على خلفية أزمة "الحجاب".. سر العداوة والتصعيد المفاجئ من أذربيجان ضد تركيا

إسماعيل يوسف | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

انتقل الخلاف بين تركيا وأذربيجان إلى مرحلة خطيرة، بعدما أصدرت النيابة العامة في أذربيجان، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قرارات اعتقال دولية بحق سبعة مواطنين أتراك، بينهم صحفيون، على خلفية التوتر بين البلدين بسبب الموقف التركي من قرار حظر الحجاب في المدارس الأذربيجانية.

وأثار القرار علامات استفهام؛ إذ لم تكتفِ سلطات باكو بالتصعيد ضد الطالبات والمعلمات المحجبات، عبر طردهن من المدارس واعتقال نشطاء أذربيجانيين احتجوا على ذلك وسجنهم، بل توسعت في قرارات معاقبة منتقدي القرار، لتشمل مواطني دولة أخرى هي تركيا.

وكانت الاتهامات الرسمية الأذربيجانية الموجهة إلى سبعة أشخاص، أبرزهم الباحث الديني عبد الله إمام أوغلو، رئيس جمعية "أوزغور-دير"، غريبة أيضًا، إذ شملت "التحريض العلني على تغيير النظام الدستوري بالقوة"، و"إثارة الكراهية والعداء الديني"، و"الإطاحة بالنظام".

وهي اتهامات تشير إلى خلل في فهم الديمقراطية في أذربيجان، بسبب نموذجها السياسي العلماني الذي يناقض نصوص دستورها؛ فعلى الرغم من أن الدستور ينص على "العلمانية"، فإنه يضمن حرية الدين والتعبير.

كما تشير هذه الاتهامات إلى تدهور مؤسسات العدالة وانصياع القضاء لأوامر الدولة، إذ تُظهر بيانات منظمة "فريدوم هاوس" لعام 2026 أن أذربيجان حصلت على "صفر" في مؤشر استقلال القضاء، و"صفر" في مؤشرات عدة مرتبطة بحرية التعبير والإعلام والانتخابات.

ووفقًا للنيابة العامة في أذربيجان، صدرت مذكرات الاعتقال الدولية بحق الأتراك السبعة بسبب منشورات كتبوها على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، وزعمت السلطات الأذربيجانية أنها تضمنت دعوات إلى تنفيذ أعمال عنف والتطرف الديني.

ووصفت وسائل الإعلام الموالية للحكومة التركية القيود المفروضة في أذربيجان على الحجاب بأنها تذكّر بالإجراءات التي فُرضت في تركيا في 28 فبراير/شباط 1997، خلال ما يُعرف باسم "انقلاب ما بعد الحداثة"، على يد الجنرالات الأتراك، في إطار الجهود المبذولة لإسقاط الحكومة الإسلامية المنتخبة ديمقراطيًا آنذاك.

لم تعد أزمة حجاب

تشير التطورات الأخيرة بين باكو وأنقرة إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على منع الطالبات والمعلمات من ارتداء الحجاب في أذربيجان، أو على خلاف بشأن قواعد الزي المدرسي.

فقد دخلت الأزمة مرحلة أكثر حساسية بعد هجوم مسؤولين أذربيجانيين على تركيا، ثم إعلان النيابة العامة الأذربيجانية توجيه اتهامات جنائية إلى سبعة مواطنين أتراك، وصدور أوامر بتوقيفهم غيابيًا وإدراجهم على قائمة المطلوبين دوليًا، بحجة بثهم "خطابات تحتوي على محتوى راديكالي ديني".

والأشخاص الذين أصدرت إدارة علييف أوامر اعتقال دولية بحقهم هم: المفكر الديني عبد الله إمام أوغلو، ورئيس الاتحاد العام للحقوق والحريات رضوان كايا، وأحمد شانلي، وفهد الدين تاشكايا سرال، وعبد الرحمن تومر، وألب أرسلان تانريكولو، وفاتح تيزن.

