إحياء سكة حديد الحجاز.. كيف يعزّز الموقع الإستراتيجي للأردن؟

منذ ١١ ساعة

12

طباعة

مشاركة

لا تزال تداعيات الاضطرابات المتصاعدة في منطقة الخليج، لا سيما في مضيق هرمز، تلقي بظلالها على حركة التجارة، بما أبرز الحاجة إلى تطوير ممرات نقل بديلة، خصوصاً مع تزايد المخاوف من انعكاس الأزمات الجيوسياسية على أمن التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

وفي هذا الإطار، أفاد مركز "أُورسام" التركي للدراسات، في مقال للكاتبة التركية "آية جُوردلو"، بأن مشروع إحياء سكة حديد الحجاز يبرز بصفته واحداً من أهم المبادرات الهادفة إلى إعادة تشكيل شبكة النقل الإقليمية. 

ويستند المشروع إلى تعاون متنامٍ بين الأردن وتركيا وسوريا، مع استعداد سعودي لدعمه، بما يجعله عاملاً مهماً في تعزيز الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة.

واكتسب المشروع زخماً إضافياً بعد سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى التي عُقدت في عمّان وأنقرة ودمشق، وأسفرت عن توقيع مذكرة تفاهم ثلاثية في مجال النقل، تهدف إلى إزالة العوائق أمام حركة البضائع، وتيسير التجارة، ودعم التكامل اللوجستي.

كما أسهمت مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا والمملكة العربية السعودية في تعزيز هذا المسار؛ إذ عكست توجهاً إقليمياً نحو إنشاء شبكة نقل عابرة للحدود تربط المشرق العربي بتركيا ودول الخليج.

ولا يقتصر مشروع سكة حديد الحجاز على إعادة تأهيل خط تاريخي أُنشئ خلال العهد العثماني لربط دمشق بالمدينة المنورة، بل يجسد أيضاً محاولة لإعادة توظيف البنية التحتية التاريخية بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة.

وكانت هذه السكة جزءاً من شبكة عثمانية واسعة ربطت بلاد الشام بإسطنبول، وأسهمت في تنشيط الحركة التجارية والإدارية والعسكرية داخل الدولة العثمانية. 

أما اليوم، فيُعاد طرح المشروع بوصفه ممراً إقليمياً يمكن أن يصل بين تركيا وسوريا والأردن ودول الخليج ضمن منظومة نقل متكاملة.

مبادرات ثلاثية

وذكرت الكاتبة أنّ سقوط نظام الأسد في سوريا جاء ليمنح هذا المشروع دفعة إضافية؛ إذ دخلت العلاقات بين تركيا والأردن وسوريا مرحلة جديدة، اتسمت بارتفاع مستوى التنسيق السياسي والاقتصادي. 

فقد أصبحت مشاريع الربط الإقليمي أحد أهم محاور التعاون بين الدول الثلاث، حيث أكد الاجتماع الثلاثي الذي عُقد في أنقرة خلال مايو/أيار 2025 أهمية إعادة إعمار سوريا ودمجها تدريجياً في شبكات الاقتصاد الإقليمي. 

بينما مثّل توقيع وزراء النقل في الدول الثلاث مذكرة تفاهم في عمّان خطوة عملية لترجمة هذا التوجه إلى مشاريع تنفيذية.

ورغم أن المشروع لا يزال في مراحله التأسيسية، فإن التحركات السياسية تشير إلى وجود رغبة إقليمية في توسيع نطاقه. فقد وقعت تركيا والمملكة العربية السعودية خلال يونيو/حزيران مذكرة تفاهم جديدة تدعم مشاريع الربط الإقليمي، وكان من بين أبرز محاورها إعادة إحياء سكة حديد الحجاز وربطها بشبكات النقل الحديثة، بما يفتح المجال مستقبلاً لإنشاء ممر يمتد من تركيا عبر سوريا والأردن وصولاً إلى السعودية.

وأشارت الكاتبة إلى وجود تحدّياتٍ فنية مختلفة أمام الدول المعنية بالمشروع، فعلى الرغم من التوافق السياسي المتزايد حوله، إلّا أنّ الواقع الميداني للدول المعنية يختلف من دولةٍ إلى أخرى. 

ففي سوريا، أدت سنوات الحرب إلى تدمير أجزاء واسعة من شبكة السكك الحديدية، الأمر الذي يجعل إعادة تشغيل الخط مرهونة ببرامج إعادة إعمار واسعة وتمويل كبير، إلى جانب توفير بيئة أمنية مستقرة تسمح بتنفيذ مشاريع البنية التحتية. 

في المقابل، يتمتع الأردن بوضع أفضل نسبياً؛ إذ حافظت مؤسسة الخط الحديدي الحجازي الأردني على أجزاء من السكة التاريخية واستمرت في تشغيلها بصورة محدودة، مع تنفيذ أعمال صيانة دورية للحفاظ على جاهزيتها. 

ويعكس ذلك إدراك الدولة الأردنية لأهمية هذا المرفق، سواء من الناحية التراثية أو بصفته أحد الأصول التي يمكن توظيفها مستقبلاً ضمن مشاريع النقل الإقليمية.

وأضافت الكاتبة متحدّثة عن التحسن الملحوظ في العلاقات الأردنية السورية بعد سقوط نظام الأسد؛ حيث شكّل ذلك عاملاً رئيساً في إعادة طرح مشروع سكة حديد الحجاز. 

فبعد سنوات من التوتر والقطيعة، بدأت عمّان ودمشق إعادة بناء قنوات التواصل السياسي والاقتصادي، انطلاقاً من إدراكهما لحجم المصالح المشتركة، سواء فيما يتعلق بأمن الحدود أو بإعادة تنشيط حركة التجارة والعبور.

