من قطع العلاقات إلى سفارة بالقدس.. لماذا غيّرت كولومبيا موقفها تجاه إسرائيل؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

خلال أقل من ثلاثة أشهر، انتقلت كولومبيا من المشاركة في جهود دولية للضغط على إسرائيل إلى استعادة علاقاتها معها وافتتاح سفارتها في القدس المحتلة، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية المزعومة على الجولان السوري المحتل، والتراجع عن إجراءات اتخذتها خلال عهد الرئيس السابق غوستافو بترو.

جاء التحول مع وصول الرئيس اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا إلى السلطة وسعيه لتعزيز التحالف مع واشنطن وإحياء التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل، في ظل مصالح تتصل بالتسليح والفحم والتكنولوجيا، وتقارب سياسي وأيديولوجي يمنح الاحتلال مكاسب دبلوماسية جديدة.

كيف انقلبت السياسة؟

تعود العلاقات الدبلوماسية بين كولومبيا وإسرائيل إلى عام 1957، وقد تطورت خلال العقود اللاحقة إلى شراكة واسعة في التسليح والتدريب العسكري والاستخبارات والتجارة.

وخصوصًا خلال حكم الرئيس الكولومبي الأسبق ألفارو أوريبي بين عامي 2002 و2010، حين توسع اعتماد بوغوتا على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية في مواجهة الجماعات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات.

لكن العدوان على غزة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أدخل العلاقات في أزمة متصاعدة، بدأت في تعليق إسرائيل صادراتها الدفاعية والتعاون الأمني مع كولومبيا، عقب انتقادات وجهها الرئيس وقتها غوستافو بترو لحكومة الاحتلال، قبل أن يستدعي سفيرة بلاده لدى تل أبيب للتشاور نهاية الشهر نفسه.

وفي 29 فبراير/شباط 2024، أعلن بترو وقف مشتريات الأسلحة الجديدة من إسرائيل، عقب استشهاد فلسطينيين كانوا ينتظرون المساعدات الإنسانية في غزة.

ثم قدمت كولومبيا في 5 أبريل/نيسان إعلان تدخل في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وتتهم فيها تل أبيب بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

وجاءت القطيعة الرسمية في الأول من مايو/أيار 2024، عندما أعلن بترو خلال تجمع في العاصمة بوغوتا قطع العلاقات الدبلوماسية بدءا من اليوم التالي، متهمًا حكومة بنيامين نتنياهو بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ومؤكدًا أن الدفاع عن الفلسطينيين يمثل دفاعًا عن الإنسانية.

وامتدت الإجراءات إلى الاقتصاد، إذ أعلن بترو في 8 يونيو/حزيران 2024 وقف صادرات الفحم إلى إسرائيل، وأصدرت حكومته مرسومًا في 14 أغسطس لتنظيم الحظر مع استثناءات للعقود السابقة، قبل أن تلغيها بمرسوم جديد في 28 أغسطس 2025.

وفي الأول من أكتوبر 2025، أعلن إنهاء اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين، وأمر بمغادرة ما تبقى من الدبلوماسيين الإسرائيليين، عقب اعتراض قوات الاحتلال "أسطول الصمود العالمي" الذي كان متجهًا إلى غزة واحتجاز مواطنات كولومبيات مشاركات فيه.

لكن الانتخابات الرئاسية في 2026 حملت تحولًا كبيرًا، بعدما فاز المحامي ورجل الأعمال أبيلاردو دي لا إسبرييّا على مرشح اليسار إيفان سيبيدا في الجولة الثانية يوم 21 يونيو.

وجاء الفوز بعد حملة تعهد خلالها بتشديد الإجراءات الأمنية في مواجهة الجماعات المسلحة، وتوسيع قدرات الجيش والشرطة، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد وتنشيط قطاعات الأعمال والطاقة.

وجعل دي لا إسبرييّا استعادة العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن أولويات برنامجه، وعدّهما مصدرين للتكنولوجيا العسكرية الحديثة، خصوصًا الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي وأنظمة الاستخبارات.