وكتب عبد الله إمام أوغلو يقول: إنه "بسبب الخطابات التي ألقيتها في المؤتمر الصحفي الذي نظمته هيئة التغيير أمام سفارة أذربيجان في أنقرة، احتجاجًا على حظر الحجاب، أصدر نظام علييف الظالم أمرًا دوليًا باعتقالي".

وأوضح: "إن انتقاد نظام علييف وهذا الظلم، وتذكير الناس بأن الحجاب لا يمكن حظره، بل إنه أمر من الله، ليس جريمة، بل هو أعظم شرف بالنسبة لنا".

وشدد على ضرورة الوقوف إلى جانب "إخواننا في أذربيجان الذين يتعرضون لظلم الحجاب، والدفاع عن الحجاب الذي هو عِفّة نسائنا وتاج رؤوسهن"، مؤكدًا أنه "مهما كان الثمن، لن نترك الحق".

وصعّدت أذربيجان موقفها أكثر بإعلان 31 مواطنًا تركيًا "شخصيات غير مرغوب فيها"، وحظر دخولهم إلى البلاد.

وبررت السلطات ذلك بتصريحات هؤلاء الأشخاص الموجهة ضد "سيادة أذربيجان وأمنها الوطني ونظامها الدستوري، بالإضافة إلى تحريضهم على الكراهية الدينية والعنف".

وسبق ذلك انتقادات أذربيجانية لدعم أنقرة أذربيجان في تحرير إقليم قره باغ، بزعم أن باكو اشترت الأسلحة التركية مثل أي دولة أخرى، مع إنكار دور تركيا في سير العمليات العسكرية بدقة، ووجود قادة من جيشها في أذربيجان أثناء الحرب، فضلًا عن دور مسيّرات "بيرقدار"، التي يقول علييف: إن بلاده دفعت ثمنها، بينما كان الضباط الأتراك يتولون تشغيلها.

وعمّقت أذربيجان الخلاف مع تركيا بصورة تصاعدية، حتى إن وسائل إعلامها اتهمت وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بمحاولة التحريض على تمرد ضد إدارة الرئيس إلهام علييف خلال زيارته الأخيرة إلى باكو، عبر لقاءات عقدها مع معارضين.

فقد ربط موقع "قافقاز إنفو"، وهو موقع إلكتروني ذو صلات وثيقة بالرئاسة الأذربيجانية، زيارة فيدان بادعاءات أوسع نطاقًا بشأن كيانات تابعة لتركيا تعمل في أذربيجان.

وقال الموقع، رغم نفي تركيا: "واجهت أذربيجان أيضًا محاولات من جهات تابعة لتركيا لتنفيذ انقلاب وإثارة الفوضى في البلاد؟"

واتهم تقرير الموقع حزب العدالة والتنمية بمحاولة نشر أيديولوجيته الإسلامية عبر منظمات غير حكومية تابعة له، بما في ذلك المؤسسة التي يُزعم أن فيدان زارها.

كما زعم التقرير أن المخابرات التركية استخدمت هذه الكيانات للتدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى، وأشار إلى أن فيدان ربما أصدر تعليمات بهذا الشأن خلال زيارته.

وأضاف أن "الإمبراطورية العثمانية دفعت الأرمن إلى الأراضي الأذربيجانية في عام 1915 لتقسيم البلاد"، وهي نظرية مؤامرة سبق أن روّج لها بعض القوميين الأذربيجانيين.

كذلك، اتهمت صحيفة "بوبليكا"، في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حزب العدالة والتنمية بتصدير "الفكر الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين"، كما حذرت دولًا أخرى من أن وكالة التنمية الحكومية التركية "تيكا" قد تشكل خطرًا على استقرارها الداخلي.

واتهم موقع "غلوبال إنفو"، وهو موقع إخباري أذربيجاني آخر، تركيا باتباع سياسة عثمانية جديدة في المنطقة، قائلًا إن "أنقرة تعامل باكو كدولة تابعة بدلًا من شريك متساوٍ".

