سوابق ومكافآت.. كيف استقبل المغاربة حكومة فاطمة المنصوري؟

"هل ستكون الوزيرة مديحة خيير آخر ورقة توت تسقط من على "عورة" الحكومة؟"
أثار الإعلان عن أعضاء حكومة فاطمة الزهراء المنصوري جدلًا واسعًا بين المغاربة؛ بسبب حضور عدد كبير من الوجوه نفسها في المناصب الوزارية، إلى جانب المتابعات القضائية التي تطال بعض أعضائها، فضلًا عن محدودية التمثيل النسائي رغم تولي امرأة رئاسة الحكومة.
وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ترأس العاهل المغربي محمد السادس، في القصر الملكي بالرباط، مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.
وتشمل التشكيلة الجديدة وزراء يتولون حقائب الداخلية والخارجية والعدل والاقتصاد والمالية والتعليم والصحة، إلى جانب وزارات معنية بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة والتنمية الاجتماعية.

سوابق قضائية
ومباشرة بعد تعيينها تصاعدت الانتقادات لتشكيلة هذه الحكومة، خاصة تلك الضجة الواسعة حول تعيين مديحة خيير عن حزب الاستقلال في منصب الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين (التدريب) المهني والتأهيل، بسبب سوابقها القضائية.
الوزيرة مديحة خيير، وجدت نفسها في صلب جدل واسع بعد ساعات قليلة من تعيينها ضمن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، إثر إعادة تداول وثيقة طبية منسوبة إليها تعود إلى سنة 2004.
وقُدمت الوثيقة على أنها شهادة صادرة عن طبيب مختص في الطب النفسي تشير إلى هشاشة نفسية ومحاولات انتحار سابقة للوزيرة المعنية، ورُبطت إعلاميا بمتابعات قضائية في قضايا تزوير، إضافة إلى النصب وإصدار أزيد من 20 شيكا مزورا بدون رصيد لفائدة مجموعة من تجار الذهب، في ملف تضمن معاملات مالية وتجارية انتهت بوصول القضية إلى المصالح الأمنية والقضائية.
هذا الجدل السريع انتهى بقرار ملكي، ففي 18 أكتوبر 2026، أعلن بلاغ للديوان الملكي أن الملك محمد السادس وافق على طلب إعفاء تقدمت به رئيسة الحكومة في حق الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية المكلفة بالتكوين المهني بعد 48 ساعة من تعيينها.
وفي سياق هذا الجدل، تفاعل عدد من الصحفيين مع الواقعة؛ فقد رأى الكاتب والصحفي جمال بدومة، أن "خيير دخلت إلى التاريخ السياسي المغربي من باب الأرقام القياسية، بعد أن أصبحت صاحبة أقصر مدة يقضيها وزير في منصبه منذ تشكيل أول حكومة مغربية".
وأضاف بدومة، عبر فيسبوك، أن "أخطاء الشباب تكون قاتلة أحيانا. وبعض الجرائم يمكن أن تسقط بالتقادم، لكن التقادم القضائي شيء والتقادم السياسي شيء آخر، ويستحيل أن تمر الوقائع التي تورطت فيها الوزيرة الاستقلالية مرور الكرام".
وتابع أنه "حتى وإن كانت الوقائع قديمة، لا يمكن أن تشارك في حكومة صاحب الجلالة سيدة أدينت بالاحتيال، وتم إعفاؤها من السجن بتقرير طبي يشير إلى أنها تعاني من اضطرابات نفسية ونزوعات انتحارية". مشيرا إلى أن "المناصب العليا ليست مزحة".
ويرى بدومة، أن حزب "الاستقلال" كان عليه أن ينتبه للموضوع، وهو يهيئ قائمة المستوزرين باسمه، قبل أن يورّط رئيسة الحكومة والقصر الملكي، ويحرجهما أمام الرأي العام، في زمن وسائل التواصل الاجتماعي".
من جهته، قال المحلل السياسي خالد البكاري: إنه "منذ الإعلان عن أصحاب "الصيكان" (الحقائب) الوزارية، تناسلت مجموعة من التدوينات التي تكشف سيرة "السوابق" لمجموعة من "المعينين".
ورأى البكاري، في تدوينة عبر فايسبوك، أن "الأمر لا يتعلق بأشخاص سيئين تم استوزارهم، بل بضحايا يعانون "أمراضا" مزمنة، تقتضي وضعهم رهن إشارة أطباء مختصين".
وأضاف: "لدينا حالة مرض "خفة اليد"، وهي حالة مرضية معروفة عند أطباء النفس، يصاب بها أشخاص مهووسون بمد اليد لما ليس من حقهم، حتى ولو كانوا في حالة يُسر".
