الأردن أمام اختبار أمني.. ماذا وراء توقيت استهداف كنيسة الكرك؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أثار الهجوم الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك جنوبي الأردن، مخاوف من تحول نوعي في طبيعة التهديدات التي تواجه المملكة، بعدما انتقلت دائرة الاستهداف إلى موقع ديني، وسط تساؤلات بشأن دوافع المنفذين واحتمالات ارتباط الحادثة بصراعات إقليمية.

وتتزايد التساؤلات بشأن ما إذا كان اختيار الكنيسة في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 يعكس تغيرا في أهداف الجماعات المتطرفة وأساليب عملها، أم محاولة لضرب التعايش المجتمعي، خصوصا مع استمرار ملاحقة المنفذين وغياب معلومات رسمية تؤكد ارتباطهم بجهات خارجية.

تحوّل نوعي

وأفاد التلفزيون الأردني، بارتفاع حصيلة قتلى الهجوم إلى ثمانية أشخاص، فيما أعلن وزير الصحة إبراهيم البدور أن 27 مصابا يتلقون العلاج في المستشفيات، بينهم حالتان حرجتان في مستشفى الأمير علي بن الحسين العسكري، بينما وصفت الحالة الصحية لبقية المصابين بالمستقرة.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحقيقات، نقلت قناة "المملكة" أن مديرية الأمن العام لم تصدر تأكيدا رسميا بشأن اعتقال أفراد الخلية المتورطة، رغم تداول أنباء عن القبض على أحد المنفذين مساء الجمعة، بالتزامن مع انتشار أمني مكثف في محافظة الكرك واستمرار عمليات الملاحقة.

وتشهد المحافظة إجراءات أمنية مشددة، تتضمن عشرات نقاط التفتيش المنتشرة في مناطق مختلفة، رغم رفع بعض الإغلاقات التي فرضت عقب الهجوم، فيما تواصل القوات الأمنية فرض طوق حول الكنيسة المستهدفة، وسط اهتمام متزايد بتداعيات الحادثة وانعكاساتها المحتملة على الأمن الداخلي والاستقرار المجتمعي.

وفي أول تعليق حكومي، وصف رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان الهجوم بأنه نتيجة "الفكر التكفيري الإرهابي" و"التطرف الأعمى"، مؤكدا رفض السماح للمجتمع بالسير في هذا المسار، بينما زار الملك عبد الله الثاني محافظة الكرك، متوعدا بالتصدي بحزم لكل من يستهدف أمن البلاد واستقرارها.

وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي الأردني حازم عياد لـ"الاستقلال"، إن استهداف الكنيسة يمثل "تحولا نوعيا" في طبيعة الأهداف، بعدما كانت الهجمات السابقة تستهدف مواقع سياحية أو ذات طابع اقتصادي، بخلاف الموقع الديني المستهدف.

وأوضح عياد أن استهداف الكنيسة يحمل أبعادا طائفية تهدد السلم والأمن الاجتماعي، وتسعى إلى ضرب حالة الانسجام والتعايش التي قدمها الأردن نموذجا لها في إقليم مضطرب منذ أكثر من عشرين عاما، معتبرا أن طبيعة الهدف تفرض قراءة مختلفة لدوافع الهجوم وتداعياته.

وأشار إلى أن "هذا الاستهداف يمثل نقطة تحول، لكن ليس بالضرورة أن يتكرر"، محذرا من أن تكرار الاعتداءات على المواقع الدينية قد يكشف وجود أجندات يجري التخطيط لها في الخفاء، بهدف استهداف الأردن ومكانته وصورته، وإضعاف دوره السياسي والدبلوماسي في المنطقة.

أهداف خفية

ورأى عياد أن استهداف الكنيسة يعكس محاولة للبحث عن أهداف سهلة، وإعادة الفكر المتطرف إلى واجهة الاهتمام، بعدما انشغل الرأي العام بأولويات وتحديات إقليمية جديدة، معتبرا أن المنفذين يسعون إلى تقديم أنفسهم مجددا بوصفهم تحديا أمنيا وسياسيا للمملكة.

