تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا.. شراكة دفاعية تختبر طريق الإنتاج المشترك

جمع التوقيع وزارات الدفاع الأربع، بمشاركة المؤسسات المعنية بالإنتاج الدفاعي في أنقرة وإسلام آباد
وضعت تركيا وقطر وإندونيسيا وباكستان إنتاج السلاح في صلب شراكة جديدة، بتوقيع مذكرة "بدر" في الدوحة، الأربعاء 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، في خطوة تستهدف توسيع قدرتها على تأمين احتياجاتها العسكرية الفعلية.
وجمع التوقيع وزارات الدفاع الأربع، بمشاركة المؤسسات المعنية بالإنتاج الدفاعي في أنقرة وإسلام آباد، مانحًا التعاون بُعدًا حكوميًا وصناعيًا متداخلًا. وتمنح المبادرة قطر موقعًا في ترتيب تعاون يتجاوز علاقاتها الثنائية، ويضع تفاهمات الدول المشاركة أمام اختبار التنسيق ضمن إطار واحد.
فقد حمل الإعلان الرسمي أهدافًا اقتصادية إلى جانب غاياته العسكرية، رابطًا تطوير القدرات بمصالح الدول الحليفة والصديقة أيضًا. ومع انتقال الملف إلى المؤسسات المسؤولة عن تنفيذه، تبرز أهمية معرفة ما يستطيع كل طرف تقديمه، وما ينتظر الحصول عليه، لفهم الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه هذه الشراكة خلال السنوات المقبلة.
فما الذي يجمع قدرات الدول الأربع؟ وكيف تستفيد من تجاربها السابقة؟ وأي أثر ستتركه المذكرة في علاقاتها بموردي السلاح؟ ثم ما الشروط التي ستحدد قدرتها على تحقيق مكاسب قابلة للقياس؟

التمويل يلتقي بالتكنولوجيا
وتبدأ أهمية المذكرة من تفاوت الإمكانات التي يجلبها كل طرف إلى الشراكة الرباعية الجديدة؛ فتركيا تمتلك خبرات في هندسة المنظومات وتصميمها ودمج مكوناتها، وتستند إلى قطاع توسعت صادراته خلال السنوات الأخيرة.
ووفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ارتفعت صادرات تركيا من الأسلحة الرئيسة بنسبة 122 بالمئة بين فترتي 2016–2020 و2021–2025، لتحتل المرتبة الحادية عشرة عالميًا.
وتجاوزت صادرات قطاع الدفاع والطيران التركي عشرة مليارات دولار خلال عام 2025، بزيادة 48 بالمئة عن العام السابق، وهو مؤشّر مالي منفصل عن ترتيب صادرات الأسلحة الرئيسية في العالم.
وتوفر قطر قدرة استثمارية وطلبًا على التجهيزات، بينما تقدم باكستان وإندونيسيا قاعدة تصنيعية وأيديًا عاملة ماهرة وسوقين محليتين واسعتين. ويرى أردا مولود أوغلو، محلل الصناعات الدفاعية والمدير الإداري لشركة "ميرغن أناليتيكال ستراتيجيز"، أن جمع هذه العناصر يمكن أن يؤسس سلاسل توريد متكاملة، تتوزع عبرها مراحل تطوير المعدات وإنتاجها ودعمها.
اقتصاديًا، يتيح هذا التصور توزيع تكاليف البحث على أكثر من طرف، وإطالة أفق الطلب بما يشجّع الشركات على الاستثمار في خطوط الإنتاج. فالمصنع الذي يخدم عدة جيوش يمتلك فرصة أكبر لتوسيع طلبياته مقارنة بمشروع يقتصر على احتياجات عميل واحد. كما يستطيع البلد المستورد الاحتفاظ بجزء من الإنفاق داخل اقتصاده، عبر الوظائف والعقود التي تحصل عليها الشركات المحلية.
ويشير الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية ألبرت فيدال إلى أن توطين بعض الأعمال في باكستان وإندونيسيا قد يخفض كلفة الشركات التركية، فيما تمنح الموارد القطرية المشروع عمقًا ماليًا.
ومن هنا، لا يتحدد العائد المتوقع بعدد الأسلحة التي ستتبادلها الدول فحسب، بل بمقدار القيمة التي ستضيفها كل صناعة وطنية إلى المنتج النهائي، وقدرتها على الاستفادة من الطلب المشترك في بناء نشاط اقتصادي مستدام.
