ليبيا.. كيف تحوّل ملف الهجرة إلى أداة للصراع السياسي ووقود للتحريض ضد الأجانب؟

داود علي | منذ ٨ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يوم الخميس 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، اجتمعت لجنة حكومية مشتركة في مقر جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بطرابلس، لتنسيق حملة تفتيش مكثفة تستهدف أماكن عمل العمالة الأجنبية ومساكنها في العاصمة، بحسب ما أعلنته وزارة العمل والتأهيل. وفي اليوم التالي، احتشد عشرات الأشخاص في ميدان الشهداء، مرددين هتافات من قبيل "ليبيا لليبيين" و"لا للتوطين"، في امتداد لمظاهرات تتكرر وسط المدينة منذ أبريل/ نيسان 2026.

خبران متجاوران يلخصان المشهد: دولة تشدد قبضتها الإدارية والأمنية، وشارع يطالب بالمزيد، وبينهما مئات الآلاف من المهاجرين الذين باتوا يحسبون خطواتهم بحذر بين منازلهم وأماكن عملهم، في مدينة تتقاسم أحياءها جماعات مسلحة متنافسة، وتعيش منذ شهور على وقع شائعات تتحدث عن مخطط دولي لتغيير التركيبة السكانية للبلاد.

فمن يقف وراء رواية "التوطين" التي أشعلت هذا الغضب؟ وهل تحول ملف الهجرة إلى ورقة في صراع السلطة بين الشرق والغرب؟ وإلى أي حد يمكن أن ينزلق التحريض إلى عنف تعجز العاصمة عن احتوائه؟ ومن يحمي أولئك الذين لا يملكون في ليبيا سوى أوضاع قانونية هشة؟

التحريض يغادر المنصات إلى الشارع

لم يعد الخوف لدى مهاجري طرابلس مرتبطًا بقوارب الموت أو مراكز الاحتجاز وحدها، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. فمع موجة التصعيد التي شهدها يونيو/ حزيران 2026، اضطر كثير من القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى ملازمة منازلهم أيامًا متتالية، تفاديًا للاعتقال أو الاعتداء، بعدما تزامنت الاحتجاجات مع حملات توقيف نفذتها الشرطة وتشكيلات مسلحة تابعة لوزارة الداخلية في مدن غرب البلاد.

ويروي ألبرت، وهو سيراليوني يبلغ من العمر 37 عامًا ويقيم شرقي العاصمة، لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، أنه بات يشعر بأن الاعتداء على المهاجرين لم يعد يستتبع أي مساءلة، مشيرًا إلى أنه عمل يومين في موقع بناء، ثم عاد إلى منزله بلا أجر وبمعدة خاوية. أما كينغسلي (اسم مستعار)، وهو لاجئ كاميروني اعتُقل مرتين ولم يُفرج عنه إلا بعد دفع المال لمحتجزيه، فيلخص هذا التحول بعبارة واحدة: "باتت الغالبية العظمى من الليبيين تمثل تهديدًا في نظري".

ووثقت منظمة "رصد الجرائم في ليبيا" وقائع تجاوزت المضايقات إلى العنف المباشر، من بينها رجم ثلاثة مهاجرين بالحجارة في أحد شوارع طرابلس، وسط شتائم عنصرية، والاعتداء على مهاجرين إثيوبي وإريتري بسبب ارتدائهما الصليب، فضلًا عن مداهمة مسلحين يرتدون ملابس مدنية منزل أسرة سودانية وطردها بعد سرقة متاعها. وتؤكد المنظمة أن هذه الوقائع ليست حوادث معزولة، بل تندرج ضمن حملة واسعة وممنهجة.

وامتد الضغط إلى قطاع السكن، إذ أعلنت بلديتا طرابلس المركز وتاجوراء مهَلًا لإخلاء المهاجرين من العقارات المستأجرة، وألزمت مديرية أمن تاجوراء الملاك بالإبلاغ عن المستأجرين الأجانب، فيما طالت حملات التشهير ليبيين يؤجرون عقارات للمهاجرين أو يشغلونهم. وقبيل الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، وهو الموعد الذي روجت له صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بوصفه "مهلة أخيرة" للأجانب، تلقى ناشط في منظمة "لاجئون في ليبيا" تهديدًا مكتوبًا بخط اليد يستهدف "السود"، وأُرفق التهديد برصاصة.

كيف صُنعت رواية "التوطين"؟

تقوم رواية "التوطين" على اتهام المنظمات الدولية بالسعي إلى إبقاء المهاجرين في ليبيا بصورة دائمة، وتغيير تركيبتها السكانية، غير أن الوقائع المتاحة لا تسند هذه الرواية. فقد أكدت المبعوثة الأممية هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن، أن الأمم المتحدة "ليست معنية بتوطين المهاجرين في ليبيا".

