 مليون طن سنويا بحلول عام 2030، بينما بات بدء الإنتاج الأولي متوقعا خلال عام 2027".

تنويع الاستثمارات
وفيما يتعلق بإستراتيجية التنويع الاقتصادي، أشار المقال إلى أن "الركيزة الأولى تمثلت في تعزيز الاستثمارات بالقطاع المالي، إذ اضطلع جهاز قطر للاستثمار، منذ أكثر من 20 عاما، بدور رئيسي في توظيف الفوائض المالية الناتجة عن صادرات النفط والغاز داخل الأسواق الخارجية".
وأضاف: "ركز الصندوق السيادي القطري في البداية على بناء محفظة استثمارية موجهة نحو أوروبا، من خلال الاستحواذ على حصص في مؤسسات وشركات كبرى، من بينها باركليز وكريدي سويس وفولكسفاغن وبورصة لندن، قبل أن يحول مركز اهتمامه تدريجيا نحو الولايات المتحدة".
وتابع: "افتتح (جهاز قطر للاستثمار) خلال السنوات الأخيرة مكتبا في نيويورك، وأعلن عن خطة لاستثمار 35 مليار دولار في الولايات المتحدة على مدى خمس سنوات".
"ثم استحوذ بعد ذلك بفترة قصيرة على حصة تبلغ 44 بالمئة في مشروع مانهاتن ويست العقاري الذي تبلغ قيمته 8.6 مليارات دولار، وتتولى تطويره شركة (بروكفيلد)"، بحسب المقال.
وفي قطاع الطاقة، قال المركز: "برز دور مجموعتي سيتي غروب وجي بي مورغان في تنسيق إصدار سندات بقيمة 12.5 مليار دولار لصالح شركة (قطر للبترول)، المعروفة حاليا باسم (قطر للطاقة)، خلال يونيو/ حزيران 2021، لتمويل توسعة حقل الشمال".
وتابع: "كما تعاونت شركتا إكسون وقطر للطاقة من خلال مشروع مشترك تأسس عام 2003 لإدارة محطة غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس الأميركية".
وأضاف: "في يناير/ كانون الثاني 2026، وقع جهاز قطر للاستثمار مذكرة تفاهم مع مجموعة غولدمان ساكس، تنصّ على ضخّ استثمارات تصل إلى 25 مليار دولار في الصناديق الاستثمارية ومشروعات الاستثمار المشترك".
وأردف: "تبع ذلك توقيع اتفاق آخر في سبتمبر/ أيلول 2026 مع مجموعة (جي بي مورغان)، بقيمة 20 مليار دولار، يشمل استثمارات في الأسواق المالية العامة والخاصة".
التحول الرقمي
أما الركيزة الثانية من إستراتيجية التنويع الاقتصادي القطري، فتتمثل -وفق المركز- في "توظيف العائدات المالية لتطوير الخدمات الرقمية".
وتابع: "حيث أنشأ جهاز قطر للاستثمار في ديسمبر/ كانون الأول 2025 شركة (كاي) الوطنية للذكاء الاصطناعي التي سارعت إلى تأسيس مشروع مشترك بقيمة 20 مليار دولار مع مجموعة بروكفيلد الكندية"، إحدى أكبر شركات الاستثمار العالمية، لبناء مراكز حوسبة داخل قطر وخارجها".
إضافة إلى ذلك، "أنشأ جهاز قطر للاستثمار في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، بالتعاون مع شركة بلو أوول الأميركية لإدارة الأصول، منصة استثمارية بقيمة 3 مليارات دولار لإنشاء مراكز البيانات إلى جانب ضخ استثمارات منفصلة في شركات تكنولوجية، من بينها (أنثروبيك) و(داتابريكس)".
وبحسب تحليله، فإن "الهدف من هذه التحركات، يبدو متمثلا في استثمار العائدات الضخمة الناتجة عن صادرات الغاز لتوفير مصادر طاقة مستقرة تدعم عمليات الحوسبة".
واستدرك: "غير أن تداعيات أزمة مضيق هرمز تتجاوز قطاع الطاقة؛ إذ إن تعرض منشآت إسالة الغاز للخطر يعني أن البنية التحتية الرقمية المقامة في الخليج تواجه المخاطر الجغرافية والاقتصادية نفسها".
