المعارضة التونسية تتوحد مع انتقادات دولية لنظام قيس سعيد.. ماذا بعد؟

عالي عبداتي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لا تزال أصوات الناشطين الحقوقيين تتصاعد في مختلف أنحاء العالم للمطالبة بوقف الاعتقالات التعسفية بحق معارضي الرئيس التونسي قيس سعيّد، ووضع حد لما يصفونه باستخدام القضاء أداة للانتقام منهم.

وفي هذا السياق، عبّرت رئيسة رابطة حقوق الإنسان الفرنسية، ناتالي تيهيو، عن تضامنها مع رئيس جبهة الخلاص الوطني التونسية أحمد نجيب الشابي، مثمنة مواقفه في الدفاع عن الحريات في تونس.

ودعت تيهيو، في بيان مقتضب نشرته الرابطة عبر "فيسبوك" في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى الإفراج عن الشابي وجميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، الذين قالت: إنهم "يرفعون أصواتهم ضد نظام الرئيس قيس سعيّد القمعي والمقوِّض للحريات".

ويأتي هذا الموقف بالتزامن مع إطلاق "جمعية ضحايا التعذيب في جنيف" نداء دوليا للمطالبة بالإفراج عن الشابي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، إلى جانب بقية السجناء السياسيين في تونس.

ويواجه الشابي حكما بالسجن لمدة 12 عاما بتهم تتعلق بـ"التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، ومحاولة تغيير هيئة الدولة وقلب نظام الحكم"، بينما صدرت بحق الغنوشي أحكام متعددة، من بينها السجن المؤبد، في قضايا يؤكد محاموه أنها ملفقة ولا تستند إلى أي دليل أو إثبات.

ومنذ وصول قيس سعيّد إلى الحكم عام 2019، ثم إعلانه حل البرلمان والحكومة واستحواذه على السلطات في 25 يوليو/تموز 2021، تشهد تونس حملة استهداف واسعة للأصوات المعارضة أو المنتقدة للمسار السياسي الجديد.

أزمة شاملة

في ظل هذه الدعوات، أكّدت "جبهة الخلاص الوطني" التي يرأسها الشابي، أن تونس تعيش أزمة وطنية عميقة ومتعددة الأبعاد، تتداخل فيها الأزمة السياسية والمؤسساتية مع التدهور الاقتصادي والاجتماعي، والانتهاكات المتصاعدة للحقوق والحريات، وانسداد الأفق أمام قطاعات واسعة من التونسيين والتونسيات.

وشددت الجبهة في بيان بتاريخ 11 أكتوبر 2026، أن الأزمة لم تعد تقتصر على تعثّر السياسات العمومية أو عجز السلطة عن الاستجابة لمطالب المواطنين، بل باتت تمسّ أسس الدولة الجمهورية، ومقوّمات العيش الكريم، وشروط التعاقد بين الدولة والمجتمع.

ونبَّهت الجبهة إلى أن الأزمة الراهنة هي أزمة حكم ومنظومة مؤسساتية، وليست مجرد أزمة أداء أو تواصل، وأن تجاوزها يقتضي وضع حد لتركيز السلطات والحكم الفردي، وإعادة التقدير لاستقلال القضاء وحرية الإعلام والعمل السياسي والمدني، وضمان التوازن بين السلطات والخضوع للمساءلة.

وطالبت بالإفراج عن جميع المساجين السياسيين ومساجين الرأي وكل من سُلبت حريته بسبب نشاطه السلمي أو مواقفه المعارضة، ووقف التتبعات ذات الخلفية السياسية، وضمان شروط المحاكمة العادلة وحقوق السجناء، وتحميل السلطة مسؤولية سلامتهم الجسدية والنفسية، لا سيما المضربين عن الطعام.

