تصعيد "المجلس الانتقالي" ضد السعودية.. انفصال الجنوب أم ورقة ضغط؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

دخلت العلاقة بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد السياسي، بعدما وجّهت قيادات في المجلس المدعوم من الإمارات اتهامات مباشرة إلى الرياض بإضعاف جبهة مواجهة الحوثيين، بالتزامن مع تجديد المطالبة باستقلال الجنوب ورفض المشاركة في العملية العسكرية الحكومية لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

ويثير هذا التصعيد تساؤلات بشأن ما إذا كان يمثل تحولًا إستراتيجيًا في موقف الانتقالي، أم ورقة ضغط لانتزاع اعتراف سعودي بمشروع الانفصال، وسط تباين مواقف قياداته، وانقسامات داخلية، وتعقيدات إقليمية تضع مستقبل الجنوب أمام احتمالات تتجاوز قدرة المجلس على حسمها منفردًا.

تصعيد محسوب

وفي أحدث مواقفه، رأى عمرو البيض، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي وممثل رئيسه للشؤون الخارجية، أن الشراكة مع التحالف العربي بقيادة السعودية أصبحت مضرة، متهمًا الرياض بارتكاب "خطأ إستراتيجي" باستهداف القوات الجنوبية وإخراج الإمارات من اليمن.

وقال البيض، خلال مقابلة تلفزيونية في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2026: إن المجلس انضم إلى التحالف بهدف مواجهة الحوثيين، لكنه فوجئ بتراجع الاهتمام بالتقدم نحو صنعاء والانشغال بمنافسة القوى الجنوبية. وأشار إلى أن الغارات السعودية التي استهدفت قوات الانتقالي في حضرموت خلال يناير/ كانون الثاني الماضي أضعفت الثقة بين الجانبين وعمّقت الخلافات القائمة.

وربط المسؤول في الانتقالي استعادة العلاقات مع السعودية باعتراف الرياض بخارطة الطريق التي أعلنها رئيس المجلس عيدروس الزبيدي مطلع عام 2026، وتتضمن مرحلة انتقالية مدتها سنتان، وحوارًا بين القوى الجنوبية والشمالية، ينتهي باستفتاء لتقرير مصير الجنوب، بما يجعل الاعتراف بالمشروع الانفصالي شرطًا للتفاهم.

ويأتي هذا الموقف بعد ثلاثة أيام من زيارة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى أبوظبي ولقائه الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، وسط خلافات بشأن الملف اليمني تفاقمت عقب تقدم قوات الانتقالي في حضرموت والمهرة، قبل أن تستعيد قوات مدعومة من السعودية مناطق جنوبية وشرقية مطلع العام.

وكان الزبيدي قد دعا، في كلمة مصورة بتاريخ 18 أكتوبر/ تشرين الأول، السعودية إلى الاعتراف بالإعلان الدستوري والبيان السياسي الصادرين في 2 يناير/ كانون الثاني، والمتضمنين مسارًا لاستعادة دولة الجنوب. لكنه أعلن، في المقابل، التعبئة ضد الحوثيين وأدان هجماتهم على المملكة، في موقف يختلف عن حدة تصريحات البيض.

وفي 19 أكتوبر/ تشرين الأول، دعا الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، عبر منصة "إكس"، إلى اعتراف خليجي جماعي بدولة الجنوب باعتبارها حليفًا استراتيجيًا، ووقف دعم حكومة الشمال، وعدم التعامل مع الحوثيين حربًا أو سلمًا حتى إشعار آخر، بما يعكس استمرار حضور المشروع الجنوبي في النقاشات المرتبطة بالمواقف الإقليمية.

وفي هذا السياق، وصف الكاتب والمحلل السياسي اليمني ياسين التميمي، في تصريح لـ"الاستقلال" لم يرد تاريخه في المادة، تصريحات البيض بأنها "ابتزاز بالوكالة"، مقدرا أن قيادات الانتقالي الموجودة في أبوظبي تحاول استغلال الظروف التي تواجهها السعودية نتيجة الهجمات الحوثية لتحقيق مكاسب سياسية.