وبدأت التفاهمات مع إسرائيل قبل تنصيبه، إذ عقد وزير الخارجية الكولومبي المعين عمر بولا إسكوبار اجتماعًا مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في واشنطن يوم 15 يوليو/تموز 2026.

واتفق الطرفان خلال الاجتماع على استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتبادل السفراء، وإعادة الإعفاء المتبادل من التأشيرات، ونقل السفارة الكولومبية إلى القدس، واستئناف صادرات الفحم، والانسحاب من الإجراءات الدولية التي شاركت فيها بوغوتا ضد الاحتلال.

وفي 6 أغسطس، قبل يوم واحد من التنصيب، زار ساعر مدينة بارانكيا شمالي كولومبيا، وعقد اجتماعًا استمر قرابة ثلاث ساعات مع دي لا إسبرييّا، تناول التعاون الدبلوماسي والأمني والاقتصادي، بعد لقاء سابق جمعهما في بوينس آيرس بالأرجنتين خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

في اليوم التالي، تولى دي لا إسبرييّا الرئاسة بحضور ساعر، فيما أعلنت الخارجية الأميركية عزم واشنطن تخصيص مساعدات أمنية للحكومة الكولومبية الجديدة بقيمة مليار دولار، بالتنسيق مع الكونغرس، لدعم التعاون في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة وتطوير القدرات العسكرية والأمنية.

وكان ترامب قد أعلن تأييده لدي لا إسبرييّا خلال حملته الانتخابية؛ فيما أجرت الحكومة الكولومبية خلال سبتمبر/أيلول 2026 محادثات إضافية مع واشنطن بشأن الحصول على طائرات ومسيّرات ورادارات ومعدات لمكافحة غسل الأموال، إلى جانب التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

ورأت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في 25 يونيو 2026 أن تدخل ترامب بانتخابات أميركا اللاتينية يعكس توجهًا يقوم على دعم القيادات المتقاربة معه سياسيًا ومكافأة الولاء الشخصي، محذرة من أن اعتماد واشنطن على علاقات شخصية مع الرؤساء قد يجعل نفوذها عرضة للتقلب مع تغير الحكومات.

على المستوى الأيديولوجي، كشف تحقيق نشرته منصة "لا سيّا باسيا" الكولومبية في 9 سبتمبر 2026 عن تنامي نفوذ قيادات دينية محافظة داخل الحكومة الجديدة، ودور المؤسسات الكاثوليكية والإنجيلية في دعم الرئيس خلال حملته الانتخابية.

كما نقلت صحيفة "إل باييس" الإسبانية، في 11 أكتوبر 2026، عن ماركوس بيكيل، المدير التنفيذي للاتحاد اليهودي في كولومبيا، أن الرئيس ينظر إلى إسرائيل بوصفها شريكًا في القيم والعقيدة والمصالح الأمنية والسياسية، ووثقت الصحيفة مشاركة مسؤولين حكوميين وقيادات إنجيلية في مناسبات نظمتها الجالية اليهودية في بوغوتا.

وفي تحليل نشرته "لا سيّا باسيا" يوم 15 أكتوبر، رأى أندريس مولانو، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة روساريو الكولومبية، أن حكومة دي لا إسبرييّا قدمت تنازلات دبلوماسية تتجاوز متطلبات استئناف التعاون مع إسرائيل.

وهو تقدير شاركه فيه أوسكار بالما، أستاذ الأمن الدولي في الجامعة نفسها الذي أشار إلى احتفاظ إسرائيل بعلاقات وثيقة مع دول تبقي سفاراتها في تل أبيب ولا تعترف بسيادتها على الجولان السوري المحتل.

ورأى مولانو أن التقارب مع إسرائيل يتيح للرئيس الكولومبي إظهار التمايز عن سياسة بترو، فيما ربط تحليل المنصة القرارات الجديدة بالتوجهات الدينية والسياسية والأمنية لدي لا إسبرييّا وعلاقته بإدارة ترامب.

المصالح خلف التقارب

اعتمدت القوات المسلحة الكولومبية لعقود على منظومات تسليح إسرائيلية تشمل المقاتلات والصواريخ والذخائر الموجهة والبنادق الهجومية وأنظمة الاتصالات والاستخبارات والأمن السيبراني، ما جعل العلاقات العسكرية إحدى أبرز المصالح التي تربط الجانبين.

