من بؤر الضفة إلى أراضي فلسطينيي الداخل.. مخطط استيطاني بواجهات جديدة

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد عقود من استخدام المستوطنين الإسرائيليين أساليب مختلفة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، يبدو أنهم يسعون لنقل هذه الممارسات إلى داخل إسرائيل نفسها، عبر التوسع على حساب أراضي فلسطيني الداخل.

جاء ذلك وفق ما كشفته مجلة "زينيت" الألمانية في تقرير سلطت فيه الضوء على محاولات إقامة بؤر استيطانية في بلدة مجد الكروم بمنطقة الجليل.

نمط استيطاني

ومطلع سبتمبر/ أيلول 2026، وقبيل بدء موسم قطف الزيتون، توجه عدد من سكان بلدة مجد الكروم إلى بساتين الزيتون التابعة لهم في منطقة "الروس"، ليفاجؤوا بوجود خطوط جديدة للمياه والكهرباء تمر عبر الأراضي، وعندما تتبعوا مسارها، اكتشفوا مخيما يضم خياما وخزانات مياه ومنشآت مؤقتة أخرى.

وبحسب التقرير، فإن "مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين الشباب، القادمين من مستوطنة تقواع المقامة بصورة غير قانونية بموجب القانون الدولي في الضفة الغربية، تجمعوا في قلب منطقة الجليل شمال إسرائيل، وشرعوا في إقامة بنية تحتية مؤقتة".

ووفقا له "على الفور، أبلغ السكان، وهم فلسطينيون يحملون الجنسية الإسرائيلية، المجلس المحلي للبلدة، وخلال المواجهة التي أعقبت ذلك، أخبر المستوطنون ممثلي المجلس بأنهم حصلوا على تصريح من الصندوق القومي اليهودي (كاكال)، وهو منظمة صهيونية تأسست عام 1901 بهدف شراء الأراضي وتطويرها لصالح المستوطنين اليهود".

وتابع التقرير: "كان التصريح يتيح للمستوطنين رعي الماشية على تلك الأراضي، لكن شيئا واحدا كان غائبا عن الموقع، وهو الماشية نفسها".

وأثار هذا التصريح مخاوف سكان مجد الكروم؛ إذ أوضحت المجلة أن "ما يجري يتبع نمطا استيطانيا يستخدم منذ عقود في الضفة الغربية، يبدأ بمنح المستوطنين الإسرائيليين تصاريح للرعي تتيح لهم الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي، ثم إقامة بؤرة استيطانية تضم منشآت مؤقتة على جزء منها".

وأضافت: "غير أن أنشطة الرعي تمتد إلى مساحات تتجاوز حدود البؤرة الاستيطانية، ما يسمح للمستوطنين باستخدام الأراضي المحيطة والسيطرة عليها فعليا، وبهذه الطريقة، يمكن تحويل وجود استيطاني محدود إلى نقطة انطلاق لتوسيع السيطرة تدريجيا على مساحة أكبر بكثير".

ولإظهار مدى فاعلية هذه الوسيلة التي تعتمدها الحركة الاستيطانية، استشهد التقرير بتحقيق مشترك نشرته مجلة "+972" وموقع "لوكال كول" ومجلة "ذا نيشن" في مارس/ آذار 2026، كشف أن المستوطنين أقاموا 152 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة بهذه الطريقة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحده.

وبحسب التحقيق، "بات المستوطنون يسيطرون على نحو مليون دونم من الأراضي، أي ما يعادل قرابة 18 بالمئة من إجمالي مساحة الضفة الغربية".

وبالعودة إلى مجد الكروم، أشارت المجلة إلى أن "المشهد هناك يبدو متطابقا مع هذا النمط الاستيطاني؛ إذ توافد مئات من سكان البلدة، بينهم عدد كبير من الشباب، إلى المنطقة خلال عطلة نهاية الأسبوع الممتدة من 11 إلى 13 سبتمبر 2026، للاحتجاج على إقامة البؤرة الاستيطانية".