واستبعد التميمي أن يعكس التصعيد موقفًا موحدًا داخل المجلس، مستشهدًا برسائل الزبيدي المتضامنة مع السعودية. ورأى أن بعض القيادات تحمّل الرياض مسؤولية فشل محاولة فرض الانفصال بالقوة، وتسعى إلى توظيف الظروف الراهنة للضغط عليها وإعادة ترتيب العلاقة معها بما يخدم مصالحها السياسية.

تقاطع المصالح

وعلى الصعيد العسكري، أثار رفض الانتقالي المشاركة في عملية "فجر اليمن"، التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي مطلع أكتوبر/ تشرين الأول، تساؤلات بشأن تماسك الجبهة المناهضة للحوثيين، ومدى قدرة الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية على توحيد القوى العسكرية والسياسية حول هدف استعادة المناطق الشمالية.

ووصف عمرو البيض العملية بأنها "انتحار سياسي"، زاعمًا أن قرار إطلاقها اتُّخذ في الرياض من دون إستراتيجية واضحة أو قيادة عسكرية موحدة. وأكد أن المجلس لن يشارك في معارك شمال اليمن؛ لأن أولوياته تتركز على حماية المناطق الجنوبية، ولا سيما الصبيحة ولحج وباب المندب.

ويبرز التناقض بين موقف البيض ودعوة الزبيدي، في 18 أكتوبر/ تشرين الأول، إلى توحيد الجهود لمواجهة الحوثيين؛ إذ قدّم الأخير نفسه شريكًا في المواجهة وأدان الهجمات على السعودية، بينما ربط الأول الانخراط العسكري بأولويات الجنوب، وانتقد مسار التحالف وقراراته العسكرية والسياسية.

وفي قراءة لهذا التباين، رأى الباحث الأول في مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية حسام ردمان، خلال تصريح لموقع "الحرة" الأمريكي في 18 أكتوبر/ تشرين الأول، أن الجديد في خطاب الزبيدي يتمثل في إدانة الهجمات على السعودية والتحدث "بنبرة تصالحية"، فضلًا عن الدعوة إلى تكثيف الجهود لمواجهة الحوثيين.

أما التميمي، فرأى أن تصريحات البيض تعكس "تخادمًا مع الحوثيين"، مقدرا أن التصعيد يستغل الظروف الاستثنائية التي تمر بها السعودية واليمن في ظل المواجهة المسلحة مع الجماعة، وأن بعض الأطراف تحاول تصفية حساباتها وتحقيق أهدافها عبر القوى المحلية المرتبطة بها.

وأشار المحلل اليمني إلى أن إيران عملت خلال السنوات الماضية على تعزيز تعاونها العسكري مع الحوثيين، من خلال إرسال الصواريخ والخبراء العسكريين وبناء قدرات خاصة بالجماعة، بهدف استخدامها في مواجهة السعودية، في وقت تتداخل فيه الأجندات الإقليمية وتتزايد محاولات استغلال الاضطرابات القائمة.

ويفتح رفض الانتقالي المشاركة في العملية العسكرية الباب أمام احتمال تقاطع غير مباشر بين مصالحه ومصالح الحوثيين، رغم اختلاف أهدافهما؛ إذ إن امتناعه عن خوض المعارك في الشمال يضعف فرص تشكيل جبهة موحدة، فيما يتمسك المجلس بتركيز جهوده على مشروع إقامة دولة جنوبية.

وتعكس التوترات الأمنية السابقة تعقيدات المشهد العسكري، بعدما شهدت الضالع، في 11 سبتمبر/ أيلول، اشتباكات إثر محاصرة مسلحين من المجلس الانتقالي، قالت مصادر عسكرية: إنهم يتبعون له، موكب وزير الدفاع طاهر العقيلي، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

استقلال مشروط

وتتجاوز أزمة الانتقالي مع السعودية الخلاف بشأن العمليات العسكرية إلى مستقبل مشروع الانفصال نفسه، خصوصًا بعدما أعلن الزبيدي في يناير/ كانون الثاني مسارًا سياسيًا لاستعادة دولة الجنوب، بالتزامن مع تحركات عسكرية في حضرموت والمهرة، قبل أن تواجه تلك التحركات ردًا من القوات الحكومية المدعومة من السعودية.

