من القطيعة إلى الإجماع.. ما الذي غيّر موقف شرق ليبيا من الاتفاق البحري مع تركيا؟

استقبلت أنقرة القرار بوصفه تتويجا لمسار دبلوماسي صبور
بعد ستة أعوام من الرفض والقطيعة، أسقط مجلس النواب الليبي في شرق البلاد آخر حاجز داخلي أمام مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا؛ إذ صادق عليها بالإجماع خلال جلسة عقدها في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، ملغيًا قراريه السابقين برفضها وقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.
ولم تكد نتيجة التصويت تُعلن حتى تحولت إلى حدث إقليمي متعدد الأصداء؛ إذ رأت أنقرة فيها انتصارًا لمبدأ الإنصاف ولحقوقها البحرية المشروعة، ورحَّبت بها حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس والمجلس الأعلى للدولة، فيما سارعت القاهرة إلى إعلان بطلانها، وندَّدت بها دولة الاحتلال الإسرائيلي، بينما تحولت في أثينا إلى مادة لمحاسبة الحكومة على ما وصفته المعارضة بفشل سياستها الخارجية.
فما الذي تتضمنه الاتفاقية حتى تثير كل هذا الجدل؟ ولماذا غيّر معسكر الشرق الليبي موقفه بعد سنوات من العداء لأنقرة؟ وهل تنجح تركيا في تحويل هذا المكسب الدبلوماسي إلى حضور فعلي في مياه شرق المتوسط؟ وكيف سيرد المحور المصري اليوناني الذي يرى في خط الترسيم البحري الجديد تهديدًا مباشرًا لخرائطه؟

خط يعيد رسم البحر
تعود جذور الاتفاقية إلى 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، حين وقّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية آنذاك، فايز السراج، في إسطنبول مذكرتي تفاهم؛ تتعلق إحداهما بالتعاون الأمني والعسكري، والأخرى بتحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط.
وجاء التوقيع في ظرف بالغ الحساسية؛ إذ كانت قوات خليفة حفتر تشن هجومًا على العاصمة طرابلس. وسارت المذكرة البحرية بخطى سريعة على الجانب التركي؛ إذ صادق عليها البرلمان في 5 ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، ودخلت حيز التنفيذ خلال الشهر ذاته، قبل أن تُسجَّل لدى شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار في الأمم المتحدة.
وترسم المذكرة حدود الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة بين السواحل الجنوبية لتركيا والسواحل الشرقية لليبيا، وفق إحداثيات جغرافية محددة وملاحق فنية مرفقة. وبذلك، تحدد خطًا بحريًا يصل بين الساحلين، وتثبت في الوقت نفسه الحدود الغربية لمناطق الصلاحية البحرية التركية في شرق المتوسط.
وبموجب هذا الترسيم، يتمتع البلدان بحقوق سيادية في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، بما يشمل النفط والغاز والثروات الموجودة في قاع البحر وما تحته، ضمن المناطق المحددة لكل منهما.
كما تتيح المذكرة ترتيبات مشتركة لاستغلال أي موارد تمتد عبر الحدود البحرية للطرفين، وتنص على آليات للتشاور وتسوية الخلافات بالطرق الدبلوماسية في حال نشوب نزاع بشأن تفسير بنودها أو تطبيقها.
غير أن جوهر الجدل يكمن في الفلسفة القانونية التي يستند إليها الترسيم؛ إذ يقوم على مبدأ الإنصاف، ويراعي أطوال السواحل الرئيسة للبلدين، بدلًا من منح الجزر الصغيرة أو النائية تأثيرًا كاملًا وتلقائيًا في تحديد المناطق البحرية.
وهي مقاربة تعدّها أنقرة تطبيقًا عادلًا لقانون البحار الدولي، يراعي خصوصية الجغرافيا المتوسطية، لكنها تضعها في مواجهة مباشرة مع الرؤية اليونانية، وتجعل كل خطوة نحو تفعيل الاتفاقية حدثًا يتجاوز حدود البلدين.
من القطيعة إلى الإجماع
لم يكن الطريق إلى جلسة أكتوبر/ تشرين الأول ممهدًا؛ ففي عام 2020، كانت سلطات شرق ليبيا، المدعومة من حفتر، في خندق المواجهة مع أنقرة، التي ساندت حكومة الوفاق الوطني في صد الهجوم على طرابلس، وصوّت مجلس النواب حينها ضد المذكرة.
أما اليوم، فيرى المجلس نفسه في الاتفاقية، بحسب نائبين تحدثا لوكالة رويترز، مكسبًا إستراتيجيًا للبلاد على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
ويعود هذا التحول إلى مسار طويل من الانفتاح التركي؛ إذ لم تحصر أنقرة علاقاتها بطرابلس، بل وسّعت خلال السنوات الأخيرة قنوات الاتصال مع بنغازي والأطراف السياسية والعسكرية في شرق ليبيا، واستقبلت المدينة مسؤولين أتراكًا بارزين، بينهم رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن.
ورافق ذلك خطاب تركي يؤكد وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، ويطرح التعاون الأمني والاقتصادي بديلًا عن منطق المحاور. ونجحت أنقرة بذلك في بناء شبكة علاقات لا ترتهن إلى مركز سياسي واحد، وهو ما مهّد عمليًا للحظة المصادقة.
وفي الداخل الليبي، أسهم التغيير في رئاسة البرلمان في تهيئة الظروف لهذا المسار، بعدما حلّت قيادة جديدة محل عقيلة صالح، أحد أبرز المعارضين التاريخيين للاتفاق وصاحب قرار القطيعة مع أنقرة.
كما جاء التصويت، وفق قراءات محللين، عقب تقارب مصري مع حكومة طرابلس أثار هواجس معسكر حفتر، وهو ما تنفيه القاهرة، مؤكدة أن انفتاحها يستهدف حماية وحدة ليبيا وإجراء الانتخابات.
ولا تنفصل الخطوة عن حسابات الطاقة والإعمار؛ إذ يرى الخبير في سياسات الشرق الأوسط محجوب الزويري أنها تمهّد لتقريب طرفي الحكم في ليبيا، وتأمين عوائد الطاقة اللازمة لإعادة الإعمار، قبل حوارات مرتقبة في لندن وليبيا.
وفي السياق ذاته، عدّ المجلس الأعلى للدولة المصادقة خطوة نحو توحيد الموقف الليبي بشأن الحقوق البحرية، في مشهد نادر يلتقي فيه الشرق والغرب الليبيان على ملف سيادي واحد، بعد سنوات من الانقسام.

