ابتزاز بالزوجات والأطفال.. ما الاعترافات التي يريد الاحتلال سماعها من أسرى غزة؟

منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، اعتقل الاحتلال أكثر من 15 ألف فلسطيني من قطاع غزة
استخدم الاحتلال الإسرائيلي أساليب تعذيب شديدة القسوة بحق الأسرى الفلسطينيين الذين اعتقلهم من منازلهم ومراكز النزوح والمستشفيات في غزة، قبل اقتيادهم إلى المعتقلات؛ حيث وضعهم أمام خيارين:
أولهما: التعرض للتعذيب الذي ينتهي في كثير من الحالات بالموت. وثانيهما: الإجابة عن أسئلة تهدف إلى تحديث بنك أهدافه ومواصلة عمليات الإبادة المستمرة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وحول الاحتلال المعتقلات إلى أماكن لممارسة التعذيب على نطاق واسع، كما أنشأ مراكز ومعسكرات اعتقال جديدة لاحتجاز معتقلي غزة، من أبرزها معتقلا "سديه تيمان" و"ركيفت"، إلى جانب ملاحق تابعة لسجني "عوفر" و"النقب"؛ حيث مورست أشكال متعددة من التعذيب، من بينها "التعذيب الطبي" والتجويع.
وخلال الاجتياح البري لقطاع غزة، أقام الاحتلال مواقع للاعتقال داخل القطاع، وحول بعضها إلى ساحات للتعذيب والإعدامات الجماعية، كما حدث في ملعب فلسطين وسط مدينة غزة، فضلًا عن عدد من المدارس والجامعات.
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، اعتقل الاحتلال أكثر من 15 ألف فلسطيني من قطاع غزة، وفق ما كشف عنه مركز فلسطين لدراسات الأسرى بتاريخ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2026.
وفي الفترة نفسها، اعتُقل أكثر من 21 ألف فلسطيني من الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بحسب إحصاءات هيئة شؤون الأسرى والمحررين ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير.
كما بلغ عدد الأسرى الذين استشهدوا نتيجة التعذيب والتجويع الممنهج وسياسة الإهمال الطبي 98 أسيرًا في سجون الاحتلال، علمًا أن هذا الرقم يشمل فقط من جرى التعرف إلى هوياتهم.
وتشير إحصاءات هيئة شؤون الأسرى والمحررين إلى أن عدد الأسرى داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية، حتى مطلع تموز/ يوليو 2026، تجاوز 9,400 أسير وأسيرة، بينهم 3,244 معتقلًا إداريًا، و99 أسيرة، وأكثر من 350 طفلًا معتقلًا.

أقسى التجارب
قابلت "الاستقلال" عددا من الأسرى المحررين الذين خاضوا تجربة الاعتقال في سجون الاحتلال، وتعرضوا لشتى أساليب التعذيب، وأفرج عنهم خلال صفقات تبادل الأسرى التي أبرمتها المقاومة الفلسطينية مع الاحتلال.
ووقفت "الاستقلال" على مجريات الاعتقال والتحقيقات التي أجريت مع الأسرى، وماهية المعلومات التي كان الاحتلال يسعى إلى انتزاعها منهم، والهدف منها.
أحد هؤلاء الأسرى المحررين كان إبراهيم الحانوني، الذي اعتقل من داخل مدرسة "خليفة بن زايد" في بيت لاهيا في ديسمبر/كانون الأول 2023.
وقال إبراهيم: إن تجربة الاعتقال على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب تعد من أقسى التجارب التي يمكن أن يعيشها الإنسان، في ظل ما يتعرض له الأسرى من وحشية وظروف قاسية وأساليب تعذيب جسدي ونفسي، إلى جانب الضغوط والابتزاز.
وأضاف الحانوني، في حديثه لـ"الاستقلال": "اعتُقلت من داخل المدرسة، بعدما قررت البقاء في المنطقة، وأخرجت عائلتي وزوجتي وأطفالي إلى جنوب القطاع، حتى لا تطالهم الويلات التي كنا نعيشها في شمال غزة على يد الاحتلال".