وأضاف أن الهجوم يمثل محاولة لتقديم صورة بشعة تعيد أصحاب الفكر المتطرف إلى الأضواء، مشيرا إلى أن خطورة الحادثة لا تقتصر على طبيعة الاعتداء، وإنما تشمل الرسائل التي يحملها اختيار موقع ديني، وما قد يترتب عليه من تهديد للتعايش الداخلي.

وفي قراءة لأبعاده السياسية، اعتبر عياد أن هذا التوجه يأتي في حالة "تخادم خطيرة مع الاحتلال الإسرائيلي"، الذي يسعى، إلى إقصاء الأردن من دائرة التأثير السياسي والدبلوماسي، خصوصا فيما يتعلق بالملف الفلسطيني والمقدسات الإسلامية والمسيحية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وربط المحلل الأردني بين مكانة المملكة الدبلوماسية ودورها في رعاية المقدسات في القدس وبيت لحم، معتبرا أن استهداف نموذج التعايش الذي يقدمه الأردن قد ينعكس على صورته ومكانته، ويضعف أحد المرتكزات التي تعزز دوره في الدفاع عن الحقوق الدينية الفلسطينية.

من جانبه، قال الباحث الاستراتيجي الأردني عامر السبايلة، إن الأردن "لم يشهد سوابق لاستهداف الكنائس بهذه الطريقة"، معتبرا أن طبيعة الموقع المستهدف والظروف المحيطة بالهجوم تفرضان مراجعة لطبيعة التهديدات الأمنية التي تواجه المملكة خلال المرحلة الحالية، حسبما نقل موقع "ليب توكس" في 24 أكتوبر.

وأشار السبايلة إلى احتمال وجود بعد إقليمي وراء الاعتداء، يتمثل في محاولات نقل الأزمات إلى الداخل الأردني وإحداث اختلالات في الوضع الداخلي، لكنه لم يجزم بوجود ارتباطات خارجية مؤكدة، في ظل استمرار التحقيقات وعدم اتضاح جميع الظروف المحيطة بالهجوم.

وحذر الباحث من أن استهداف الكنيسة قد يحمل مؤشرات على محاولات لضرب السلم الأهلي وتهديد استقرار الأردن، لافتا إلى أن المملكة كانت هدفا لقوى متعددة خلال الفترة الماضية، وهو ما يستدعي قراءة الاعتداء ضمن سياق أوسع من الحادثة الأمنية المباشرة.

ارتباطات محتملة

وفيما يتعلق باحتمالات وجود جهات خارجية تقف وراء الهجوم، أكد عياد أن "التحقيقات لا تزال جارية حتى اللحظة، وتضع جميع الفرضيات على الطاولة"، بما يشمل دراسة الجهات التي قد تحاول توظيف الحادثة أو الاستفادة منها، والظروف والسياقات التي سبقت وقوعها.

وأشار إلى أن الحادث جاء عقب توترات مع الجانب الإسرائيلي وأخرى على الحدود السورية، شهدت استهداف مجموعات إجرامية، لافتا إلى تقارير نشرتها صحيفة "التلغراف" البريطانية تحدثت عن علاقات لبعض تلك المجموعات بإسرائيل، وأنشطة إسرائيلية لدعم مجموعات تعمل في تهريب المخدرات.

واستدرك عياد بأن هذه المعطيات تبقى ضمن سياقات وفرضيات يمكن للجهات الأردنية بحثها، مؤكدا أنه "حتى اللحظة لم تصدر بيانات رسمية بشأن هذه الارتباطات"، وأن الفترة القصيرة التي مرت منذ وقوع الحادث لا تسمح بالتوصل إلى استنتاجات مؤكدة بشأن الجهات المحتملة.

وفي المقابل، تحدث السبايلة عن مخاوف من تفعيل خلايا داخل الأردن، معتبرا أن ذلك قد يندرج ضمن "استراتيجية إيرانية" تهدف، بحسب تقديره، إلى خلق الفوضى في المنطقة، دون تقديم ارتباط مثبت بين هذه المخاوف والهجوم، في ظل استمرار الغموض بشأن هوية المنفذين وارتباطاتهم.