وبدأت كولومبيا شراء مقاتلات "كفير" الإسرائيلية منذ أواخر الثمانينيات وامتلكت أسطولًا بلغ 22 مقاتلة من هذا الطراز، استُخدم في العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة، بينما ارتبط استمرار تشغيله بخدمات الصيانة والتحديث التي توفرها شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية.

وامتدت العلاقة إلى شركة "رافائيل" الإسرائيلية المتخصصة في الصواريخ وأنظمة التسليح التي طورت صواريخ "ديربي" المستخدمة في تسليح مقاتلات كفير، وشركة "إلبيت سيستمز" العاملة في الإلكترونيات الدفاعية والطائرات المسيّرة وأنظمة القيادة والسيطرة.

وهذا فضلًا عن الإنتاج المحلي لبنادق "غليل" الإسرائيلية لدى شركة الصناعات العسكرية الكولومبية الحكومية "إندوميل"، بموجب ترتيبات للتصنيع المرخص ونقل التكنولوجيا.

وبسبب هذه الارتباطات، أبقت حكومة بترو على بعض العقود العسكرية القائمة رغم قرار وقف مشتريات الأسلحة الجديدة، بما فيها صيانة المقاتلات والأنظمة الصاروخية؛ إذ أكد وزير الدفاع الكولومبي آنذاك إيفان فيلاسكيز ضرورة الحفاظ على جاهزية هذه المعدات حتى توفير البدائل المناسبة.

وفي محاولة لتحديث أسطولها الجوي وتقليص الاعتماد على المقاتلات الإسرائيلية، وقعت حكومة بترو في 14 نوفمبر 2025 عقدًا مع شركة "ساب" السويدية للصناعات الدفاعية لشراء 17 مقاتلة من طراز "غريبن" بقيمة 3.1 مليارات يورو.

شمل العقد 17 مقاتلة ومعدات وأسلحة وتدريب وخدمات فنية، على أن تُسلّم خلال الفترة بين عامي 2026 و2032، كما تضمن برامج للتعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا في مجالات الطيران والأمن السيبراني والطاقة المستدامة وتنقية المياه والصحة.

لكن الإدارة الجديدة بدأت مراجعة شروط العقد؛ إذ أكد قائد القوات الجوية الكولومبية، الجنرال خوان خايمي مارتينيز أوسا، مطلع أكتوبر 2026، إجراء محادثات مع الشركة السويدية لتقييم الجوانب المالية والتعاقدية والمنافع الصناعية المصاحبة للصفقة، مع استمرار التعاقد على المقاتلات.

وفي خطاب أمام مجلس الشيوخ يوم 16 سبتمبر 2026، حدد وزير خارجية كولومبيا دوافع التقارب الأمني مع إسرائيل، متحدثًا عن الحاجة إلى تعزيز الاستخبارات والأمن السيبراني وتفكيك شبكات تهريب الأسلحة وغسل الأموال وتمويل الجماعات المسلحة.

وفي 2 أكتوبر، أوضحت وزارة الخارجية الكولومبية عند تنصيب تانيا غيلينسكي باكال سفيرة لدى إسرائيل أن مهامها تشمل تعميق التعاون في الاستخبارات الإستراتيجية ومكافحة الجريمة العابرة للحدود والأمن السيبراني وتبادل المعلومات، إلى جانب القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية.

وتنتمي تانيا إلى إحدى أبرز العائلات الاقتصادية في كولومبيا، وهي شقيقة رجل الأعمال خايمي غيلينسكي، كما سبق لوالدها وأحد أفراد عائلتها تولي منصب السفير لدى إسرائيل.

ويعيد التعاون الاستخباراتي إلى الواجهة قضية برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” الذي طورته شركة "إن إس أو غروب" الإسرائيلية المتخصصة في تقنيات المراقبة؛ إذ طالب بترو في سبتمبر 2024 بالتحقيق في شراء أجهزة استخبارات كولومبية البرنامج مقابل نحو 11 مليون دولار خلال عهد الرئيس الأسبق إيفان دوكي، وسط تساؤلات عن مصادر التمويل واحتمال استخدامه في مراقبة شخصيات سياسية ومعارضين.