وتابع: "لدينا حالة إدمان مرضية على “المراهنات” التي قد تبدأ من محلات الرهان، لتتطور إلى الكازينوهات، قبل أن تتحول إلى صالونات الرهان السياسي؛ حيث كل شيء قابل للرهان عليه، ولو تعلق الأمر بالسمك وهو ما زال في البحر".
وزاد: "ولدينا حالة الهوس بالكائنات "الغيبية" والرموز "السحرية"، خصوصا المستخدمة في التنقيب عن "الكنوز" تحت الأرضية، بمناطق الهامش، قبل إدراك ان الكنز في الرباط، ويحتاج لوسائط "مادية" لا "روحية".
وبعد أن سجل البكاري، أنه في مباريات التوظيف العادية (التعليم، الجماعات المحلية، الشرطة...) يتم إجراء بحث أمني وأحيانا حتى اجتماعي، لتقرير الصلاحية للمنصب، تساءل: هل تم القيام بهذا البحث في نازلة "الصيكان الوزارية" أم أن عملية تبييض للسوابق سبقت الأمر، على شاكلة تبييض الأموال".
بدروه، تساءل أحمد مدياني مدير نشر "تيل كيل عربي"، في افتتاحية للموقع: هل ستكون الوزيرة مديحة خيير آخر ورقة توت تسقط من على "عورة" الحكومة؟.
وأضاف أن "الجواب ستحمله الأيام المقبلة، لأنه توجد وسط الفريق الحكومي أسماء الحفر في ماضيها، القريب قبل البعيد، يقربها من نفس مصير منتحلة هوية طبيبة للنصب على عشرات "الذهيبية" (باعة الذهب).
وليست الوزيرة المعفية مديحة خيير هي الوحيدة التي أثير حولها شبهات بمتابعات قضائية سابقة؛ إذ أعاد تعيين فاطمة السعدي، القيادية بحزب الأصالة والمعاصرة الحاكم، وزيرة منتدبة مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، إلى الواجهة ملفا قضائيا سابقا انتهى بصدور حكم في حقها بالحبس موقوف التنفيذ، على خلفية وقائع مرتبطة بفترة توليها رئاسة بلدية الحسيمة بشمال المغرب.
ووفق معطيات أوردتها تغطيات صحفية محلية، فقد أصدرت محكمة الاستئناف بالحسيمة، مطلع سنة 2016، حكما بإدانة السعدي بشهر حبس موقوف التنفيذ، مع أداء تعويض لفائدة المطالب بالحق المدني، في قضية تعود وقائعها إلى سنة 2014، حين جرى هدم حديقة بالحسيمة، بدعوى تحرير الملك العام.
وشملت المتابعة القضائية، "اتهامات تتعلق بالشطط في استعمال السلطة، واحتقار مقررات قضائية، والمساهمة والمشاركة في الاعتداء على مسكن الغير وانتهاك حرمته، وإلحاق خسائر مادية بممتلكات خاصة، إلى جانب اتهامات أخرى وردت ضمن الملف".
وتعود هذه الوقائع إلى مرحلة ترؤس السعدي بلدية الحسيمة بين سنتي 2009 و2015، قبل انتقالها إلى العمل البرلماني وتحمل مسؤوليات قيادية داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وصولا إلى تعيينها، وزيرة منتدبة لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة.

وإضافة إلى الوزيرتين السابقتين، نال الوزير المكلف بالصيد البحري أحمد المهدي المزواري، أحد أعضاء الحكومة عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، نصيبه من الجدل الذي رافق ولادة حكومة المنصوري.
وأماطت تقارير إعلامية، اللثام عن وثائق للمجلس الأعلى للحسابات (الجهاز المركزي للمحاسبات) تكشف تورط الوزير في اختلالات مالية رفقة الحسن لشكر، نجل الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، وريم العاقد، ابنة عضو في المكتب السياسي للحزب.
ويتعلق الأمر، باستفادة الشخصين، عبر شركتهما، من المال العام عبر الحزب الذي ينتميان إليه، في إطار "إنجاز دراسات" كانت محط العديد من الاختلالات التي وثقها قضاة المجلس.
ووفق التقرير، استفاد حزب الاتحاد الاشتراكي، بتاريخ 9 نونبر/تشرين الثاني 2022، من دعم عمومي سنوي إضافي بقيمة مليون و930 ألفا و896 درهما (حوالي 198 ألف دولار)، مخصص لتغطية المصاريف المرتبطة بإنجاز الدراسات، قبل أن يتعاقد مع مكتب الدراسات "MELA STRATEGIE & CONSEIL" لإنجاز 23 دراسة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والبيئية، مقابل مبلغ إجمالي قدره مليون و835 ألف درهم (حوالي 188 ألف دولار).
وفيما يتعلق بالوثائق المقدمة لتبرير النفقات، كشف التقرير أن الحزب أدلى بـ21 وثيقة فقط من أصل 23 دراسة متعاقد بشأنها، دون تقديم الدراستين المتعلقتين بـ"مؤشرات قياس الحكامة في المجال المؤسساتي" و"مؤشرات قياس سيادة القانون".
