كيف توظف الإمارات الذكاء الاصطناعي للتأثير في سردية حرب السودان؟

"الوكيل الإماراتي شرع فورا في العمل على حماية سمعة أبو ظبي"
أنشأ مسؤولون إماراتيون وكيلا للذكاء الاصطناعي أطلقوا عليه اسم "ديدشوت" (Deadshot)، وكلّفوه بمهمة تبييض دور بلادهم في الحرب السودانية، من خلال شبكة من الحسابات الوهمية، وكتابة شهادات بالوكالة قُدّمت إلى الأمم المتحدة، وملفات عن منتقدي الإمارات.
وتكشف هذه الحالة كيف صارت أدوات الذكاء الاصطناعي سلاحا في حروب المعلومات، تلجأ إليه أطراف محسوبة على واشنطن لدرء اتهامات بجرائم حرب.

مهمة "ديدشوت"
جاء ذلك في تقرير نشرته مجلة "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركية، استند إلى تقريرين حديثين لشركتي "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" عن عمليات التأثير التي نفذتها جهات أجنبية عبر نماذجهما.
وتتيح نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة تطوير وكلاء قادرين على تنفيذ المهام باستقلالية.
ولا تختلف كثير من المهام التي يذكر التقرير أن هؤلاء الوكلاء نفذوها، عن الاستخدامات اليومية التي يلجأ فيها ملايين الأشخاص إلى "كلود" و"تشات جي بي تي".
وأشارت المجلة إلى أن أبرز ما كشفه تقرير "أنثروبيك" هو مدى تبني جماعات وشركاء محسوبين على الولايات المتحدة هذه التقنية في عملياتهم الدعائية.
وذكر التقرير أن الوكيل الإماراتي شرع فورا في العمل على حماية سمعة أبو ظبي، مستهدفا الأمم المتحدة على وجه الخصوص.
وتواجه مليشيا “الدعم السريع” السودانية، المدعومة من الإمارات، اتهامات موثقة بالتطهير العرقي والعنف الجنسي.
فيما قالت بعثة تقصي حقائق أممية: إن أفعال “الدعم السريع” ضد المجتمعات غير العربية في دارفور تحمل "سمات الإبادة الجماعية".
وبيّنت المجلة، نقلا عن تقرير "أنثروبيك"، أن "ديدشوت" انتحل هوية منظمة حقوقية سودانية حقيقية، وكتب بالوكالة شهادة قُدّمت إلى الأمم المتحدة.
وأضافت أن الهدف كان أن تتأثر المنظمة الدولية بما تظنه شهود عيان محليين مستقلين، لا رسائل صادرة عن دولة.
وأفادت المجلة بأن الوكيل جمع معلومات عن منتقدي الإمارات، وأعدّ ما سمّاه "ملفات لتقويض المساءلة" عن المقررين الخاصين في الأمم المتحدة الذين انتقدوا دور الإمارات في السودان.
ساحة اختبار
ولفتت "ريسبونسيبل ستيتكرافت" إلى أن الإمارات نفّذت كذلك حملة معلوماتية أوسع تمحورت أساسا حول منصة "إكس"؛ إذ أنشأ "ديدشوت" شبكة من نحو 300 حساب غير حقيقي وأدارها.
وأوضحت أن هذه الحسابات نشرت محتوى يلقي بمسؤولية الحرب على “جماعة الإخوان المسلمين".
وذكرت المجلة أن المنشورات كثيرا ما حملت نداءات إنسانية، وحرفت اللوم بعيدا عن الدعم السريع باتجاه "إخوان السودان".
ونقلت المجلة عن أحد المنشورات على حساب يتابعه 27 ألف شخص، وصنّفته "أنثروبيك" ضمن الحملة المنسقة، أن أزمة المجاعة تتفاقم مع استمرار الحرب، وأن محللين يشيرون إلى وجود عناصر إسلامية متشددة تدعم مواصلة القتال بدلا من التوصل إلى تسوية تفاوضية.
وأضافت أن منشورا آخر، لحساب يتابعه 119 ألف شخص، قال: إن دور الإخوان في الصراع "يجعل إنهاء الحرب أصعب بكثير".
وبحسب التقرير، وجّه المشغّل تعليمات إلى "كلود" مئات المرات لتنفيذ "عملية منسقة عبر الأطلسي وعلى المستوى الإقليمي لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين عالميا".
وشرحت المديرة المؤسِّسة لمركز "كونفلونس أدفايزوري" للدراسات ومقره الخرطوم، خلود خير، في مقابلة مع المجلة، أن الصراع السوداني يُخاض على ثلاث جبهات، هي ساحة المعركة، وطاولة الوساطة، والفضاء المعلوماتي.
وأوضحت "خير" أن الجبهة الأخيرة تزداد أهمية، وأن المنشورات تُصاغ بعناية لاستمالة المؤيدين للحكم المدني والديمقراطية، وحجب الأهداف الحقيقية للتحركات الإماراتية في السودان.
وختمت بأن الذكاء الاصطناعي هو ساحة المعركة المقبلة في كثير من هذه الحروب، وأن حرب السودان صارت بوضوح ساحة اختبار، مع سبق إماراتي في الميدان.