وتعكس هذه التقديرات تباينا في قراءة الأبعاد الإقليمية المحتملة للحادثة، بين من يربطها بالتوترات مع إسرائيل، ومن يحذر من محاولات إيرانية لاستغلال الظروف الإقليمية، بينما يبقى تحديد دوافع المنفذين والجهات المرتبطة بهم مرهونا بنتائج التحقيقات الرسمية التي لم تعلن تفاصيلها بعد.

وفي تطور يعكس الاهتمام الأمني بالحادثة، أصدرت السفارة الأميركية في عمان، في 24 أكتوبر، تنبيها دعت فيه رعاياها إلى توخي الحذر وتجنب التجمعات والمناطق التي تشهد انتشارا أمنيا كثيفا، مع الإشارة إلى تشديد التدابير الأمنية في مراكز التسوق والسفارات الأجنبية بالعاصمة الأردنية.

ودعت السفارة المواطنين الأميركيين إلى متابعة المصادر الرسمية والالتزام بتعليمات السلطات المحلية، محذرة من احتمال زيادة انتشار الشرطة، بالتزامن مع استمرار عمليات الملاحقة والتحقيق، بينما تتجه الأنظار إلى قدرة الأجهزة الأمنية على كشف ملابسات الهجوم وتحديد ما إذا كانت وراءه ارتباطات خارجية.

تحصين الداخل

وعن الإجراءات المطلوبة لمنع تكرار الاعتداءات، شدد السبايلة على ضرورة اعتماد مقاربة تتجاوز المعالجة الأمنية، لتشمل جذور التطرف وتعزيز الهوية الوطنية والحوار بين الأردنيين، معتبرا أن التحدي الذي تواجهه المملكة بات مزدوجا، يجمع بين المخاطر الأمنية والتهديدات الثقافية التي تستهدف النسيج المجتمعي.

ورأى أن التطرف لم يعد مجرد خطر بعيد المدى، وإنما تحول إلى تحد آني يتطلب تحركا جديا، داعيا إلى وضع خطة واضحة لمعالجة الظاهرة وإعادة بناء النسيج المجتمعي، بما يضمن حماية المواطنين وتعزيز الحوار والتماسك بين مختلف مكونات المجتمع الأردني.

ودعا السبايلة إلى مراجعات أمنية سريعة وإعادة تقييم ملفات التطرف، إلى جانب تبني سياسة ردعية واستباقية تحول دون استغلال الظروف الإقليمية لاستهداف المملكة، مؤكدا أن مواجهة "الإرهاب" وحماية أمن الأردن يمثلان ثابتا في السياسة الإقليمية للبلاد، مهما تعددت مصادر التهديدات المحتملة.

أما عياد، فأكد أن الدولة الأردنية تدرك أهمية التضامن المجتمعي والروادع الدينية والأخلاقية والعشائرية في مواجهة هذه التحديات، معتبرا أن المجتمع يمتلك "صمامات أمان" متعددة، إلى جانب الإرث المتراكم في التعامل مع الأزمات والتهديدات التي تستهدف الاستقرار الداخلي والتعايش بين مكوناته المختلفة.

وأضاف أن هذه العوامل تمثل روادع أساسية إلى جانب الإجراءات الأمنية والسياسية، مشددا على ضرورة تضافر الجهود المجتمعية والرسمية لمحاصرة تداعيات الحادث، ومنع تحوله إلى مصدر لتهديد السلم الأهلي، خصوصا في ظل حساسية استهداف المواقع الدينية وما تحمله من رمزية اجتماعية.

وحذر عياد من "خطورة احتمال وجود أجندات تسعى إلى توظيف هذه الأحداث أو تغذيتها وتكرارها"، مؤكدا أن مواجهة التهديدات تتطلب جهدا أمنيا ومجتمعيا متكاملا، إلى جانب التنسيق مع دول الجوار والإقليم، للحيلولة دون انتقال الأزمات الخارجية إلى الداخل الأردني.

وبين استمرار ملاحقة المنفذين وتعدد الفرضيات بشأن دوافعهم، يبقى هجوم الكرك اختبارا لقدرة الأردن على حماية المواقع الدينية والحفاظ على تماسكه الداخلي، فيما تظل الإجابة عن احتمالات وجود أبعاد إقليمية مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات، بعيدا عن الاستنتاجات التي لم تؤكدها السلطات رسميا.