وإلى جانب السلاح، يمثل الفحم أحد أبرز المصالح الاقتصادية المتبادلة؛ إذ كانت كولومبيا المورد الرئيسي لهذه المادة إلى إسرائيل قبل الحظر، بعدما صدرت إليها في عام 2023 نحو 3.04 ملايين طن بقيمة 446.9 مليون دولار، وفق بيانات التجارة الدولية المنشورة عبر قاعدة البنك الدولي.

وشكلت السوق الإسرائيلية نحو 5.4 بالمئة من إجمالي صادرات الفحم الكولومبية من حيث الكميات خلال ذلك العام، بينما مثّل الفحم الكولومبي أكثر من نصف واردات إسرائيل من هذه المادة، وفق بعض التقديرات، ما جعله مصدرًا مهمًا لإمدادات محطات الكهرباء الإسرائيلية.

أدت الاستثناءات التي تضمنها الحظر الأول في أغسطس 2024 إلى استمرار بعض الشحنات بموجب عقود سابقة؛ إذ أظهرت بيانات نشرتها “إل باييس” في يوليو 2025 وصول نحو 1.24 مليون طن إلى إسرائيل بين سبتمبر 2024 وأبريل 2025، بقيمة 100 مليون دولار، قبل أن يشدد بترو الحظر في 2025.

وأسهمت القيود في تغيير مصادر الإمداد الإسرائيلية؛ إذ أظهرت بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع الشحنات وحركة تجارة السلع ارتفاع صادرات الفحم الجنوب إفريقية إلى إسرائيل بنسبة 87 بالمئة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في نوفمبر 2025، لتبلغ نحو 474 ألف طن.

ومع وصول دي لا إسبرييّا إلى السلطة، أعلنت حكومته خلال أغسطس 2026 إعادة السماح بتصدير الفحم، قبل أن تصدر في 9 أكتوبر مرسومًا ألغى الحظر السابق وأعاد صادرات الفحم الحراري إلى النظام التجاري العام.

واستند المرسوم إلى التطورات السياسية المتعلقة بوقف إطلاق النار في غزة والتزامات كولومبيا التجارية الدولية، فيما أوردت الحكومة انخفاض صادرات الفحم إلى إسرائيل من نحو 225.2 مليون دولار عام 2024 إلى 84.9 مليون دولار في 2025، وتوقف الصادرات المسجلة خلال 2026 حتى إعداد المرسوم.

وقدرت رابطة التعدين الكولومبية أن القيود أضرت بالإيرادات الضريبية والعوائد المحلية وفرص العمل في المناطق المنتجة، فيما تواجه الشركات صعوبة في استعادة السوق الإسرائيلية بعدما اتجه المشترون إلى موردين آخرين، بالتزامن مع خطط إسرائيل لتقليص الاعتماد على الفحم في توليد الكهرباء.

امتد التقارب إلى اتفاقية التجارة الحرة التي دخلت حيز التنفيذ في أغسطس 2020، وأتاحت إعفاءات جمركية فورية شملت 99 بالمئة من الصادرات الصناعية من كولومبيا و97 بالمئة من المنتجات الزراعية والزراعية الصناعية، مع تخفيض تدريجي للرسوم على بقية السلع.

وفي عام 2024، بلغت الصادرات السلعية الكولومبية إلى إسرائيل نحو 279 مليون دولار، مقابل واردات من تل أبيب بقيمة تقارب 113 مليون دولار، بإجمالي تجارة ثنائية بلغ نحو 392 مليون دولار، وفق مرصد التعقيد الاقتصادي، وهو منصة دولية لتحليل البيانات التجارية.

وبلغت الصادرات الكولومبية غير التعدينية وغير المرتبطة بالطاقة إلى السوق الإسرائيلية 55.7 مليون دولار في عام 2025، بحسب مؤسسة "بروكولومبيا" الحكومية المعنية بترويج الصادرات والاستثمار والسياحة.