وهو ما عدّه "يخلق مفارقة تتمثل في احتمال أن تؤدي جهود التنويع الاقتصادي إلى ظهور تحديات إضافية بدلا من تقليل المخاطر".
ومن جانب آخر، أشار المقال إلى أن "هذه الاستثمارات تحمل أبعادا سياسية أيضا؛ إذ تعهد جهاز قطر للاستثمار في مايو/ أيار 2025 بضخ استثمارات بقيمة 500 مليار دولار في الولايات المتحدة".
وتابع: "وفي سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، وعقب الهجوم على الدوحة، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا يعدّ أي هجوم مسلح على الأراضي القطرية أو بنيتها التحتية الحيوية تهديدا للأمن الأميركي".

حلقة وصل
في ضوء هذه المعطيات، يرى المركز أن "الوضع الاقتصادي القطري يبدو أكثر هشاشة مما كانت توحي به إستراتيجية التنويع، نظرا إلى أن تمويل هذه الإستراتيجية لا يزال يعتمد على عائدات الغاز التي تتراجع بفعل الأزمة في الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إليها".
وانطلاقا من ذلك، استعرض ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الاقتصاد القطري، يرتبط كل منها بتطورات الملاحة في مضيق هرمز وأسواق الغاز العالمية.
في السيناريو الأول، قدر المركز أنّه "إذا استؤنفت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز خلال عام 2027، بالتزامن مع بدء تشغيل مشروع حقل الشمال الشرقي المتوقع في العام نفسه، فإن قطر ستحصل على الموارد اللازمة لتعزيز القطاع المالي والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وتوطيد علاقاتها مع واشنطن".
وأضاف: "في هذه الحالة، ستسعى الدوحة إلى ترسيخ مكانتها بوصفها حلقة وصل بين رؤوس الأموال الخليجية والأسواق الغربية، رغم استمرار المخاطر الجيوإستراتيجية المرتبطة بهذا الدور".
أما السيناريو الثاني، فيفترض "استمرار أزمة مضيق هرمز لفترة أطول، وهو ما سيضطر الحكومة القطرية إلى إعطاء الأولوية للاقتصاد المحلي، والاعتماد على موارد الصندوق السيادي والاقتراض لتلبية احتياجاتها المالية".
وتابع: "في مثل هذا الوضع، ستتراجع الالتزامات الاستثمارية الخارجية، وهو ما تشير إليه بالفعل وتيرة تباطؤ استثمارات جهاز قطر للاستثمار، التي انخفضت بمقدار ملياري دولار لكل ربع سنة منذ 1 مارس/ آذار 2026".
وأردف: "قد تبقى مذكرات التفاهم حبرا على ورق دون أن تتحول إلى مشروعات فعلية، بينما ستتضرر سمعة قطر بوصفها موردا موثوقا للطاقة في الأسواق العالمية".
وفي السيناريو الثالث، يفترض المقال أن "يتزامن استئناف الملاحة سريعا عبر مضيق هرمز مع موجة من الإمدادات الأميركية الجديدة من الغاز الطبيعي المسال، ما يعيد الأسواق إلى حالة فائض المعروض التي لم تؤدّ الحرب إلا إلى تأجيلها".
ووفقا له، فإن "انخفاض الأسعار في هذه الحالة سيعني أن قطر قد تبيع كميات أكبر من الغاز، لكنها ستحقق عائدات أقل عن كل طن، وهو ما سيزيد أهمية الإيرادات التي يحققها الصندوق السيادي بعيدا عن تقلبات أسعار الغاز".
وبحسب تقديره، فإن "هذه العائدات ستصبح عاملا حاسما في تحقيق الاستقرار المالي والحفاظ على تدفقات الإيرادات القطرية".
وفي المحصلة، حدد المركز "ثلاثة عوامل رئيسة ستكشف الاتجاه الذي سيسلكه الاقتصاد القطري، وهي انتظام حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ودخول خطوط إسالة الغاز الجديدة حيز التشغيل، ومدى تحول مذكرات التفاهم الموقعة إلى استثمارات فعلية على أرض الواقع".

