بل اشترطت أذربيجان لتهدئة التوتر مع تركيا أن تقيل أنقرة المستشار الرئاسي الذي انتقد الرئيس الأذربيجاني، وأن تتخذ إجراءات قانونية وتلاحق المواطنين والشخصيات التركية التي انتقدت علييف بشدة.

كما طالبت تركيا بإغلاق الحسابات وصفحات التواصل الاجتماعي التي تقود حملات داخل البلاد على خلفية قضية الحجاب، بحسب موقع "ميدل إيست آي"، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

ونشر مستشار الرئيس التركي، أوكتاي سارال، رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي دعا فيها باكو إلى التراجع عن حظر الحجاب، معتبرًا أن "منع الطالبات المحجبات في أذربيجان من حقهن في التعليم أمر غير مقبول".

وقال: "لا ينبغي التضحية بالحق في التعليم من أجل أي إملاء أيديولوجي، ونتوقع من أذربيجان أن تتراجع عن هذا الخطأ في أقرب وقت ممكن، ويجب إفساح الطريق أمام الشباب، لا وضع العقبات أمام مستقبلهم".

كما انتقدت ليلى شاهين أوستا، نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، والرمز البارز لمعارضة حظر الحجاب في تركيا أواخر التسعينيات، القرار الأذربيجاني.

وردّ "حزب أذربيجان الجديدة"، الذي يتزعمه الرئيس علييف، ببيان شديد اللهجة، حذّر فيه أنقرة من السعي إلى الهيمنة على العالم الإسلامي، ووصف التصريحات التركية بأنها "غير مسؤولة"، محذرًا من التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.

وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، هاجم الحزب الحاكم تصريحات سارال والنواب الأتراك، وشدد على أن شعار "أمة واحدة ودولتان" لا يمنح أي طرف الحق في التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر أو فرض خياراته السياسية والأيديولوجية عليه.

وتبع ذلك استقبال أذربيجان رئيس دولة إسرائيل والحفاوة به، مقابل انتقاد المسؤولين الأتراك، والتأكيد أن أذربيجان ليست تابعة لأحد، وأن إسرائيل ساعدتها أيضًا في حرب قره باغ، حتى لو كانت تركيا قد قدمت لها الدعم، في ما بدا تصادمًا مستمرًا في العلاقات.

واستفز نواب أذربيجانيون تركيا بقولهم: إن "علييف ليس خليفة والده حيدر علييف فقط، بل هو خليفة مصطفى كمال أتاتورك"، بحسب النائب الأذربيجاني زاهيد أوروج.

لذا، وضع الخلاف بشأن قيود الحجاب في المدارس الأذربيجانية العلاقة بين تركيا وأذربيجان أمام اختبار سياسي، بعدما انتقل الجدل من قضية اجتماعية داخلية إلى سجال بين شخصيات من الحزب الحاكم في أنقرة ومسؤولين في باكو.

ويرى محللون أتراك أن انعقاد القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية، المقررة في أنقرة يومي 29 و30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد مسار العلاقات مستقبلًا.

فإذا حضرها الرئيس إلهام علييف وظهر وهو يعانق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد يكون ذلك مؤشرًا على "لملمة" الخلافات ومنع تصعيدها على حساب مبدأ "أمة واحدة ودولتان".

أما إذا غاب وأرسل من ينوب عنه، فسيكون ذلك دليلًا واضحًا على أن الأزمة أعمق مما هو متصور، وأن السجال حول العلمانية والسيادة لم ينجح في احتواء الخلاف، رغم المصالح الدفاعية والاقتصادية والعرقية المشتركة بين البلدين.

بل إن عدم حضوره سيثير أيضًا تساؤلات خطيرة حول مستقبل "منظمة الدول التركية"، بحسب خبير العلاقات الدولية التركي، الدكتور أحمد شهيدوف.