وأعلنت الجبهة دفاعها عن استقلالية المؤسسات الدستورية والهيئات المستقلة وعن الحكم المحلي واللامركزية، ورفضها كل التشريعات والإجراءات التي تؤدي إلى إخضاع هذه المؤسسات للسلطة التنفيذية أو تقويض مكاسب المشاركة الشعبية والرقابة والمساءلة.

ودعا البلاغ جميع القوى السياسية والمدنية والنقابية والحقوقية والاجتماعية الديمقراطية إلى توحيد الجهود وتنسيق المبادرات والتحركات على قاعدة مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مع احترام الاختلافات الفكرية والسياسية، وتأجيل ما يمكن تأجيله من خلافات لا تمسّ المبادئ الديمقراطية الأساسية ولا تعطل العمل المشترك.

وخلصت الجبهة إلى أنه "لا خروج من الأزمة بتكريس الإقصاء، ولا إنقاذ للاقتصاد في ظل انسداد السياسة، ولا استقرار مستداما دون حريات وعدالة ومساءلة"، مقدرة أن "ما تحتاجه تونس اليوم ليس مزيدا من تركيز السلطات، بل استعادة الدولة لمؤسساتها، والمجتمع لحقوقه، والشعب لحقه في تقرير مصيره".

حراك الشارع

وفي الميدان، تدفق الآلاف إلى شوارع العاصمة التونسية يوم السبت 17 أكتوبر 2026 في احتجاج حاشد للمطالبة باستعادة الديمقراطية والحريات، في تحرك يعكس تزايد الغضب من سياسات الرئيس قيس سعيد، وسط اتهامات ‌له بفرض "حكم استبدادي"، والفشل في معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

هذا الاحتجاج الذي شارك فيه اتحاد الشغل وجبهة الخلاص وحركة النهضة ومنظمات مدنية عدة، من بينها رابطة حقوق الإنسان وعمادة المحامين ونقابة الصحفيين، هو الأكبر من نوعه منذ سنوات ويشكل تحديا قويا لسعيد بعد سنوات شهدت انقسامات أضعفت قدرة معارضيه على الحشد.

وتجمع المتظاهرون في ساحة محمد علي معقل اتحاد الشغل قبل أن يجوبوا شوارع في العاصمة باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، وهو نقطة محورية في المظاهرات التي أطلقت شرارة الربيع العربي قبل 15 عاما.

ورفع الاحتجاج شعار “تونس أولا.. الشعب فوق كل تقدير”، ولوح المتظاهرون بأعلام تونس، كما ردد المشاركون مطالب تنادي بالحريات واستقلالية القضاء، والكف عن ملاحقة المعارضين ووقف المساس بالحق النقابي.

كما رفعوا لافتات وشعارات تعبر عن الامتعاض المتنامي من تفشي البطالة وسوء الخدمات العامة ومما وصفوها بالوعود الزائفة.

مسيرات رافضة للاستبداد

وفي هذا الصدد، أكد السياسي التونسي رياض الشعيبي، أن المسيرة بمثابة تاريخ جديد في مسار مقاومة الانقلاب، وذلك بخروج آلاف التونسيين، من مختلف الحساسيات الفكرية والسياسية، يرفعون صوتهم للمطالبة بالتغيير، والتمسك بالحرية والكرامة الوطنية واستعادة الديمقراطية.

وشدَّد الشعيبي في منشور عبر فيسبوك، أنه منذ انقلاب 25 يوليو 2021، لم تتوقف المسيرات والتحركات الاحتجاجية الرافضة للاستبداد، والمطالبة باستئناف المسار الديمقراطي، وذلك رغم القمع والتضييق.

وأكد أنه لا يجوز أن ننسى عشرات السياسيين القابعين في السجون، ولا مئات الشباب والمدونين الذين يواجهون الملاحقات والأحكام، ولا الإعلاميين والنقابيين والناشطين الذين يدفعون ثمن تمسّكهم بحرية التعبير والعمل العام، ولا رجال الأعمال الذين طالتهم قضايا وملاحقات تثير مخاوف جدية بشأن توظيف القضاء ومصادرة الممتلكات.

