"وصمة عار".. لماذا أغضبت زيارة الزيدي إلى واشنطن السلطات الإيرانية؟

يوسف العلي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

لم تكن تصريحات علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، بحق رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، مجرد انتقاد سياسي عابر، بل بدت مؤشراً على حجم الانزعاج الذي أثارته أولى خطوات الحكومة العراقية الجديدة في رسم سياستها الخارجية.

فبعد أيام قليلة من عودة الزيدي من زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة استمرت خمسة أيام، بدأت في 13 يوليو/تموز، والتقى خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووقع عشرات الاتفاقيات الاقتصادية مع كبرى الشركات الأميركية، خرج ولايتي ليصف تلك الزيارة بأنها "وصمة عار".

وفي مقال نشرته وكالة "تسنيم" الإيرانية في 17 يوليو/تموز، وصف ولايتي رئيس الوزراء العراقي بأنه "شاب قليل الخبرة"، في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً داخل العراق، وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كانت تعكس موقفاً رسمياً لطهران، أم أنها مجرد رسالة سياسية موجهة إلى بغداد.

تصريحات شخصية

ورغم حدة تصريحات ولايتي، فضّلت الحكومة العراقية عدم الردّ عليها، فيما سارعت وزارة الخارجية الإيرانية إلى احتواء تداعياتها.

وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في 19 يوليو/تموز، اتصالاً هاتفياً بنظيره العراقي فؤاد حسين، أكد خلاله أن العلاقات بين البلدين "إستراتيجية"، ولا ينبغي أن تتأثر بما وصفه بـ**"التصريحات الشخصية"**.

وبحسب ما أورده موقع قناة "الأولى" العراقية في 19 يوليو/تموز، شدد الجانبان على أن العلاقات بين بغداد وطهران تستند إلى روابط تاريخية وثقافية ودينية، فضلاً عن المصالح المشتركة التي تجمع البلدين.

وأكد عراقجي أن العلاقات بين البلدين يجب ألا تتأثر بتصريحات غير رسمية، مجدداً التزام بلاده بمبادئ الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، والعمل على تطوير العلاقات الثنائية على المستويين الحكومي والشعبي.

ويأتي ذلك في وقت يستعد فيه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في 23 يوليو/تموز، لجولة إقليمية تشمل عدداً من الدول، من بينها إيران، في إطار مساعيه لتعزيز التفاهمات الأمنية والسياسية والاقتصادية، والتأكيد على تبني العراق سياسة تقوم على النأي بالنفس عن سياسة المحاور الإقليمية.

ومن المقرر أن يتوجه الزيدي إلى طهران في ثاني زيارة خارجية له منذ توليه رئاسة الوزراء، بعد أسبوع واحد من زيارته الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في محطة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية بارزة.

وأعلنت وزارة الخارجية العراقية، في بيان نقلته وكالة الأنباء العراقية الرسمية في 19 يوليو/تموز، أن الزيدي سيزور إيران نهاية الأسبوع. مشيرة إلى أن الزيارة ستشهد توقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات التعاون المشترك، بما يعزز العلاقات الثنائية ويخدم المصالح المشتركة للبلدين.

وفي 20 يوليو/تموز، استقبل الزيدي في بغداد السفير الإيراني لدى العراق محمد كاظم آل صادق؛ حيث بحث الجانبان سبل تطوير العلاقات الثنائية، وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين، ويسهم في دعم أمن المنطقة واستقرارها.

وذكر بيان صادر عن الحكومة العراقية أن اللقاء تناول أيضاً التحضيرات الجارية للزيارة الرسمية المرتقبة إلى طهران، والملفات التي ستتضمنها، بما يهدف إلى توسيع آفاق التعاون الثنائي، وتعزيز الشراكة والتنسيق بين البلدين في القضايا ذات الاهتمام المشترك.

غضب إيراني

وبشأن ما إذا كانت تصريحات علي أكبر ولايتي تعكس موقفاً رسمياً إيرانياً من زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة، يرى الباحث العراقي علي المساري أن ما صدر عن مستشار المرشد الإيراني يعبر عن حالة انزعاج حقيقية داخل طهران.

وقال المساري، في حديثه لصحيفة الاستقلال: إن تصريحات ولايتي تعكس غضباً إيرانياً من زيارة الزيدي إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا سيما في ظل حديث الأخير عن مقتل قائد "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.

وأضاف أن هناك أيضاً حديثاً عن ضغوط إيرانية مورست على زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، بهدف سحب دعمه للزيدي، في ظل توجه الحكومة الحالية نحو مكافحة الفساد، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، وإبرام اتفاقيات اقتصادية واسعة مع الشركات الأميركية.

من جهته، رأى الكاتب والمحلل السياسي العراقي، هلال العبيدي، المقيم في فرنسا، أن تصريحات ولايتي بحق الزيدي تتجاوز حدود الانتقاد السياسي، وتعكس استمرار نظرة بعض دوائر صنع القرار في طهران إلى العراق بصفته ساحة نفوذ، أكثر من كونه دولة ذات سيادة.

وأوضح العبيدي، في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس" في 18 يوليو/تموز، أن مهاجمة رئيس الوزراء العراقي بسبب زيارته إلى الولايات المتحدة تمثل تدخلاً في الشأن الداخلي العراقي، مؤكداً أن تقييم أداء الحكومة ومحاسبتها يجب أن يظل من اختصاص المؤسسات الدستورية والشعب العراقي، وليس مسؤولين من خارج البلاد.