وأظهر فحص الوثائق الـ21، وفق المجلس الأعلى للحسابات، أنها كانت عبارة عن عروض أو مذكرات موجزة تتضمن معلومات واقتراحات عامة متاحة للعموم، وليست دراسات مستوفية للمنهجية العلمية المعتمدة في هذا المجال.

حكومة "الروسيكلاج"
لم ترق حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى سقف توقعات وطموحات المغاربة؛ ذلك أن رباعي الأغلبية الحكومية (أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) لم يُقدم "بروفايلات" مناسبة لطموح تشكيل "حكومة سياسية" تتدارك الأخطاء التي راكمتها حكومة عزيز أخنوش.
الكاتب الصحفي علي أنوزل، تساءل: "هل نحن أمام حكومة جديدة أم مجرد تعديل حكومي موسع؟"، مضيفا أن هذا "السؤال يفرض نفسه أمام تشكيلة حكومية تضم 32 عضوا، من بينهم 14 وزيرا، بمن فيهم رئيسة الحكومة، كانوا أعضاء في حكومة أخنوش، ووزيران سابقان عادا إلى الجهاز التنفيذي".
وتابع أنوزلا في تدوينة عبر فايسبوك، أن "16 عضوا من أصل 32 سبق لهم الجلوس على الكراسي الوزارية، بما يعادل نحو 50% من التشكيلة الجديدة!".
كما تساءل: ما الحاجة أصلا إلى انتخابات استنزفت المال العام والجهد والوقت، وأُنفقت عليها الملايين، وحُشدت لها الأحزاب والإدارة والناخبون، إذا كانت النتيجة مجرد إعادة توزيع الكراسي بين الوجوه نفسها؟
وقال أنوزلا، إنها حكومة "الفرصة الضائعة" بامتياز، وتجسيد لمفارقة سياسية مغربية عصية على الفهم: نطالب بالقطيعة، ونتمسك برموز الاستمرارية، نرفع شعار التغيير، ونعيد تدوير الوجوه نفسها، نتحدث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة، ثم نكافئ المسؤولين بمناصب جديدة دون مساءلتهم عن حصيلة مسؤولياتهم السابقة.
وخلص أنوزلا، متسائلا: "هل نحن فعلا أمام حكومة تغيير، أم أمام أكبر عملية "روسيكلاج" (إعادة تدوير) سياسي داخل الجهاز التنفيذي؟ وإذا كان المطلوب هو الاستمرارية بهذا الحجم، فلماذا كل هذا العناء الانتخابي، وكل هذا الحديث عن الجدية والمسؤولية وهلٌمَّ جرا من فائض الكلام؟"
من جهته، وصف الصحفي المغربي مصطفى ابن الرضي، التشكيلة الحكومية بأنها "حكومة "مزروبة" (متسرعة) من التعيين إلى مشاورات الائتلاف الحكومي، فالتشكيل، ثم التنصيب الملكي، فانعقاد اجتماع حكومي ومجلس وزاري، إلى سباق مع الزمن لعرض مشروع قانون الموازنة... وحتى "الفضائح" لم تتأخر".
ومباشرة بعد تعيين الحكومة في 16 أكتوبر 2026، ترأس الملك محمد السادس، في اليوم الموالي، بالقصر الملكي بالرباط، مجلسا وزاريا، خصص للتداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون الموازنة لسنة 2027، تبعه في نفس اليوم أول مجلس حكومي، ليأتي بعده تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان في 18 أكتوبر 2026.
ورأى ابن الرضي، في مقال رأي، أن سقف التوقعات المرتفع كان يستوجب اقتراح الائتلاف الحكومي لــ"حكومة الفرصة"، لا حكومة "الترضيات" الحزبية التي لا تخطئها العين.
وبعد أن نبّه ابن الرضي، إلى أن المغرب لا يتحمل زمنا سياسيا وحكوميا مهدورا، أشار إلى أن بداية الحكومة لم تكن موفقة، مردفا: "نتمنى الاستدراك من حكومة يظهر أنها ستعاني كثيرا".
المصادر
- جدل وثيقة طبية قديمة يطيح بالوزيرة "ماديحة خيير" بعد 48 ساعة من تعيينها في حكومة المنصوري
- من حكم بالحبس إلى حقيبة وزارية.. ملف قضائي سابق يلاحق فاطمة السعدي بعد تعيينها في الحكومة
- بالوثيقة.. المهدي المزواري: وزير الصيد البحري في حكومة المنصوري الذي وثَّق المجلس الأعلى للحسابات تورطه في الاستفادة من المال العام عبر "الريع الحزبي" تحت يافطة "مكتب دراسات"
- "حكومة السوابق"

