وفي الاجتماع الأخير الذي عُقد في باكو، وبعد أن غادر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان القاعة احتجاجًا على كلمة الممثل الإسرائيلي، لم تنسحب أي دولة من دول "منظمة الدول التركية"، وهو ما يدل على أن الوحدة في الكلام والفكر والعمل داخل المنظمة لم تتحقق بعد بصورة كاملة، وفق شهيدوف.

وتكتسب هذه القمة أهمية إضافية؛ لأنها تجمع قادة منظمة الدول التركية، التي تأسست عام 2009 بموجب "اتفاق نخجوان"، الذي وقّعته تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان. وانضمت أوزبكستان لاحقًا إلى المنظمة عضوًا كاملًا.

وتوسع نطاق المنظمة ليشمل التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والجمركي، إلى جانب النقل والطاقة، ولم يعد مقتصرًا على الاقتصاد وحده.

وكانت تركيا وأذربيجان من أبرز محركات هذا المسار منذ بدايته، كما طورتا علاقتهما الثنائية إلى مستوى التحالف بموجب إعلان شوشا، الموقع في يونيو/حزيران 2021.

ويتضمن الإعلان التعاون الدفاعي وتحديث القوات المسلحة وتطوير الصناعات العسكرية، فضلًا عن تنسيق المواقف السياسية وتعزيز الاستثمارات والتبادل التجاري وممرات النقل.

وتوضح المصالح الاقتصادية حجم ما قد يخسره الطرفان من أي تدهور مستدام في العلاقات. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 7.08 مليارات دولار في عام 2025، فيما بلغت الاستثمارات التركية في أذربيجان نحو 17.9 مليار دولار، والاستثمارات الأذربيجانية في تركيا قرابة 21 مليار دولار، وفق بيانات وزارة الخارجية التركية.

ولا تقتصر هذه المصالح على التجارة والاستثمار، إذ تمثل أذربيجان بوابة مهمة لتركيا نحو آسيا الوسطى، وممرات نقل الطاقة والبضائع باتجاه أوروبا، بينما تستفيد باكو من التعاون التركي في مجالات الدفاع والنقل والطاقة.

وتدفع هذه الروابط البلدين إلى تجنب انتقال الخلاف الاجتماعي إلى ملفات التعاون الاستراتيجي.

وبدأت الأزمة بعد اعتماد الحكومة الأذربيجانية، في 26 سبتمبر/أيلول 2026، قواعد أكثر تشددًا للزي المدرسي، تمنع الملابس التي تخالف الزي المعتمد أو تتعارض مع مبدأ علمانية التعليم.

ولم يذكر القرار الحجاب صراحة، لكن مدارس عدة فسّرت القواعد بوصفها تشمل أغطية الرأس، ومنعت طالبات محجبات من دخول الفصول، كما أفادت تقارير بمنع معلمات من أداء عملهن بالحجاب.

وبسبب العلاقة الوثيقة بين تركيا وأذربيجان، أطلق حيدر علييف، الرئيس الأسبق لأذربيجان، شعار "أمة واحدة ودولتان" لتأكيد الروابط التاريخية والثقافية واللغوية بين البلدين، مع كونهما دولتين مستقلتين.

وكرر ابنه، الرئيس الأذربيجاني الحالي إلهام علييف، نسبة العبارة إلى والده، كما استخدمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في وصف العلاقات بين البلدين.

خلل في النظام السياسي

تكمن أهمية الخلاف حول الحجاب بين البلدين في أنه يتجاوز خلافًا بين حليفين، ليطرح أسئلة عن طبيعة الخلل في النظام السياسي في أذربيجان، ونموذجها السياسي الذي يحدد حدود حرية التعبير والدين واستقلال القضاء، لكنه يناقض ذلك في التطبيق الفعلي.

كما يطرح تساؤلات بشأن كيفية استخدام مؤسسات الدولة الأذربيجانية قوانين حماية النظام الدستوري لمواجهة تهديدات وهمية وغير حقيقية، وتحويل القوانين ومواد الدستور التي تتحدث عن "العلمانية" وحرية الاعتقاد إلى أدوات للحد من المعارضة والانتقاد.