حسابات وهمية
وتناولت المجلة حالات أخرى وردت في التقرير نفسه، أبرزها عملية نفذها أربعة أشخاص يعملون لحساب "منظمة مجاهدي خلق" الإيرانية المعارضة.
وأوضحت أن المنظمة طوّرت وكيلا للذكاء الاصطناعي أطلقت عليه اسم "فيكتور" (Viktor)، وانتحل شخصية ناشط إيراني بعد تدريبه على 8400 منشور حقيقي له على "تلغرام". وتمكن الوكيل من تبادل الرسائل مع شبكة من الناشطين داخل إيران دون أن يدركوا هويته الحقيقية.
وأضافت أن "فيكتور" راقب أشخاصا داخل إيران، وأغرق منصات التواصل بمحتوى مؤيد للمنظمة تحت غطاء الاستقلالية، كما تسلل إلى أكثر من 500 مجموعة على "تلغرام".
وذكرت أن الوكيل صنّف أهدافه وفقا للمدينة والعمر والمهنة والميول السياسية وسجل الاعتقالات، بما يرجح أنه استخدم هذه المعلومات لتخصيص رسائله بما يناسب كل فئة مستهدفة.
وأشارت المجلة إلى أن المنظمة تدير حسابا على "إنستغرام" يتابعه أكثر من 170 ألف شخص، ويقدم نفسه بوصفه حسابا إخباريا مستقلا، لكنه ينشر محتوى يروّج للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ويهاجم نجل شاه إيران المخلوع، رضا بهلوي.
ولفتت إلى أن المنظمة، التي ظلت مدرجة على قائمة الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية الأجنبية حتى عام 2012، تحظى بدعم ملحوظ في الكونغرس؛ إذ شارك 230 عضوا في مجلس النواب، العام 2025، في رعاية قرار يحث واشنطن على دعم خطتها لإيران.
ونقلت المجلة عن مسؤول الشؤون الحكومية في منظمة "بابليك سيتيزن"، كريغ هولمان، قوله في رسالة إلكترونية: إن هذه الوقائع تمثل نمطا جديدا من أساليب التأثير.
وأوضح هولمان أن استخدام حكومات أجنبية الذكاء الاصطناعي للتلاعب بآراء الهيئات التشريعية والجمهور يستند إلى جوهر الخداع الذي تتيحه هذه التقنية، والمتمثل في تصوير شخص أو كيان حقيقي زورا، وهو يفعل أو يقول ما لم يصدر عنه قط.
وأفادت المجلة بأن تقريرا لشركة "أوبن إيه آي" كشف كيف نجح مشغّلون إيرانيون في نشر نحو 100 مقال في دوريات متخصصة في الشؤون الدولية، تحت أسماء كتّاب وهمية، باستخدام "تشات جي بي تي".
وذكرت أن هذه المقالات روّجت في الغالب لوجهة نظر مناهضة للحرب على إيران، ومن بينها مقال بعنوان "هل تجري خصخصة سياسة أميركا تجاه إيران؟ مسألة جاريد كوشنر".
وكشف التقرير نفسه، بحسب المجلة، أن روسيا أنشأت مركز أبحاث وهميا باسم "مركز البحوث الاجتماعية"، وسيطرت عليه، مستعينة بموظفين حقيقيين في أميركا اللاتينية لم يعلموا أنهم يعملون لحساب موسكو.
وأضافت أن المشغّلين الروس استخدموا "تشات جي بي تي" لإنتاج المحتوى وصياغة التقارير الداخلية، فيما أجرى الموظفون مقابلات فعلية مع خبراء ونشروا أوراقا بحثية، تناول معظمها العلاقات بين الهند وأميركا اللاتينية.
وأشارت المجلة إلى أن الموقع الإلكتروني للمركز لا يزال نشطا، وقد نشر بيانا رفض فيه ادعاءات "أوبن إيه آي"، واصفا إياها بأنها "غير صحيحة وقائعيا، ومحاولة متعمدة لتشويه مشروع بحثي مستقل".

