وأردف: "هؤلاء جميعا ليسوا مجرد أسماء في قوائم المعتقلين والملاحقين؛ إنهم وجوه معركة وطنية من أجل الحرية والعدالة ودولة القانون".

ولذلك، يردف الشعيبي، "اليوم ليس مجرد موعد احتجاجي عابر؛ إنه فرصة لفتح صفحة جديدة في مقاومة الاستبداد، وبناء أمل تونسي مشترك".

ورأى أن "التغيير لا تصنعه الشعارات وحدها، بل تصنعه إرادة شعبية متواصلة، وقوى وطنية تتعلم من خلافاتها، وتدرك أن اختلافاتها لا ينبغي أن تحجب عنها حقيقة أن الحرية حق للجميع، وأن تونس أكبر من أن تُختزل في سلطة أو شخص".

وخلص للقول: "اليوم يبدأ تاريخ جديد في مقاومة الانقلاب… فلنجعله بدايةً لوحدة أوسع، ونضال أكثر فاعلية، وأفق ديمقراطي يستعيد فيه التونسيون حقهم في الحرية والكرامة وتقرير مصيرهم".

في السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام، أن مسيرة السبت حققت أهدافها كاملة تقريبا، وهي بداية لنضالات قادمة تقوم على توحيد الساحة العامة على مقاومة السلطوية الشعبوية وحماية الحد الأدنى الديمقراطي.

وشدد عبد السلام في منشور عبر فيسبوك، أن هذه التحركات ليس لجبهة سياسية ولا نقابية محددة، بل هي نضال ميداني مشترك، داعيا إلى "التوحد ضد الدكتاتورية".

مواجهة الانقلاب

في ظل هذه التفاعلات، يقول الناشط السياسي زياد الهاشمي لـ“الاستقلال”: إن المشاركة في كل مظاهر أو أشكال مواجهة النظام الانقلابي بقيادة قيس سعيد هي ضرورة وواجب وليس أمرا اختياريا.

وأضاف أن المواطن التونسي ليس في بحبوحة من العيش أو الحرية حتى لا يجد من دافع للخروج والتظاهر. مشيرا في هذا الصدد إلى وجود أكثر من 33 ألف سجين، دون الحديث عن سجناء الرأي والمعارضين، والذين يواجهون أشكال التنكيل وظروف الاعتقال غير الآدمية والمتعارضة مع كل الحقوق.

واسترسل، وأيضا تحول البلاد إلى سجن واسع، في ظل اعتراف وزير الداخلية الإيطالي بانخفاض نسبة المهاجرين القادمين من تونس إلى إيطاليا ب 82 بالمئة.

وأردف الهاشمي، كما أننا نرى الملايين من الدنانير تضيع في تدبير الشأن العام دون عائد، بسبب سوء الإدارة التي يتسم بها أداء المنقلب سعيد قيس، وكلها أسباب موضوعية تستوجب التظاهر والمواجهة والتعبير عن الرفض.

وأشار إلى تصريح نواب بالبرلمان تابعون للانقلابي سعيد قالوا فيه: إن المواطن عليه انتظار الأسوأ في 2027، ومع ذلك نرى الصمت إزاء هذه التصريحات المرفوضة، والتي هي بمثابة إعلان صريح باستمرار وزيادة الضغط على الشعب.

وأمام الانشقاق والخلاف الذي تعانيه مكونات المعارضة السياسية بتونس، أكد الهاشمي أنه يجب عدم التركيز على إيديولوجيا الجهات الداعية للاحتجاج أو التظاهر؛ لأن الصف الوطني يجب أن يكون أقوى في مواجهة دعاة الفرقة والتشرذم.

وخلص إلى أن الواجب الوطني اليوم يستدعي الاستمرار في مقاومة تسونامي الانقلاب وأضراره الخطيرة والكبيرة على تونس، دولة وشعبا ومؤسسات.