وتابع: "في البداية، اعتُقلنا، ثم طُلب منا خلع جميع ملابسنا والإبقاء على الملابس الداخلية فقط. وبعد ذلك، عُصبت أعيننا في ظل البرد القارس، ولم نكن نعرف ما الذي يجري خلال التحقيقات الميدانية".
"كنا نسمع أصوات إطلاق النار وعمليات الإعدام، كما كنا نسمع أصوات التعذيب الذي طال الأطفال والنساء، قبل نقلنا إلى خارج قطاع غزة. وطوال تلك الفترة، استمر التعذيب وعمليات الإعدام".
وأوضح الحانوني أنه خلال الطريق إلى المعتقل، وقبل إدخالهم إليه، ظل الأسرى معصوبي الأعين، مشيرا إلى أن الجنود كانوا يجبرونهم على الجلوس في أوضاع محددة، ثم ينهالون عليهم بالضرب على المناطق الحساسة من أجسادهم، ولا سيما الأعضاء التناسلية، بهدف إحداث العجز الجنسي والتسبب بالعقم لدى الرجال.
وقال: إن هذه الممارسة لم تقتصر عليه وحده، بل تعرض لها جميع من نُقلوا معه، بمن فيهم أسرى من مناطق مختلفة في شمال القطاع. مؤكدا أن الجنود كانوا يتبعون الأسلوب ذاته مع الجميع.
وأضاف الأسير أنه قبل عرضهم على التحقيق، تعرضوا لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، لافتا إلى أن التحقيقات استهدفت انتزاع معلومات من مدنيين، رغم معرفة الاحتلال، بحسب قوله، بأنهم ليسوا مقاتلين.
وتابع: "تركزت أسئلة المحققين على أشخاص ينتمون إلى التنظيمات الفلسطينية، وأماكن نزوح عائلات أشخاص يتهمهم الاحتلال بالانتماء إلى المقاومة، فضلا عن الأنفاق والعاملين في الجمعيات الإغاثية والتجار وتحركات بعض الأشخاص".
وأشار الحانوني إلى أن الهدف من هذه الأسئلة، وفق تقديره، كان جمع معلومات تتيح للاحتلال تحديد مزيد من الأهداف، بما يسهل استهداف السكان وارتكاب مجازر بحقهم.
وأضاف: "من أكثر الأسئلة التي ركز عليها الاحتلال سؤال النازحين والأسرى عما إذا كان بين المعتقلين أقارب لأشخاص يتهمهم بالمقاومة، سواء كانوا نساء أو أطفالا، بهدف استخدامهم أدوات للضغط والابتزاز والتعذيب والانتقام".
"وقد أولى الاحتلال هذا الأمر اهتماما كبيرا خلال التحقيقات، وفي حال تمكن لاحقا من اعتقال هؤلاء النساء والأطفال، فإنهم يتعرضون لانتهاكات وفظائع يصعب الحديث عنها".

تعذيب الطواقم الطبية
ولم يقتصر الاحتلال في اقتحاماته على المنازل ومراكز النزوح، بل اتخذ المستشفيات والمراكز الطبية هدفا أساسيا، سواء بالقصف والحصار، ثم الاقتحام وارتكاب المجازر، أو باعتقال المئات من الطواقم الطبية والمرضى والمصابين والنازحين الذين لجأوا إلى المستشفيات.
وعمل الاحتلال على التنكيل بالطواقم الطبية؛ إذ تجاوز عدد شهدائها 1,700 شهيد، فيما اعتقل أكثر من 360 من أفرادها، وأخضعهم لشتى أنواع التعذيب، وأدخلهم غرف التحقيق بعد جولات من التعذيب.