وأردفت: "حضرت الشرطة الإسرائيلية أيضا إلى الموقع، ومنعت المتظاهرين من الوصول إلى مخيم المستوطنين، رغم أنه يقع داخل الحدود الإدارية لبلدتهم، وأن جزءا من الأراضي التي أقيمت عليها البؤرة مملوك ملكية خاصة لفلسطينيين".

غير أن عناصر الشرطة لم يتمكنوا من حظر وجود السكان في المنطقة نفسها، وهو ما وصفه التقرير بأنه "فارق جوهري بين الوضع داخل إسرائيل وما يجري في الضفة الغربية".

وتابع موضحا: "تحتل إسرائيل الضفة الغربية بصورة غير قانونية بموجب القانون الدولي منذ عام 1967، ولذلك يخضع السكان الفلسطينيون هناك للقانون العسكري، وعندما يقيم المستوطنون بؤرا استيطانية، يستطيع الجيش إعلان المناطق المحيطة بها مناطق عسكرية مغلقة، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم".

واستدرك: "أما داخل إسرائيل، فيسري القانون المدني، بما يشمل 2.1 مليون فلسطيني يحملون الجنسية الإسرائيلية، ولذلك تستطيع الشرطة منع السكان من الاقتراب من البؤرة الاستيطانية، لكنها لا تستطيع ببساطة حظر وجودهم على أراضيهم الواقعة داخل الحدود الإدارية لبلدتهم".

وأضاف: "وحتى فيما يتعلق باستخدام الأراضي للرعي بموجب التصريح الممنوح، لا يملك الصندوق القومي اليهودي الصلاحية القانونية لذلك؛ لأنه ليس الجهة العامة المخولة قانونا بمنح حقوق الانتفاع بهذه الأراضي".

تمسك بالأراضي

وأوضحت المجلة أنه "في مواجهة هذه التحركات الاستيطانية، أصرَّ شباب مجد الكروم على البقاء في أراضيهم؛ إذ افترش بعضهم الحصير، وردد آخرون أغاني احتجاجية، فيما قرر عدد من ملاك الأراضي قضاء الليل في بساتين الزيتون التابعة لهم".

وبحسب وصفها، "بات مجرد بقاء السكان في أراضيهم شكلا من أشكال المقاومة، وإحدى الوسائل القليلة التي لا تزال متاحة لهم في ظل النظام السياسي القائم والمناخ القمعي الذي يعيشون فيه".

ووفقا لها، "لم يكتف المجلس المحلي للبلدة بالاحتجاجات؛ إذ توجه في 15 سبتمبر 2026، بالتعاون مع مركز (عدالة) القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، إلى السلطات المختصة بالتخطيط والأراضي".

وذكر التقرير أن "المجلس طالب، في رسائل صاغها مركز عدالة نيابة عنه، بالوقف الفوري لأعمال البناء واستخدام الأراضي، وإزالة المنشآت التي أقيمت فيها، وإبعاد المسؤولين عن الموقع".

وتابع: "استند المجلس في مطالبه إلى أن البؤرة الاستيطانية تنتهك حقوق ملكية السكان، وتعرقل التنمية المستقبلية للبلدة، وتشكل استغلالا غير قانوني لأراض عامة".

وأردف: "فالتصريح الذي يستند إليه المستوطنون، بحسب الصندوق القومي اليهودي نفسه، يقتصر على رعي الماشية، ولا يسمح بإقامة الخيام أو المنشآت الأخرى، ولا باستخدام الأراضي بوصفها بؤرة استيطانية".

غير أن مركز "عدالة" لفت إلى أن "الصندوق القومي اليهودي لا يملك أصلا الصلاحية القانونية حتى لمنح تصاريح الرعي؛ لأنه ليس الجهة العامة المختصة قانونا بمنح حقوق الانتفاع بهذه الأراضي".