وأعقب ذلك إعلان مجلس القيادة الرئاسي اليمني إسقاط عضوية الزبيدي واتهامه بـ"الخيانة العظمى والمساس باستقلال الجمهورية"، فيما طلبت الحكومة اليمنية من الإمارات سحب قواتها، وهو ما أيدته السعودية. وانسحبت القوات الإماراتية في 2 يناير/ كانون الثاني، وغادر الزبيدي اليمن متوجهًا إلى أبوظبي.

وفي 9 يناير/ كانون الثاني، أعلن الأمين العام للمجلس الانتقالي عبد الرحمن جلال الصبيحي، من الرياض، حل المجلس، غير أن قيادات موالية للزبيدي رفضت القرار، واعتبرته إجراءً أحاديًا اتخذته السعودية، ما كشف عن خلافات بشأن شرعية القرارات والجهة المخولة تحديد مستقبل التنظيم السياسي.

وعاد ملف قيادات المجلس الموجودة في الرياض إلى الواجهة، بعدما قال البيض: إن أعضاء وفد المجلس توجهوا للمشاركة في الحوار، لكنهم أصبحوا "غير مخيرين"، معربًا عن أمله في عودتهم بسلام، في تصريحات أثارت جدلًا إضافيًا بشأن طبيعة العلاقة بين المملكة وقيادات الانتقالي.

لكن التميمي عدّ حديث البيض عن احتجاز ممثلي المجلس "غير دقيق"، مستدلًا بوجود عبد الرحمن المحرمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي ونائب رئيس الانتقالي المنحل، في عدن وسط قواته، ومؤكدًا أن المجلس يشهد انقسامات وتحولات داخلية وإعادة تموضع لعدد من قياداته.

وأوضح أن السعودية تتبنى مقاربة لا تحصر تمثيل القضية الجنوبية في المجلس الانتقالي، مشيرًا إلى أن السلطة الشرعية أعلنت التزامها بعقد مؤتمر للحوار الجنوبي-الجنوبي برعاية المملكة، مع إبقاء مختلف الخيارات السياسية مطروحة للنقاش، بما فيها الانفصال، من دون منح المجلس حق احتكار القضية.

وبحسب التميمي، فإن ما تخشاه قيادات الانتقالي هو خسارة موقعها بوصفها "أداة إماراتية حصرية"، وفقدان القدرة على توجيه القضية الجنوبية وفق المصالح الإماراتية، وهو ما يفسّر محاولات الضغط السياسي على الرياض رغم الانقسامات الداخلية والتباينات القائمة بين مواقف قيادات المجلس.

وبين الإصرار على الاستقلال واشتراط الاعتراف السعودي بخارطة الطريق، يبقى المشروع الجنوبي مرتبطًا بتوازنات إقليمية معقدة، في ظل اعتماد الانتقالي على الإمارات، ومعارضة الحكومة اليمنية للانفصال، ورفض السعودية احتكار تمثيل الجنوب، ما يثير الشكوك بشأن قدرة المجلس على فرض دولة مستقلة من دون تفاهمات إقليمية.

وتبقى العلاقة بين الرياض والانتقالي مفتوحة على التصعيد أو إعادة التفاهم، وسط تباين خطاب قياداته بين المواجهة والتقارب. وفيما يتمسك المجلس بمشروعه الانفصالي، تظل فرص تحقيقه مرتبطة بقدرته على معالجة الانقسامات الجنوبية وتحديد موقعه من الحكومة اليمنية والسعودية، أكثر من اعتمادها على التصريحات السياسية وحدها.