أحد الذين خاضوا تجربة الاعتقال كان الممرض أسعد حرز الذي اعتُقل خلال الاقتحام الثاني لمجمع الشفاء الطبي، حيث بدأ الاقتحام الثاني لجيش الاحتلال الإسرائيلي للمجمع، غربي مدينة غزة، يوم 18 مارس/آذار 2024.
واستمر أسبوعين كاملين، حتى انسحاب القوات في 1 أبريل/نيسان 2024، لينتهي بمجازر ومئات الاعتقالات.
وعاش الممرض ظروفا بالغة القسوة خلال واحدة من أكثر مراحل الحرب دموية ووحشية. وشهد خلال ذلك الاقتحام انتهاكات طالت الطواقم الطبية والمرضى، وسط تسجيل شهادات عن التعذيب والاغتصاب والإعدامات الميدانية، فضلا عن العثور على مقابر جماعية عقب انسحاب قوات الاحتلال من محيط المستشفى.
ويروي حرز، في حديثه لـ"الاستقلال"، تفاصيل اعتقاله وما تعرض له خلال التحقيق، قائلا: "بدأ الاقتحام ليلا، وتوالت الأحداث الدموية والمؤلمة، وعندما اقتحمت قوات الاحتلال قسم الباطنة الذي كنت موجودا فيه، اعتقلتني وبدأت التحقيق معي داخل المستشفى".
"وكان كل سؤال أعجز عن الإجابة عنه يقابله اعتداء بالضرب، باستخدام أخمص البندقية ومطرقة معدنية صغيرة، إلى جانب إطلاق النار بجواري مباشرة".
وأوضح الممرض أن التحقيق الميداني تركز على أسماء أفراد الطواقم الطبية الذين تعاملوا مع أسرى إسرائيليين أو مصابين من المقاومة؛ إذ كان المحققون يطالبونهم بتقديم أسماء هؤلاء الأشخاص ومعلومات عنهم، قبل نقلهم من المستشفى إلى سجون الاحتلال خارج قطاع غزة.
وأضاف أنه لا يتذكر تفاصيل رحلة نقله إلى المعتقل؛ إذ كان يفقد الوعي في معظم الأحيان نتيجة التعذيب، وأشار إلى أن وصوله إلى سجن "سديه تيمان" شكل إحدى أصعب المحطات التي مر بها، مع ما رافقه من تعذيب بلغ حد التعذيب حتى الموت.
وتابع الكادر الطبي قائلا: "إن التحقيقات داخل المعتقل استمرّت في التركيز على أفراد الطواقم الطبية الذين يُتهمون بالتعامل مع مصابي المقاومة أو تقديم العلاج لهم، قبل أن تتوسع الأسئلة لتشمل أسماء أبرز الأطباء في القطاع وأماكن وجودهم".
وقال: إن عددا من هؤلاء الأطباء تعرضوا لاحقا للاغتيال، مقدرا أن الاحتلال استهدف تصفية الكفاءات الطبية في قطاع غزة.
وأشار حرز إلى أن الانتهاكات لم تقتصر على التحقيق والتعذيب، بل شملت إجبار بعض أفراد الطواقم الطبية على تسجيل مقاطع مصورة تتضمن اعترافات تدعي وجود أنشطة للمقاومة داخل المستشفيات، بهدف استخدامها ذريعة لتبرير استهداف المنشآت الصحية وسيارات الإسعاف.
واستشهد بما تعرض له أحد زملائه المعتقلين، الذي أجبرته قوات الاحتلال على الإدلاء بشهادة مصورة تزعم استخدام سيارات الإسعاف من قبل المقاومة.
وأكد أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، وأن الهدف منها كان توظيف تلك التسجيلات في الدعاية وتبرير استهداف المؤسسات الطبية.
وأضاف حرز أنه بعد انتهاء التحقيقات المتعلقة بالطواقم الطبية، انتقل الاحتلال إلى استجواب بقية المعتقلين، مطالبا إياهم بتحديد المنازل التي يسكنها أشخاص يؤيدون حركة حماس أو يتعاطفون معها، وكذلك المنازل التي تضم مؤيدين للمقاومة.