وفي 13 أكتوبر 2026، أكمل الجانبان تبادل مذكرات دبلوماسية أعادت اتفاقية التجارة الحرة رسميًا، وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن حكومته نجحت خلال شهرين في التراجع عن معظم نتائج سياسة بترو تجاه إسرائيل، وإعادة فتح مجالات التعاون الاقتصادي.

شمل التقارب القطاع الزراعي، إذ زار وزير الزراعة الكولومبي إنداليسيو دانغوند إسرائيل بين 7 و9 أكتوبر 2026، والتقى نظيره الإسرائيلي آفي ديختر ومسؤولين في وكالة التعاون الدولي التابعة للخارجية الإسرائيلية “ماشاف” وممثلين عن شركات متخصصة في تقنيات الري والمياه والإنتاج الزراعي.

وأعلنت وزارة الزراعة الكولومبية في 9 أكتوبر التوصل إلى تفاهمات لتدريب 25 مهندسًا زراعيًا كولومبيًا بإسرائيل في يناير/كانون الثاني 2027، وتطوير الزراعة داخل البيوت المحمية وتقنيات إعادة استخدام المياه للري، خصوصًا في إقليم لا غواخيرا شمالي كولومبيا الذي يعاني تحديات مائية ومناخية.

وشملت الاجتماعات شركات إسرائيلية، منها "إل آر غروب" العاملة في تطوير المشاريع والاستثمارات، و"ميتزر غروب" المتخصصة في أنظمة الري، و"بيرماد" المصنعة لأنظمة التحكم في المياه، في إطار مساعي الحكومة الكولومبية لتوسيع التعاون التكنولوجي والزراعي مع تل أبيب.

إلى أين يصل التحول؟

افتتحت كولومبيا سفارتها في القدس يوم 14 أكتوبر 2026، لتصبح الدولة العاشرة التي تقيم سفارة لديها في المدينة، في خطوة أعادت بوغوتا عن قرار دبلوماسي اتخذته قبل نحو 46 عامًا.

فقد سبق لكولومبيا أن امتلكت بعثة دبلوماسية في القدس حتى عام 1980، قبل أن تنقلها إلى تل أبيب امتثالًا لقرار من مجلس الأمن في ذلك العام رفض الإجراءات الإسرائيلية لتغيير وضع المدينة ودعا الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية منها.

وجرت مراسم الافتتاح بحضور وزيري الخارجية الكولومبي والإسرائيلي؛ حيث وصف إسكوبار الخطوة بأنها تعبير عن الثقة المتبادلة وإرادة تطوير التعاون، فيما اعتبر ساعر انتقال السفارة مكسبًا دبلوماسيًا يعزز الاعتراف بالقدس عاصمة مزعومة لإسرائيل.

وتواصلت الزيارة الكولومبية حتى 16 أكتوبر، بلقاء جمع إسكوبار بالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، تناول التعاون في الدفاع والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا.

وكانت الحكومة الكولومبية قد أعلنت في 10 أغسطس 2026 الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية المزعومة على مرتفعات الجولان السوري المحتل، مبررة القرار بالأهمية الإستراتيجية للمنطقة بالنسبة لأمن إسرائيل وقدرتها على “حماية مواطنيها”.

وأكدت الخارجية الكولومبية أن القرار ينفذ التزامًا جرى الاتفاق عليه بين الجانبين في 8 أغسطس، أي بعد يوم واحد من تولي دي لا إسبرييّا الرئاسة، لتصبح كولومبيا ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، بعدما اتخذ ترامب قرارًا مماثلًا خلال ولايته الرئاسية الأولى عام 2019.

ويتعارض الاعتراف الكولومبي مع قرار مجلس الأمن رقم 497، الصادر بالإجماع في 17 ديسمبر/كانون الأول 1981 الذي اعتبر قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطلًا ولاغيًا ومنعدم الأثر القانوني الدولي.

وفي خطاب أمام اللجنة الثانية بمجلس الشيوخ الكولومبي يوم 16 سبتمبر 2026، دافع وزير الخارجية إسكوبار عن الاعتراف بالجولان، وربطه بما وصفه بالتهديدات الأمنية المرتبطة بإيران وحزب الله وشبكات تهريب المخدرات والأسلحة وغسل الأموال في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.