“الوطن الأزرق”
استقبلت أنقرة القرار بوصفه تتويجًا لمسار دبلوماسي طويل، فقد أكدت وزارة الخارجية التركية أن المذكرة تحمي الحقوق والمصالح المشتركة للبلدين، وتستند إلى القانون الدولي ومبدأ الإنصاف، فيما شدد الوزير هاكان فيدان على تمتعها بمشروعية قانونية وسياسية كاملة، مع إقراره بوجود دوافع لدى بعض الدول للاعتراض عليها.
وفي قراءة الباحث فرحات بولات، المتخصص في الجغرافيا السياسية والأمن في شمال إفريقيا، تزيل المصادقة أحد أهم الأسس التي استندت إليها الانتقادات الموجهة إلى تركيا، وهو غياب موافقة السلطة التشريعية الليبية.
ومن المفارقات أن القاهرة نفسها وجّهت خطابًا إلى مجلس الأمن أواخر عام 2019، وفق ما أوردته وسائل إعلام مصرية آنذاك، قالت فيه إن الاتفاق يتطلب موافقة مجلس النواب، وهو الشرط الذي تحقق اليوم.
وتتجاوز المكاسب التركية الإطار الليبي لتطال معادلة الطاقة في شرق المتوسط؛ فقد شكّلت المذكرة، منذ توقيعها، ردًا على مشاريع صُممت بمعزل عن أنقرة، وفي مقدمتها خط أنابيب "إيست ميد"، الذي رُسم مساره دون مشاركة تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية.
ومع اتساع الغطاء الليبي للاتفاق، ترتفع الكلفة السياسية لأي ترتيبات إقليمية دائمة تتجاهل المصالح التركية. فالمسألة بالنسبة إلى أنقرة لا تقتصر على احتياطات الغاز المحتملة، بل تتعلق بضمان حضورها عند رسم الحدود البحرية وتحديد ترتيبات استغلال موارد الطاقة في المنطقة.
ويذهب الأدميرال المتقاعد جيم غوردينيز، صاحب مفهوم "الوطن الأزرق"، إلى أبعد من ذلك؛ إذ يصف القرار بأنه "أحد أهم الإنجازات الدبلوماسية التي حققتها تركيا في السنوات الأخيرة في نضالها من أجل الوطن الأزرق".
ويعدّ غوردينيز القرار انتكاسة لليونان والتكتل الأوروبي الداعم لها والولايات المتحدة، وضربة للإستراتيجية الأثينية القائمة على استثمار الانقسام الليبي لإحباط المطالب التركية. كما يرى أنه يعزز قانونيًا وسياسيًا حدود الجرف القاري التي أودعتها أنقرة لدى الأمم المتحدة في 18 مارس/ آذار 2020، وأن له دلالات على أي اتفاق مستقبلي لترسيم الحدود البحرية بين تركيا ومصر.