كما أن ليبيا ليست طرفًا في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، ولا تمتلك نظامًا للجوء، فيما يجرّم القانون رقم 24 لسنة 2023 دخول المهاجرين بقصد التوطين، وإيواء من ينوي ذلك أو تشغيله.

ولا تدعم الأرقام بدورها فرضية "الطوفان"، إذ رصدت المنظمة الدولية للهجرة نحو 944 ألف مهاجر في ربيع 2026، بزيادة طفيفة مقارنة بنهاية العام الماضي. في المقابل، تحدث وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية، عماد الطرابلسي، في تصريحات نقلتها بوابة الوسط، عن وجود 3 ملايين مهاجر غير قانوني، أي أكثر من ثلاثة أضعاف تقدير المنظمة الدولية للهجرة.

أما الوقود الذي غذّى هذه الرواية، فجاء من مصادر أخرى، أبرزها تصريحات مختلقة نُسبت إلى رئيسة مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا، ومنشورات ربطت دخول الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التنفيذ في يونيو/ حزيران 2026 بمخطط مزعوم لتثبيت اللاجئين في البلاد.

وكشف تحقيق أجرته منصة "بيم ريبورتس" المستقلة عن شبكة تضم 70 صفحة على فيسبوك، أُنشئت خلال أيام في مايو/ أيار 2026، وتحمل أسماء مدن وأحياء وقبائل ليبية، ويتابعها أكثر من مليوني شخص، وتنشر المحتوى نفسه بفارق دقائق. وقادت بيانات الإعلانات الممولة على صفحتين من هذه الصفحات إلى شركة دعاية في حي سوق الجمعة بطرابلس، دون أن يثبت التحقيق أن الشركة تدير الشبكة.

وترى صحيفة "ليبيا أوبزرفر" أن الهجرة أصبحت "الوعاء الذي وجدت فيه المخاوف الأوسع تعبيرًا"، بدءًا من ضعف الدولة وانفلات الحدود، وصولًا إلى الهواجس المتعلقة بالتهجير الإقليمي. ولذلك، لم يفلح النفي الرسمي المتكرر في تبديد الشكوك، لأن المشكلة باتت تتعلق بالثقة، لا بالمعلومة وحدها.

خصمان على خطاب واحد

في بلد منقسم بين حكومتين، بدا ملف الهجرة استثناءً نادرًا جمع الخصوم على خطاب واحد. فبين الأول والعاشر من يونيو/ حزيران 2026، أصدرت حكومة الوحدة الوطنية ومجلس النواب والحكومة المكلفة منه والقيادة العامة لقوات خليفة حفتر سلسلة من البيانات الرافضة لـ"التوطين"، ما دفع منظمة هيومن رايتس ووتش إلى القول: إن السلطات المتناحرة "اتحدت في تأجيج احتجاجات مناهضة للأجانب".

لكن التوافق في الشعار لا يلغي التنافس على توظيفه. ففي الشرق، أمر صدام حفتر بتنفيذ حملات اعتقال وطرد جماعية، وأصدر رئيس الحكومة المكلفة أسامة حماد قرارًا يحظر دخول السودانيين والإريتريين والإثيوبيين والصوماليين، بينما تتهم منابر إعلامية قريبة من المعسكر الشرقي حكومة عبد الحميد الدبيبة بتحويل المهاجرين إلى ورقة ابتزاز سياسي ومالي، وبممارسة "التوطين الناعم".

وفي الغرب، يجمع الدبيبة بين نفي وجود أي ترتيبات للتوطين ومطالبة المجتمع الدولي بتقديم دعم أكبر لعمليات الترحيل، فيما انضم المفتي الصادق الغرياني، أحد أبرز حلفائه، إلى المطالبين بطرد المفوضية.

ويطرح هذا التزاحم سؤالًا بشأن توظيف الغضب الشعبي لصرف الأنظار عن أزمات معيشية تثقل الشارع، من تضخم يقارب 14 بالمئة إلى إضرابات في قطاعي التعليم والصحة. غير أن مظاهرات "مهلة الأول من أكتوبر" لم تحقق الزخم المتوقع لها، بعدما طغى عليها إضراب واسع للمعلمين ضد حكومة الدبيبة بسبب الرواتب، في مؤشر على أن ملف الهجرة لم يبتلع بعد الغضب المرتبط بالأوضاع المعيشية.