وأشارت المجلة إلى أنه "عقب التحرك القانوني الذي اتخذه المجلس المحلي والضغوط الشعبية، أعلن الصندوق القومي اليهودي في اليوم نفسه إخلاء البؤرة الاستيطانية".

واستطردت: "وبالفعل، بحلول مساء 16 سبتمبر، كانت الخيام والمنشآت المؤقتة الأخرى قد أزيلت من الموقع".

مع ذلك، نوَّهت إلى أن "الصندوق أعلن في الوقت نفسه اعتزامه إقامة نقطة رعي أصغر حجما في المنطقة، عقب انتهاء عطلة يوم الغفران اليهودي في 21 سبتمبر، شريطة إحضار ماشية بالفعل إلى الموقع".

لكن بعد أيام قليلة، أوضح التقرير أنه "ظهرت خطة جديدة تقضي بإقامة نقطة أصغر على بعد بضع مئات من الأمتار من الموقع، على ألا يتولى إدارتها هذه المرة مستوطنون من الضفة، بل حراس محليون تابعون لمنظمة (هاشومير هحداش)، وهي منظمة ذات توجه قومي صهيوني".

“تهويد الجليل”

وعقّبت المجلة: "وبذلك اختفت البؤرة الاستيطانية الأصلية، مؤقتا على الأقل، غير أن إزالتها لم تعنِ انتهاء الفكرة التي قامت على أساسها".

وعزت ذلك إلى ما "كشف عنه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في 27 أغسطس/ آب 2026، أي قبل نحو أسبوعين من إقامة المنشآت المؤقتة في مجد الكروم، من خطة لحزبه الصهيونية الدينية تحت شعار (نعم، نحن نهوّد!)". 

وأوضح أن "الخطة تدعو إلى زيادة أعداد السكان اليهود في منطقتي الجليل والنقب بشكل كبير، عبر إقامة 40 مستوطنة جديدة وعشرات المزارع، إلى جانب توطين مليون يهودي إضافي في المنطقتين".

وبحسب المجلة، "يتمثل الهدف المعلن لسموتريتش في تعزيز الوجود اليهودي شمال إسرائيل وجنوبها، على غرار ما يجري في (يهودا والسامرة)، وهي التسمية التوراتية للضفة الغربية التي يشيع استخدامها خصوصا بين التيارات القومية الدينية والأوساط السياسية اليمينية".

وأضافت: "يستند سموتريتش في ذلك إلى مشروع يعود تاريخه إلى ما قبل الخطط الحكومية الحالية بوقت طويل؛ إذ كان إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل/ فلسطين وضمان بقائه هدفا معلنا للحركة الصهيونية منذ نشأتها".

وتابعت: "خلال نكبة عام 1948، قتلت المليشيات الصهيونية وهجرت مئات الآلاف من الفلسطينيين بهدف إقامة وطنها القومي على هذه الأرض، فيما بقي نحو 100 ألف فلسطيني داخل حدود دولة إسرائيل التي تأسّست آنذاك، وتركز جزء كبير منهم لاحقا في منطقتين رئيستين، هما الجليل شمالا والنقب جنوبا".

وأردفت: "حافظ الفلسطينيون في هاتين المنطقتين على تجمعات سكانية كبيرة ومتصلة جغرافيا، ازداد حجمها مع وصول لاجئين فلسطينيين إليها، وهو ما جعلهما تحديدا محور السياسات الحكومية الرامية إلى توسيع الوجود اليهودي، بهدف تغيير التركيبة السكانية والتوزيع الجغرافي في البلاد".

وفي سياق تتبع الجذور التاريخية لهذه السياسات، أشارت المجلة إلى أن "هذا التوجه تحول للمرة الأولى إلى أجندة سياسية معلنة خلال سبعينيات القرن العشرين، ففي صيف عام 1975، أعلنت الحكومة الإسرائيلية مصادرة مساحات واسعة من الأراضي في الجليل، ضمن سياسة جرى الترويج لها علنا تحت مسمى (تهويد الجليل)".