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية في ضوء تقييم منظمة "فريدوم هاوس" لعام 2026، الذي صنّف أذربيجان دولة "غير حرة"، ومنحها 6 نقاط من أصل 100، مشيرًا إلى تركز السلطة في يد الرئيس إلهام علييف وعائلته، وضعف المعارضة، وتراجع الحريات المدنية.

فقد كشفت الأزمة التي تصاعدت حتى إصدار قرارات دولية بطلب توقيف سبعة أتراك على خلفية قضية الحجاب، عن ثلاثة مستويات من الخلافات. أولها الخلاف حول الحريات، وما يرتبط بها من حدود العلمانية وحرية الدين والحق في التعليم.

وثانيها الخلاف على السيادة وحدود حق الحليف في انتقاد السياسات الداخلية لحليفه. وثالثها الخلاف حول طبيعة النظام السياسي الأذربيجاني والخلل الموجود فيه، من زاوية مدى استقلال القضاء وحرية الإعلام وقدرة المعارضة والمجتمع المدني على مساءلة السلطة.

ويشير ذلك إلى أن الخلل الديمقراطي في أذربيجان لا يمكن اختزاله في قرار الحجاب وحده؛ فالتقييمات الدولية وتقارير حقوق الإنسان تشير إلى مشكلات أوسع تشمل تركز السلطة، وضعف التنافس السياسي، والقيود على الإعلام المستقل، وملاحقة المعارضين داخل البلاد وخارجها، وتكميم أفواه منتقدي قرار حظر الحجاب وسجنهم.

وكشفت أزمة الحجاب تناقضًا جوهريًا بين العلمانية والحقوق الدستورية؛ فأذربيجان دولة ذات غالبية مسلمة تبلغ نحو 96 بالمئة، ويعرّف دستورها الدولة بأنها "علمانية"، لكنه يتضمن ضمانات لحرية الدين.

لكن السلطات تبرر حظر الحجاب بوجود قواعد للزي المدرسي وضرورة الحفاظ على علمانية التعليم، متجاهلة ضمانات الحرية الدينية، لتجعل العلمانية معادية لحرية الدين، بدلًا من أن تكون صمامًا لحماية حرية العقيدة، كما يزعم النظام.

ويرى محللون أتراك أن الخلاف والخلل في النظام السياسي الأذربيجاني يكمنان في كيفية تطبيق العلمانية، بمعنى: هل تعني حياد المؤسسات التعليمية تجاه الأديان، أم تعني منع مظاهر دينية معينة داخل المدارس؟

ويرون أن الدستور وقواعد الزي لم ينصّا صراحة على حظر الحجاب، لكن تعليمات حكومية صدرت إلى المدارس بمنع الطالبات والمعلمات المحجبات من الحضور.

وإذا كانت السلطات الأذربيجانية تؤكد احترام حرية الدين والتعبير، فإن الاختبار العملي لذلك يتمثل في السماح للطالبات بالتعليم، وحماية الاحتجاج السلمي، وضمان ألا تصبح القوانين الجنائية أداة لإسكات المنتقدين.

وانصبّ انتقاد الأتراك للقرار الأذربيجاني على أن من حق الدولة وضع قواعد للزي المدرسي، لكن مشروعية هذه القواعد تتوقف على وضوحها، وطريقة تطبيقها، ومدى احترامها للحقوق الدستورية.

لذا، وصفت منظمة العفو الدولية، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حرمان فتيات من دخول الفصول بسبب الحجاب بأنه "يمثل انتهاكًا لحقوق التعليم وحرية الدين والتعبير"، وطالبت بوقف القيود والإفراج عن المحتجين السلميين.

ومن منظور الحقوق، ينبغي ألا يؤدي الخلاف بشأن الزي إلى حرمان الطالبة من التعليم، وألا يُستخدم مبدأ العلمانية لتقييد حرية الاعتقاد من دون أساس قانوني واضح ومبرر متناسب، وفق منظمة العفو الدولية.