ومع وجود اتفاق سياسي ترعاه الأمم المتحدة ويمهد لإجراء انتخابات خلال عامين، يرجح مراقبون أن تتحول الهجرة إلى قضية تعبئة انتخابية تتنافس فيها الأطراف على تقديم نفسها بوصفها حارسة للسيادة. ويعزز هذا الاحتمال أن الملف يمنح كل طرف رصيدًا مزدوجًا: شعبية في الداخل، وأوراق اعتماد لدى عواصم أوروبية تبحث عن شريك قادر على وقف القوارب.

من البوابات الملحومة إلى المراكز المقتحمة

لم يتوقف التصعيد عند حدود الهتافات. ففي يونيو/ حزيران، أغلق محتجون مقر المفوضية في حي السراج بساتر ترابي، وفي أغسطس/ آب، لحم أعضاء في حراك "لا للتوطين" بواباته الحديدية بعد إخراج موظفيه. ثم اقتحمت مجموعة، في السابع من سبتمبر/ أيلول، مركزًا للخدمات الإنسانية تديره المنظمة الدولية للهجرة في منطقة السياحية، وطردت الموجودين فيه، ما أدى إلى توقفه عن العمل.

ويتضاعف الخطر لأن بعض الأجهزة المفترض أن تمنع العنف متهمة بالضلوع في جانب من الانتهاكات. فقد وثقت منظمات حقوقية مشاركة جهاز الأمن العام والتمركزات الأمنية التابعين لوزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية في حملات الاعتقال، بينما أشار التقرير الأممي الصادر في فبراير/ شباط 2026 إلى شبكات إجرامية ترتبط في كثير من الأحيان بالسلطات، وتتولى جمع المهاجرين واحتجازهم خارج أي إجراءات قانونية.

ويجري ذلك في عاصمة تتوزع مناطق النفوذ فيها بين جماعات مسلحة؛ إذ يسيطر جهاز الردع على شرقها، فيما تنتشر التشكيلات الموالية للحكومة في غربها وجنوبها، وتمسك قوات مصراتة بمناطق التماس بين الطرفين.

وفي مدينة شهدت العام الماضي مواجهات دامية بين هذه القوى، يخشى أن تجد جماعات مسلحة في الاحتقان الراهن فرصة لتوسيع نفوذها تحت لافتة حماية الأحياء. وفي هذا السياق، تساءلت منظمة "لاجئون في ليبيا" عن تركز صفحات التحريض في سوق الجمعة، معقل جهاز الردع، قبيل جلسة المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بالقيادي السابق في الجهاز خالد الهيشري، مؤكدة أن هذا التزامن لا يثبت وجود صلة بين الأمرين.

وعلى صعيد المحاسبة، أحالت وزارة الخارجية بلاغات الاعتداء إلى النائب العام، لكن وزارة الداخلية لم ترد على أسئلة صحفية بشأن الخطوات التي اتخذتها منذ اقتحام المركز. في المقابل، يتهم رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، أحمد حمزة، الوزارة بالتراخي والصمت، محذرًا من أن الأمور قد تخرج عن السيطرة.

أوروبا تموّل والمهاجر يدفع الثمن

قال الصحفي الليبي عمر الحاسي، في حديثه لـ"الاستقلال"، إن السلطات الليبية تتحمل المسؤولية الأولى عن حماية المقيمين على أراضيها، مشيرًا إلى أن الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب يحظر الطرد الجماعي، فيما وثقت منظمة العفو الدولية حرمان أشخاص رُحّلوا من الطعن في قرارات ترحيلهم أو طلب اللجوء.

وأضاف أن منظمة "رصد الجرائم في ليبيا" رصدت ترحيل ما لا يقل عن 50 ألف شخص منذ يونيو/ حزيران الماضي، نُقل بعضهم في شاحنات مكتظة عبر الصحراء إلى الحدود مع النيجر، وسط انتهاكات وصفها بأنها تمثل نموذجًا للأعمال الاستغلالية.

ورأى الحاسي أن المسؤولية تمتد إلى الاتحاد الأوروبي وإيطاليا اللذين يواصلان دعم التعاون الأمني مع ليبيا، رغم إعادة آلاف المهاجرين الذين جرى اعتراضهم في البحر إلى دوامة الاحتجاز والترحيل. ورأى أن ذلك يمثل تواطؤًا يستوجب ربط الدعم بضمانات قابلة للتحقق لحماية المهاجرين.

ورأى أن المفارقة تكمن في سياسة أوروبية تسعى إلى إبقاء المهاجرين بعيدًا عن شواطئها، بينما تغذي مخاوف "التوطين" داخل ليبيا، ليجد المهاجرون أنفسهم يدفعون ثمن المخاوف في الجانبين معًا.