في السياق ذاته، أكد الكاتب التونسي عبد الباقي خليفة، أن تأجيل لقاء المعارضة وتأخر وحدة الصف من عام 2021 إلى عام 2026 لم يكن مجرد هدر للوقت في أروقة السياسة، بل تسبب في خسائر إستراتيجية وبنيوية غير قابلة للتعويض، نزفت منها الدولة التونسية اقتصاديا، ومجتمعيا، ومؤسسيا.

وشدَّد خليفة في مقال تحليلي نشره موقع "الذاكرة" بتاريخ 19 أكتوبر، أنه بسبب غياب جبهة معارضة موحدة ومجتمع مدني يملك كلمة حاسمة، استأثرت السلطة بالقرار المالي والاقتصادي بشكل أحادي كامل.

واسترسل، مما تسبب في تفاقم المديونية، وتراجع التصنيف الائتماني، وتفكيك منظومة الإنتاج والدعم، فضلا عن غلاء الأسعار ومخاوف ميزانية 2027 التقشفية الحالية.

وتابع خليفة: "كما خسرت تونس بنيتها الدستورية التعددية؛ إذ تم إلغاء دستور 2014 التوافقي، وحل البرلمان، وتفكيك المجلس الأعلى للقضاء وتدجين السلطة القضائية، مما أفقد الدولة مفهوم الفصل بين السلطات".

ورأى خليفة أن "التحدي الحقيقي الذي يواجه لقاء المعارضة هو مدى قدرة هذه القوى على تحويل "الوحدة الميدانية المؤقتة" إلى "بديل سياسي واقتصادي إستراتيجي ملموس يركز على معركة التنمية" كما فعلت ألمانيا وإسبانيا من قبل".

وخلص إلى أن مسيرة 17 أكتوبر 2026 هي إعلان صريح عن نهاية مرحلة الاستفراد واستعادة المعارضة بوصلتها المفقودة، في مشهد كان ليوفر على تونس سنوات من المعاناة الخانقة والنزيف المؤسساتي والاقتصادي لو حدث في خريف 2021.

حصيلة صفرية

بلغة الأرقام، قالت منظمة "أنا يقظ" المتخصصة في تقييم أداء السلط العمومية ومكافحة الفساد: إن حصيلة أداء الرئيس قيس سعيد، بعد سبع سنوات في الحكم، كانت سلبية بسبب فشله في تحقيق 81 بالمئة من وعوده.

وذكرت المنظمة في تقرير مفصل نشرته في أغسطس/آب 2026 بعنوان "سعيد ميتر"، أن التقييم تضمن جردا شمل 91 وعدا للرئيس التونسي منذ صعوده إلى الحكم في 2019، لم يتم إنجاز سوى 19 بالمئة منها.

ومن أبرز ما شهده مسار حكم الرئيس التونسي، وفق التقرير، انتكاسة في مسار الديمقراطية المرتبط بحرية الترشح للانتخابات الرئاسية لعام 2024، التي شهدت فوز سعيد بولاية ثانية بنسبة أصوات فاقت 90 في المئة.

ووفق التقرير، شهدت الانتخابات تعطيلا للترشحات واعتقالات لمرشحين لاتهامهم بارتكاب جرائم انتخابية.

وحسب الوثيقة عينها أيضا، فإن الرئيس سعيد لم ينجح في تعزيز استقلالية القضاء وإصلاح الإدارة وإرساء محكمة دستورية ومكافحة الغلاء وارتفاع الأسعار والاحتكار والتلوث البيئي.

وإجمالا، تشير بيانات تقرير "سعيد ميتر" إلى 52 بالمئة من الوعود غير المنجزة مقابل 19 بالمئة تم إنجازها و7 بالمئة في طور الإنجاز؛ بينما 20 بالمئة من الوعود أنجز الرئيس سعيد عكسها.