 

وأضاف أن سبب الانزعاج الإيراني، من وجهة نظره، لا يرتبط بالزيارة في حد ذاتها، وإنما بما تعكسه من مؤشرات على توجه الحكومة العراقية نحو تنويع علاقاتها الخارجية، وتقليص حالة الارتهان السياسي والاقتصادي التي تشكلت خلال السنوات الماضية.

وأشار العبيدي إلى أن العراق دفع ثمناً باهظاً نتيجة هذا الواقع، سواء من خلال أزمات الطاقة، أو تنامي نفوذ الفصائل المسلحة، أو تراجع أداء عدد من القطاعات الاقتصادية، مقدرا أن احترام سيادة العراق يقتضي الامتناع عن التدخل في قراراته السياسية.

وأكد أن بغداد لم تعد تقبل بمنطق الوصاية أو الإملاءات الخارجية، وأن القرار الوطني ينبغي أن يصنعه العراقيون وحدهم، وفق الدستور والمؤسسات الدستورية.

وخلص العبيدي إلى أن تصريحات ولايتي تعكس، في تقديره، قلقاً إيرانياً من احتمال تراجع نفوذ طهران داخل العراق، مع توجه الحكومة الحالية إلى انتهاج سياسة خارجية أكثر توازناً.

وأضاف أن أي محاولة للضغط على بغداد، سواء عبر التصريحات أو أدوات النفوذ المختلفة، لن تؤدي إلى تغيير هذا المسار، بل قد تعزز المطالب الداخلية بترسيخ استقلال القرار العراقي، وبناء علاقات خارجية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل مع جميع دول الجوار.

سابقة جديدة

منذ عام 2003، اعتاد رؤساء الحكومات العراقية أن تكون طهران من بين أولى محطاتهم الخارجية، في ظل النفوذ الإيراني المتنامي داخل العراق، سواء على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية.

إلا أن علي الزيدي كسر هذا التقليد، بعدما اختار واشنطن لتكون أول وجهة خارجية له منذ توليه رئاسة الوزراء في 14 مايو/أيار، وهو ما عدّته أوساط سياسية عراقية وإيرانية رسالة سياسية لا تقل أهمية عن مضمون الزيارة نفسها.

ولم تقتصر الرسالة على اختيار الوجهة، بل امتدت إلى طبيعة الملفات التي ناقشها الزيدي مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي ركزت على توسيع التعاون الاقتصادي، واستقطاب الاستثمارات الأميركية، ومواصلة إصلاح قطاع الطاقة.

كما تناولت المباحثات ملف الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، وهو أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لطهران، نظراً إلى أن غالبية تلك الفصائل تدين بالولاء لإيران، التي تخوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة منذ نهاية فبراير/شباط 2026.

وجاءت الزيارة أيضاً في وقت كانت فيه واشنطن تتحدث عن تشديد الضغوط على إيران، الأمر الذي أضفى عليها بعداً سياسياً إضافياً، لا سيما مع ظهور الزيدي إلى جانب ترامب خلال تصريحاته المتعلقة بطهران.

وخلال المؤتمر الصحفي، سأل ترامب رئيس الوزراء العراقي عن رأيه في عملية اغتيال قائد "فيلق القدس" الإيراني السابق قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس التي نفذتها القوات الأميركية مطلع يناير/كانون الثاني 2020.

ورد الزيدي بأنه لم يكن حينها يعمل في المجال السياسي، مضيفاً أن ما يعنيه اليوم هو المستقبل؛ لأن العراقيين "شبعوا من الماضي".

وفي هذا السياق، أفاد موقع "أكسيوس" الأميركي، في تقرير نشره بتاريخ 16 يوليو/تموز، بأن مسؤولين إيرانيين مارسوا ضغوطاً على الزيدي لإثنائه عن القيام بأول زيارة خارجية له إلى واشنطن، في محاولة لدفعه إلى جعل طهران محطته الأولى، إلا أنه تمسك بقراره وفضّل لقاء ترامب.

وأضاف التقرير أن الزيدي جلس إلى جانب ترامب أمام عدسات الكاميرات، بينما كان الرئيس الأميركي يتحدث عن مواصلة الضربات ضد إيران، وفرض حصار بحري عليها.

ونقل الموقع عن مسؤول أميركي قوله: إن استعداد الزيدي للجلوس إلى جانب ترامب أثناء حديثه عن إيران "شكّل رسالة قوية تعكس جديته في تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة، رغم اعتراض طهران".

وأشار التقرير إلى أن رئيس الوزراء العراقي تجنب التطرق إلى إيران خلال مباحثاته، وركز بدلاً من ذلك على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع واشنطن، واستكمال انسحاب القوات الأميركية، والعمل على نزع سلاح الفصائل المسلحة، وضمان خضوع جميع الأسلحة لسلطة الدولة.

كما أوضح أن المسؤولين الأميركيين ينظرون إلى هذه الزيارة بوصفها مؤشراً أولياً على التزام الزيدي بتعهداته المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، لا سيما بعد تأكيده أن الفصائل المسلحة ستكون مطالبة بتسوية أوضاعها قبل الموعد المحدد لاستكمال انسحاب القوات الأميركية من العراق في 30 سبتمبر/أيلول المقبل.