ويقول منتقدو النظام الأذربيجاني إن القضية لا تتعلق بقرار الحجاب وحده، بل بالبيئة التي تُتخذ فيها القرارات، ومدى قدرة المواطنين والصحفيين والمعارضة على الاعتراض عليها من دون التعرض للملاحقة.

ويتولى إلهام علييف رئاسة أذربيجان منذ عام 2003، بعدما خلف والده حيدر علييف. وتركزت السلطة السياسية في يد الرئيس وعائلته، فيما أُضعفت المعارضة بفعل سنوات من التضييق والملاحقة، بحسب تقرير "فريدوم هاوس".

لذا، تصنّف منظمة "فريدوم هاوس" أذربيجان بوصفها "دولة غير حرة"، وتشير إلى ضعف فرص المعارضة في الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، ومحدودية التنافس السياسي الفعلي، وتدني المؤشرات المرتبطة بحرية الانتخابات واستقلال القضاء وحرية الإعلام والتجمع.

ويعني ذلك أن الخلل الديمقراطي لا يقتصر على التضييق على خطاب بعينه، بل يتعلق أيضًا بقدرة المواطنين على محاسبة السلطة وتغييرها عبر آليات سياسية تنافسية، وحتى التظلم من قراراتها، مثل حظر الحجاب، أمام القضاء، بسبب تبعيته للنظام.

إذ تُظهر بيانات "فريدوم هاوس" لعام 2026 أن أذربيجان حصلت على "صفر" في مؤشر استقلال القضاء.

ويوثق تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" عن أذربيجان لعام 2026 "تصاعد الضغوط على وسائل الإعلام المستقلة والمعارضة والمجتمع المدني خلال عام 2025".

ويشير التقرير إلى اعتقال صحفيين مرتبطين بمؤسسات إعلامية مستقلة، وصدور أحكام بالسجن بحق صحفيين يعملون في مؤسسات إعلامية، من بينها "أبزاس ميديا"، إلى جانب إجراءات قضائية وأمنية طالت مؤسستي "ميدان تي في" و"توبلوم تي في".

وفي يونيو/حزيران 2026، قالت المنظمة: إن السلطات الأذربيجانية تستخدم قضايا جنائية ضد منتقدين يعيشون في الخارج، بما في ذلك محاكمات غيابية تستند إلى منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أو تعليقات عبر الإنترنت.

ورأت أن هذه الممارسات قد تمثل شكلًا من أشكال القمع العابر للحدود، الذي يهدف إلى إسكات المنتقدين خارج البلاد أيضًا.

والمفارقة أن السلطات لجأت هذه المرة إلى ملاحقة مواطني دولة أخرى، هي تركيا، عبر مذكرات "اعتقال دولية"، بحجة انتقادهم حظر الحجاب في أذربيجان.

لذا، فإن الملاحقات الجديدة لا تحدث في فراغ، بل تأتي في دولة وثّقت منظمات حقوقية فيها نمطًا سابقًا من القضايا الغيابية ضد منتقدين في الخارج.

العلاقة مع إسرائيل

تمثل العلاقة الوثيقة بين أذربيجان وإسرائيل عاملًا مهمًا في فهم التوازنات الإقليمية المحيطة بالتوتر الأخير بين باكو وأنقرة، ما يجعل إسرائيل جزءًا من خلفية الخلاف السياسي.

إذ ترتبط باكو وتل أبيب بشراكة إستراتيجية تشمل الأسلحة والتكنولوجيا الأمنية والطاقة، واعتمدت أذربيجان على مسيّرات وأنظمة تسليح إسرائيلية، من بينها أسلحة استخدمتها في حرب قره باغ، إلى جانب الدعم التركي بمسيّرات "بيرقدار".