جبهة الرفض
في المقابل، تتمسك القاهرة بموقفها الذي لم يتغير منذ عام 2019، والقائم على أن المذكرة تخالف اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتتعدى على جرفها القاري ومنطقتها الاقتصادية الخالصة.
وتحتج مصر بعدم وجود حدود بحرية مباشرة بين تركيا وليبيا؛ بسبب موقع قبرص واليونان بينهما، مستندة إلى اتفاقيتين أبرمتهما مع البلدين وأودعتهما لدى الأمم المتحدة.
ووفق القراءة الجغرافية للنزاع، يتركز جوهر الخلاف عند نقطة تقاطع معقدة بين المياه الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخالصة لأربعة أطراف هي تركيا ومصر واليونان وليبيا، وسط حوض تتنافس فيه أيضًا إسرائيل ولبنان وسوريا.
وتتركز إحدى أبرز نقاط الخلاف في "مثلث مائي" تعدّه القاهرة جزءًا من مياهها، بينما تراه ليبيا امتدادًا لمنطقتها البحرية التي بنت عليها اتفاقها مع أنقرة. والأكثر أهمية أن خط الترسيم التركي الليبي يقطع عمليًا أي تواصل بحري مباشر بين مصر واليونان.
في المقابل، يشير مؤيدو الاتفاق إلى أنه يمنح مصر مساحات بحرية أوسع، وهو ما يدفع الزويري إلى وصف الرفض المصري بأنه "سياسي بامتياز".
أما اليونان، فترى أن الترسيم يتجاهل الأثر القانوني لجزرها، وفي مقدمتها جزيرة كريت، ويتداخل مع مناطق تطالب بها بموجب اتفاقها المنفصل مع مصر. كذلك أبدى الاتحاد الأوروبي تحفظات بشأن مدى توافق المذكرة مع قانون البحار، وما قد يترتب عليها من مساس بحقوق دول ثالثة.
وجاء الموقف الإسرائيلي بلهجة أكثر حدة؛ إذ قالت وزارة الخارجية في بيان: "مع الأسف، نرى تركيا مجددًا تسعى لزعزعة استقرار منطقة شرق المتوسط".
ويكشف تقرير لصحيفة "معاريف" العبرية جانبًا أساسيًا من دوافع القلق الإسرائيلي، يتمثل في مشروع الربط الكهربائي “غريت سي إنتركونيكتور” الذي يُفترض أن يصل إسرائيل بشبكة الكهرباء الأوروبية عبر قبرص واليونان.
وتقول أنقرة: إن جزءًا من مسار المشروع يمر ضمن نطاق سيادتها البحرية، وتشترط التنسيق المسبق بشأن أي مسوحات ميدانية. ومن شأن الغطاء الليبي الجديد للاتفاق أن يؤخر الأعمال ويرفع تكلفتها ويثبط المستثمرين، وفق المخاوف التي يثيرها هذا التطور.

من الورق إلى البحر
تطرح المصادقة سؤال التنفيذ بإلحاح؛ فالغطاء السياسي وحده لا يكفي لرسم خرائط التنقيب. ويرى بولات أن الاتفاقية تتجاوز الدبلوماسية الرمزية؛ إذ تتيح تعاونًا ملموسًا في استكشاف موارد هيدروكربونية لم تُستغل بعد في قاع البحر، وتأمين طرق التجارة وخطوط النقل البحري.
كما توفر لتركيا إطارًا أكثر قابلية للتنبؤ بأنشطة الطاقة، مستندة إلى بنيتها البحثية وقدراتها البحرية، فضلًا عن شبكة علاقاتها الدبلوماسية الممتدة.
أما ليبيا التي تعاني تشتت قدراتها المؤسسية والأمنية، فتكتسب إطارًا يدعم مطالباتها بثرواتها البحرية، إلى جانب فرص للاستفادة من الدعم التقني والخدمات اللوجستية وبناء القدرات. غير أن تحويل الموارد المحتملة إلى قيمة اقتصادية سيظل مرهونًا بالاستثمار والاستقرار.
ويبقى إطلاق المسوحات الزلزالية وعمليات الحفر رهينًا بالاستعدادات الفنية والتقييمات التجارية والظروف القانونية والإقليمية.
غير أن أصواتًا في تركيا تدعو إلى الانتقال سريعًا إلى الميدان؛ إذ كتب غوردينيز: "يجب أن يُستكمل النجاح الدبلوماسي بوجود فعلي في البحر"، داعيًا إلى التحرك في مواجهة الأنشطة الجارية في المربعين 5 و6، اللذين منحت قبرص تراخيص للتنقيب فيهما، واستئناف المسوحات الزلزالية والحفر في المناطق المتنازع عليها. وتكشف هذه الدعوة حجم الرهان التركي على أن يشكّل التصويت منطلقًا لتوسيع النشاط البحري.
في المقابل، يتوقع الزويري أن تلجأ القاهرة إلى تعزيز تحالفاتها مع اليونان وقبرص وإسرائيل للحد من المكاسب التركية في شرق المتوسط، في ظل ما وصفه بغياب أميركي بدا أقرب إلى تخلٍّ إستراتيجي عن مساندة الموقف المصري، مقدرا أن ما يجرى يمثل نموذجًا لحروب القرن الحادي والعشرين على الممرات البحرية والثروات.
