جذور الشراكة في المصانع
وتستند هذه الحسابات إلى مشروعات قائمة تمنح الشراكة سجلًا عمليًا يمكن البناء عليه. ففي قطر، تجاوز التعاون مع أنقرة اقتناء مسيرات "بيرقدار تي بي 2" والمركبات المدرعة والزوارق الهجومية، إلى تأسيس شركة "برق" بالشراكة بين "برزان القابضة" و"أسيلسان".
وتشمل أنشطة الشركة تجميع وإنتاج ومعايرة محطات الأسلحة المتحكم فيها عن بُعد من طراز "سارب" والأجهزة الكهروضوئية، بما يربط التجهيز العسكري بمهارات فنية داخل البلاد.
وتضمّ شبكة الشراكات القطرية أيضًا شركتي "إس تي إم" و"إم كي إي" التركيتين، بما يوسع قاعدة التواصل الصناعي بين المؤسسات الدفاعية في البلدين.
وفي باكستان، يقدم برنامج كورفيتات "بابور" المنبثق من مشروع "ميلغم" تجربة مختلفة في توزيع العمل؛ إذ يشمل بناء أربع سفن، اثنتين في إسطنبول واثنتين في كراتشي، تحت مسؤولية شركة "أسفات" بوصفها المقاول الرئيس.
وشمل التعاون تحديث البنية الإنتاجية لحوض كراتشي، وإكساب كوادره خبرات في هندسة السفن وتجهيزها، وهو أثر يمتد إلى المنشأة والعاملين فيها بعد انتهاء الطلبية.
أما إندونيسيا، فطوّرت مع تركيا الدبابة المتوسطة "كابلان إم تي"، المعروفة محليًا باسم "هاريمو"، من خلال شركتي "إف إن إس إس" و"بي تي بينداد". وأتاحت ترتيبات المشروع استمرار التصنيع الإندونيسي بعد النماذج والدفعات الأولى المنجزة في الجانب التركي.
وتكشف الأمثلة الثلاثة اختلاف المسارات، بقدرات إلكترونية في الدوحة، وبناء بحري في كراتشي، وتطوير مدرعات في إندونيسيا. وهي تجارب سبقت "بدر"، فلا تُعد إنجازات ناتجة عنها، لكنها توضح أن المشاركين يملكون خبرة في إدارة العلاقات الصناعية الثنائية.
وترى الباحثة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة بورجو أوزجيليك أن جمع الاتفاقيات المتفرقة ضمن إطار أكثر تنظيمًا يساعد على تجنب بدء التفاوض من الصفر في كل مرة، ويهيئ لتنسيق أعمال ظلت موزعة بين مشروعات منفصلة.

تقليص الاعتماد على الموردين
وبحسب موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، تكتسب إعادة تنظيم هذه العلاقات إلحاحًا من البيئة الأمنية المحيطة بها. فالحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، والهجمات الحوثية على السعودية، أعادتا إبراز كلفة تعرض المنشآت الحيوية والمطارات لتهديدات متواصلة، وما تفرضه المواجهات الطويلة من استهلاك للذخائر واحتياجات عاجلة للتعويض.
ويزيد غياب اتفاق سلام ملموس بين واشنطن وطهران صعوبة تقدير مدة الضغط، فتواجه الحكومات احتياجات عاجلة ومتزايدة لا يمكن ربط تلبيتها بانفراج دبلوماسي قريب.
وتربط القراءة التي قدَّمها خبراء بين هذا الضغط والسعي إلى تنويع الشركاء، خصوصًا مع التقارير عن نقص بعض الأسلحة الأمريكية واضطراب الإمدادات.
فعند اندلاع أزمة، تصبح قدرة الدولة على الحصول على قطع الغيار والصيانة والتحديث جزءًا من جاهزيتها، وقد تضيق خياراتها عندما ترتبط تلك الخدمات بقرارات جهة خارجية واحدة.
ويتجاوز الأمر توقيت التسليم إلى القيود المفروضة على استخدام التكنولوجيا وإعادة تصديرها، وهي مسائل تجعل أمن التسليح متصلًا بالعلاقة السياسية مع المورد.
ويتيح امتلاك خبرات محلية أوسع معالجة بعض الأعطال وتوفير الاحتياجات المتكررة، بما يقلص نقاط التعطل التي قد تعوق تشغيل المعدات.