ووفقا لها، "أسفرت هذه الإجراءات عن الاستيلاء على مزيد من الأراضي عام 1976، قبل أن تشرع الدولة، أواخر سبعينيات القرن العشرين وأوائل ثمانينياته، في إقامة عشرات المستوطنات اليهودية الجديدة في الجليل، ضمن سياستها الاستيطانية الرسمية، وهو هدف استمر على مدى عقود وصولا إلى الوقت الحاضر".

الإطار القانوني

“بدوره، وفي 30 أغسطس/ آب 2026، أي بعد ثلاثة أيام من إعلان خطط سموتريتش، تناول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو القضية نفسها؛ إذ أعلن في خطاب أن حكومته تعمل على إنشاء مزارع في منطقتي الجليل والنقب”. قال التقرير.

وأكمل: "يشير نتنياهو بذلك إلى الأسلوب نفسه الذي تحول في الضفة الغربية إلى أداة مهمة للتوسع الاستيطاني؛ إذ يجري العمل حاليا على استخدام تربية الماشية والرعي للسيطرة تدريجيا على مساحات واسعة من الأراضي داخل إسرائيل، تمهيدا لإقامة مستوطنات عليها".

وعلقت المجلة: "هكذا يتحول وجود استيطاني لم يكن مرخصا به في البداية إلى أمر واقع تحميه الدولة وتدعمه، ثم تضفي عليه الشرعية القانونية لاحقا".

ووفقا لها، "كانت تخضع إقامة مستوطنات جديدة لإجراءات التخطيط والموافقات الحكومية التي تفرض، على الأقل، الالتزام بمتطلبات قانونية معينة، ما كان يؤدي إلى إبطاء تنفيذ هذه المشروعات".

واستدركت: "غير أن الأسلوب الذي طوَّره المستوطنون على مدى عقود في الضفة الغربية المحتلة بدأ يترسخ الآن داخل إسرائيل، متجاوزا تلك الإجراءات ومختصرا الطريق نحو فرض واقع جديد".

وبحسب تحليل المجلة، "فإن نقل آلية التوسع الجغرافي هذه إلى داخل إسرائيل يغير الإطار القانوني القائم".

وفسرت حديثها: "إذ لن يضطر المستوطنون بعد الآن إلى انتظار تخصيص الأراضي وإعداد مخططات البناء والحصول على الموافقات اللازمة لإقامة المستوطنات، بل يمكنهم فرض وقائع جديدة على الأرض أولا".

وأردفت: "وبذلك، يتغير دور الدولة أيضا؛ إذ لن يكون مطلوبا منها البت في مشروع لا يزال حبرا على ورق، بل التعامل مع واقع قائم بالفعل، وهو ما يفتح المجال أمام تطبيق آليات قانونية مختلفة".

وحذّرت المجلة من أن "هذا التحول ستكون له تداعيات واسعة على الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، ويشكلون نحو 21 بالمئة من السكان، سواء فيما يتعلق بإمكانية وصولهم إلى أراضيهم، أو فرص تطوير بلداتهم، أو التنظيم الجغرافي للمناطق التي يعيشون فيها".

وفي سياق ترجمة هذه التوجهات على أرض الواقع، ذكرت أن "أنصار حزب سموتريتش عمدوا ليلة 24 سبتمبر 2026 إلى وضع نحو ألف علم إسرائيلي على امتداد الطرق المحيطة ببلدة مجد الكروم".

وأضافت: "وصف المشاركون هذه الأعلام بأنها تعبير عن السيادة الإسرائيلية، وخطوة إضافية ضمن مشروع نقل نموذج (ثورة الاستيطان)، الذي طور في الضفة الغربية، إلى منطقتي الجليل والنقب".