ورأى أن هذه التحقيقات هدفت إلى انتزاع اعترافات تُستخدم لتصوير المجتمع الفلسطيني بأكمله بوصفه هدفا مشروعا للاستهداف. مشيرا إلى احتمال توظيف هذه التسجيلات أمام وسائل الإعلام الأجنبية أو الجهات الدولية لتبرير المجازر وعمليات الإبادة في قطاع غزة.

تعذيب لأجل التعذيب
ولا يكتفي الاحتلال باعتقال وتعذيب من يظن أن لهم صلة بالمقاومة، بل كان المدنيون هدفا أساسيا له. ورغم وصول ضباطه إلى قناعة راسخة بأن آلاف المعتقلين لا يملكون معلومات ليقدموها، فإنهم يستمرون في اعتقالهم وتعذيبهم.
وهو ما أكده الشاب محمد شحدة الذي اعتقله الاحتلال الإسرائيلي من منزله غرب مخيم المغازي وسط القطاع، خلال توغل مفاجئ في المخيم أواخر كانون الأول/ديسمبر 2023، من دون إنذارات مسبقة بالإخلاء.
واعتقلت قوات الاحتلال خلال التوغل مئات الفلسطينيين، واستخدمتهم دروعا بشرية لحماية دباباتها وجنودها من استهدافات المقاومة، حسب شهادة الشاب.
وقال شحدة، في حديثه لـ"الاستقلال": إن قوات الاحتلال اقتحمت المخيم من أبعد نقطة عن الحدود بصورة مفاجئة، من دون توجيه أي إنذارات بالإخلاء، واعتقلت مئات الأشخاص، بينهم أطفال ونساء، قبل إجبارهم على السير أمام الدبابات وناقلات الجند.
وأضاف: "استخدمنا الاحتلال دروعا بشرية أمام الدبابات وناقلات الجند. وكان المقاومون يمتنعون عن استهداف الآليات خشية أن يكون ثمن ذلك استشهادنا، نحن والأطفال والنساء، أو أن تدهس الآليات جثاميننا. وبالفعل، تجنب المجاهدون استهداف هذه الآليات التي أجبرنا الاحتلال على السير أمامها".
وأوضح شحدة أنه بعد انتهاء المهمة العسكرية وتمركز الآليات في مواقعها وإقامة السواتر الترابية، نقلت قوات الاحتلال المعتقلين إلى سجون خارج قطاع غزة، عبر منطقة شرق مخيم البريج، حيث بدأت جولات التحقيق والتعذيب.
وتابع أن "الاحتلال كان يعلم أننا مدنيون ولا نمتلك معلومات ذات صلة بما يبحث عنه، لكنه واصل تعذيبنا بطرق انتقامية، شملت استخدام الكلاب البوليسية للاعتداء الجنسي على الأسرى، وتكسير أطرافهم، وحرمانهم من النوم".
إلى جانب احتجازهم أياما داخل غرف أطلقوا عليها اسم "الديسكو"، كانت تُشغّل فيها الموسيقى بصوت مرتفع للغاية، مع إضاءة صفراء شديدة، بما يحول دون النوم ويدفع المعتقلين إلى الانهيار النفسي.
وأضاف شحدة أن أساليب التعذيب شملت أيضا إجبار الأسرى على النوم فوق أسرة حديدية مليئة بالمسامير، فضلا عن ترك جروحهم من دون علاج.
وأكّد شحدة أن التعذيب الذي تعرض له لم يكن يتبعه تحقيق، ولم يكن يهدف إلى انتزاع اعترافات أو الحصول على معلومات، بل كان تعذيبا بدافع الانتقام وحده.
وقال: إن هذه الممارسات استمرت حتى اللحظات الأخيرة من اعتقاله، الذي دام أكثر من عام، واصفا تلك الفترة بأنها كانت أصعب فترات حياته.


