وأشار إلى أن حكومته أعادت تقييم الظروف الإستراتيجية المحيطة بالجولان، مع إقراره بوجود قرار من مجلس الأمن وتأكيده أهمية المفاوضات بين سوريا وإسرائيل.

وردت دمشق بإدانة القرار، قبل أن توجه في 12 أغسطس 2026 احتجاجًا رسميًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، أكدت فيه رفض الاعتراف الكولومبي وتمسكها بالسيادة السورية على الجولان.

وامتد التحول إلى المسار القضائي الدولي؛ إذ أبلغت الحكومة الكولومبية محكمة العدل الدولية في 18 سبتمبر 2026 بسحب إعلان تدخلها في قضية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، موضحة أن القرار يندرج ضمن الصلاحيات الدستورية للرئيس في إدارة العلاقات الخارجية.

وفي 14 أكتوبر، أعلن إسكوبار خلال زيارته إلى إسرائيل أن بلاده طلبت الانسحاب من "مجموعة لاهاي"، وهي تحالف دولي تأسس مطلع 2025 لتنسيق إجراءات مرتبطة بانتهاكات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، وأكد الانسحاب في اليوم التالي، معلنا رفضه النهج الذي تتبناه المجموعة تجاه تل أبيب.

وفي مجلس الأمن الدولي الذي تشغل كولومبيا عضويته غير الدائمة خلال عامي 2026 و2027، شدد ممثلها خلال جلسة يوم 28 سبتمبر 2026 بشأن الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية على حق إسرائيل في حماية أمنها ومواطنيها، وأدان حركة المقاومة الإسلامية حماس وحزب الله.

وتحتفظ كولومبيا باعترافها الرسمي بدولة فلسطين الذي أقرته في أغسطس 2018 خلال الأيام الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق خوان مانويل سانتوس، فيما أوقفت الحكومة الجديدة مشروعًا طرحه بترو لفتح بعثة دبلوماسية كولومبية لدى فلسطين.

وأثار التحول الكولومبي اعتراضات عربية وإسلامية؛ إذ أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية افتتاح السفارة في القدس، وعدته انتهاكًا للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

وصدر في 16 أكتوبر بيان مشترك لوزراء خارجية دول عربية وإسلامية رفض الخطوة وطالب بوغوتا بالتراجع عنها، مؤكدًا تعارضها مع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بوضع المدينة.

وامتد الاعتراض إلى الداخل الكولومبي؛ إذ خرج مئات المتظاهرين في بوغوتا يوم 7 أكتوبر 2026، في تحرك نظمه ائتلاف "أكتوبر من أجل فلسطين"، احتجاجًا على العدوان على غزة واستعادة الحكومة علاقاتها مع الاحتلال.

وفي 14 أكتوبر، بالتزامن مع افتتاح السفارة، شهدت بوغوتا ومدن كولومبية أخرى احتجاجات أوسع ضد حكومة دي لا إسبرييّا، شارك فيها أنصار الرئيس السابق بترو والمرشح اليساري إيفان سيبيدا، إلى جانب نقابات عمالية وطلبة ومنظمات اجتماعية وسكان أصليين.

وتركزت مطالب الاحتجاجات على السياسات الاقتصادية والأمنية والحقوق الاجتماعية، فيما كان التقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل أحد الملفات التي أثارت اعتراض المشاركين.

وتندرج استعادة العلاقات مع كولومبيا ضمن توجه أعلنت عنه وزارة الخارجية الإسرائيلية لجعل أميركا اللاتينية إحدى أولويات عملها الدبلوماسي خلال 2026، في ظل وصول حكومات يمينية تسعى لتوسيع تعاونها السياسي والأمني مع واشنطن وتل أبيب.

وعبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن أهمية هذا التحول خلال استقبال أقيم بمناسبة افتتاح السفارة الكولومبية يوم 14 أكتوبر، حين قال إن "شيئًا استثنائيًا يحدث في أميركا اللاتينية"، مقدرا أن المنطقة تشهد عودة إلى توثيق العلاقات مع إسرائيل.