لذلك، أثار قرار تقييد الحجاب انتقادات في أوساط تركية ربطت بين تشدد باكو العلماني وتقاربها مع إسرائيل، وتحولت تل أبيب إلى نقطة خلاف داخل العلاقة التركية الأذربيجانية.

ومع تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية بسبب حرب غزة، أصبح التقارب الأذربيجاني مع إسرائيل أكثر حساسية لدى قطاعات من الإعلام والسياسة في تركيا.

ووصل الأمر إلى أن وسائل إعلام تركية مؤيدة للحكومة وصفت قيود الحجاب بأنها قد تمثل إشارة إلى التقارب مع إسرائيل، بينما رفض حزب "أذربيجان الجديدة" الحاكم هذه الاتهامات، وعدّها تشويهًا لعلاقات بلاده بإسرائيل، بحسب موقع "أوراسيا نت"، في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وكان لافتًا أن التشدد الأذربيجاني تجاه تركيا يرتبط، بحسب هذه الطروحات، بالتحالف مع إسرائيل ودول معادية لتركيا، حتى إن عضو البرلمان الأذربيجاني راسم موسابيوف هدّد تركيا بإسرائيل.

وقال: "ليس لدينا نية في تعطيل علاقاتنا المفيدة مع إسرائيل من أجل بعض الأشخاص"، مضيفًا: "لا نريد إضعاف علاقاتنا مع تل أبيب لأنها مبنية على أساس صلب للغاية، بحيث لا يمكنهم، حتى لو أرادوا، قطع هذه العلاقات".

وأضاف: "حكومة حزب العدالة والتنمية تصوّر إسرائيل كعدو أيديولوجي وتريد جر أذربيجان إلى هذا الطريق، لكن أذربيجان ليست وحدها؛ فكازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان أيضًا لا تقبل هذا النهج التركي تجاه إسرائيل".

ويرى محللون أن أذربيجان تتعمد توتير العلاقة مع تركيا واختلاق ذرائع لذلك، رغم ما يربط البلدين في مختلف المجالات، ويربطون ذلك بالحرب على إيران والدور المفترض لأذربيجان فيها، سواء عبر مشاركتها المباشرة أو باستخدام أراضيها.

وبسبب علاقة باكو مع إسرائيل التي تتسم ببعد أمني وعسكري عميق، تتصاعد الخلافات مع الحليف التركي، الذي يتلقى تهديدات مستمرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يقرع طبول الحرب مع تركيا ويصنفها ضمن معسكر "سني" معادٍ لتل أبيب.

ويرى هؤلاء أن أذربيجان ربما اختارت الوقوف إلى جانب إسرائيل في مواجهة تركيا، رغم الروابط بين البلدين، لأسباب عديدة تتعلق بدور الجالية اليهودية المؤثر في الحياة السياسية في باكو، والعلاقات الاقتصادية؛ إذ تتلقى إسرائيل 40 بالمئة من نفطها من أذربيجان في ظل علاقات عسكرية واقتصادية وثيقة بين الجانبين.

ويشير تحليل نشره موقع "فوربس"، في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى أن الرئيس الأذربيجاني علييف يُصر على الحفاظ على علاقات وثيقة مع إسرائيل على حساب علاقاته مع دول أخرى؛ "لأن إسرائيل تُقدّم أفضل ضمانة أمنية ضد تدخل جارتها الجنوبية إيران".

كما تُصر إسرائيل على الحفاظ على هذه العلاقات الوثيقة مع حليف بعيد، لأن أذربيجان تشكّل تهديدًا للحدود الشمالية لإيران، إذ ترغب المقاطعة الأذربيجانية في إيران بالانفصال والانضمام إلى جيرانها في باكو.

ونتيجة لذلك، يضطر علييف إلى الحفاظ على تحالفه مع كل من تركيا وإسرائيل، ما أدى، للأسف، إلى النتيجة التي شهدناها في المؤتمر. وحتى استخدام هرتسوغ طائرة أذربيجانية للوصول إلى هناك تحوّل إلى قضية كبيرة.