غير أن هذا التوجه لا يحمل في ذاته إعلانًا بالتخلي عن واشنطن، إذ يستبعد مولود أوغلو أن تتخلى قطر عن علاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة، ويرى أن تركيا تسعى إلى استقلال تكنولوجي داخل حلف شمال الأطلسي.
وتستمر، وفق هذا التصور، العلاقات القائمة مع إضافة بدائل تمنح الحكومات مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات.
فالرهان الأمني يتمثل في تقليل أثر انقطاع قناة واحدة، وتوسيع الخيارات المتاحة أمام القوات المسلحة، دون افتراض أن منظوماتها الحالية قابلة للاستبدال سريعًا. وتظل درجة الاعتماد على الخارج مرتبطة بالمكونات التي تستطيع كل دولة إنتاجها، وتلك التي ستبقى بحاجة إلى موردين آخرين.
ويمتد أثر تنويع الخيارات إلى شكل العلاقات بين الدول المشاركة؛ فالمذكرة تصل الخليج بتركيا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، وتتيح لإندونيسيا موقعًا ضمن تعاون صناعي يتداخل مع حسابات أمنية تتجاوز محيطها المباشر.
ويرى بدر موسى السيف، الأستاذ بجامعة الكويت والزميل المشارك في تشاتام هاوس، أن المبادرة تعكس توجهًا خليجيًا متزايدًا نحو الجنوب العالمي والدول الإسلامية.

العقود تحسم قيمة الاتفاق
وتنتقل هذه الإمكانات إلى اختبارها الحاسم عند تحديد المشروعات الأولى وآليات إدارتها، وبحسب معلومات نقلتها وكالة "الأناضول" التركية عن مصادر مطلعة، تتضمن المذكرة مجلسًا تنفيذيًا يحدد المشروعات المشتركة، ومجلسًا إستراتيجيًا يعتمدها ويضع جداولها الزمنية.
وتمنح هذه الترتيبات مسارًا لاتخاذ القرار، فيما يربط رئيس الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون جدوى الشراكة بتبادل المعرفة وتطوير الموارد البشرية والبنية الصناعية للدول المشاركة.
إلا أن الإعلانات المتاحة لم تحدد حتى الآن حزم التمويل أو البرامج الجديدة أو حصص الشركات ومواعيد التسليم، وهي التفاصيل التي سيُقاس بها الانتقال إلى التنفيذ.
ويحتاج ذلك إلى موازنات تغطي مراحل التطوير، وضمان استمرارية التمويل عند تغير الحكومات أو أولويات الإنفاق، خصوصًا في البرامج التي تستغرق سنوات للوصول إلى السوق.
وأول الأسئلة العملية يتعلق بملكية التصميمات وحدود التصرف فيها. هل يحصل الشريك على حق التجميع فقط، أم يمتلك القدرة على تعديل المنتج وتطوير أجيال لاحقة منه؟
ويأتي بعد ذلك توزيع مواقع التصنيع والمسؤوليات، وآليات معالجة الخلافات وتأخر الإنجاز، بما يحفظ حقوق الأطراف ويمنع توقف برنامج كامل عند تعثر أحد المتعاقدين.
كذلك يحتاج تسويق أي منتج مشترك إلى توافق بشأن وجهات البيع، وشروط الترخيص، وتقاسم الإيرادات، والتزامات الدعم للمشترين. وقد تفرض اختلافات المعايير العسكرية ومتطلبات الجيوش أعمالًا إضافية قبل اعتماد نموذج واحد، فتؤثر في الكلفة والمدة اللازمة لطرحه.
ولهذا تكتسب مشاركة المؤسسات المختصة بالإنتاج أهمية تتجاوز الحضور في مراسم التوقيع؛ لأنها معنية بترجمة التفاهمات إلى مواصفات ومسؤوليات قابلة للمحاسبة.
وستظهر المؤشرات الأولى للنجاح في عقود معلنة، ونسب محددة للمشاركة المحلية، ومنتجات تجتاز اختبارات القبول، ثمّ في قدرة الشركاء على الوفاء بالتزاماتهم بعد التسليم. عندها يصبح ممكنًا قياس ما أضافته "بدر" إلى قدراتهم الفعلية.
