وقد انعكس هذا التقارب في مجموعة من المبادرات العملية، كان أبرزها إعادة فتح وتأهيل معبر جابر–نصيب الحدودي. إلى جانب ذلك، تمّ العمل على تطوير تعاون في مجالات النقل وإدارة الحدود والتبادل التجاري. 

كما أعلن مسؤولون أردنيون خلال العام الماضي عن خطط لإطلاق رحلات قطارات سياحية إلى دمشق عبر سكة حديد الحجاز، وذلك فور الانتهاء من إعادة تأهيل الجزء السوري من الخط.

ويؤكد انعقاد اجتماعات مجلس التنسيق الأعلى الأردني السوري على المستوى الوزاري أن العلاقات الثنائية دخلت مرحلة جديدة تقوم على التعاون المؤسسي. 

فَخلال المؤتمر الصحفي المشترك، المنعقد في عمّان في أبريل/نيسان، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني وجود خطط لإحياء سكة حديد الحجاز، فيما أكد الجانبان أن مشاريع البنية التحتية المشتركة ستكون إحدى الركائز الأساسية للشراكة المستقبلية.

وقد قوبل هذا الزخم من الجانب الأردني خلال يونيو/حزيران، عندما ترأس وزير الخارجية أيمن الصفدي وفداً وزارياً إلى دمشق. 

حيث ناقش الجانبان فرص التعاون في قطاعات النقل والطاقة والمياه والتجارة والتكامل الاقتصادي، وانتهت الاجتماعات بتوقيع تسع مذكرات تفاهم، إلى جانب التأكيد على أهمية استمرار التنسيق المؤسسي بين البلدين، وذلك بما يدعم تنفيذ المشاريع المشتركة، التي في مقدمتها مشروع السكة الحديدية.

مكاسب إستراتيجية

وأوضحت الكاتبة أنّ مشروع إحياء سكة حديد الحجاز يحمل أبعاداً تتجاوز مجرد تطوير قطاع النقل للأردن؛ إذ يمكن أن يشكل ركيزة أساسية لتعزيز موقع المملكة ضمن شبكات التجارة الإقليمية. 

فالموقع الجغرافي الذي يحتله الأردن بين بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، يمنحه فرصة للعب دور محوري في حركة العبور بين تركيا وسوريا ودول الخليج. ومن شأن ربط السكة شمالاً بتركيا وجنوباً بالمملكة العربية السعودية أن يوفر ممراً برياً أكثر كفاءة لنقل البضائع، ويخفض تكاليف الشحن، ويزيد من سرعة وصول المنتجات إلى الأسواق الإقليمية. 

كما يمكن لهذا المشروع أن يعزز تنافسية القطاع الزراعي الأردني، وذلك عبر تسهيل تصدير المنتجات الزراعية، إلى جانب تنشيط قطاع السياحة، وهذا من خلال إعادة تشغيل الرحلات التاريخية والسياحية بين دول المنطقة.

وأضافت أنّ فوائد المشروع لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب؛ إذ يمكن أن يسهم أيضاً في تعزيز التعاون الأمني بين الدول المشاركة؛ حيث يمكن تطوير آليات مشتركة لإدارة الحدود وتأمين الممرات التجارية وتبادل الخبرات الفنية المتعلقة بإدارة وتشغيل شبكات النقل.

وتبرز مدينة العقبة بصفتها أحد أكبر المستفيدين من المشروع، نظراً لكونها المنفذ البحري الوحيد للأردن على البحر الأحمر. فربط ميناء العقبة بشبكة السكك الحديدية الإقليمية سَيعزز دوره في حركة التجارة العابرة، ويمنحه أهمية متزايدة ضمن سلاسل التوريد الإقليمية، حيث يتم بذلك الربط بين النقل البحري والممرات البرية الممتدة نحو بلاد الشام وتركيا.

في هذا الإطار، وصف وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو العقبة بأنها "جسر بري–بحري"، وذلك في إشارة إلى دورها المهم. وإنّ هذا المشروع سيرفع من قيمتها الإستراتيجية، ويخلق فرصاً استثمارية جديدة في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية.

آفاق النجاح

وأشارت الكاتبة إلى أنّ هذا المشروع، رغم ما يوفره من فرص اقتصادية وجيوسياسية، ما زال مرتبطاً بجملة من التحديات التي ينبغي معالجتها. 

فإعادة تأهيل البنية التحتية داخل سوريا تتطلب استثمارات ضخمة وبيئة أمنية مستقرة، كما أن المشروع يحتاج إلى تمويل طويل الأجل، وتنسيق مؤسسي مستمر بين الدول المشاركة، فضلاً عن تطوير معابر حدودية قادرة على استيعاب الحركة التجارية المتوقعة.

كما يتطلب نجاحه إنشاء منظومة نقل متكاملة، لا تقتصر على إعادة تشغيل خطوط السكك الحديدية، وإنما تشمل تحديث الموانئ والمعابر البرية والمراكز اللوجستية، بشكلٍ يضمن تحقيق التكامل بين مختلف وسائل النقل، ويحول الممر الجديد إلى خيار اقتصادي تنافسي.

في ضوء ذلك، فإن القيمة الحقيقية لمشروع سكة حديد الحجاز لن تقاس بمجرد إعادة إحياء خط تاريخي، وإنما بقدرته على التحول إلى ممر اقتصادي إقليمي فعال، يعزز الترابط التجاري بين تركيا وسوريا والأردن ودول الخليج. 

وبالنسبة لِلأردن، يمثل المشروع فرصة لتحويل موقعه الجغرافي من ميزة كامنة إلى عنصر فاعل في معادلات الاقتصاد الإقليمي، بما يعزز مكانته كمركز للنقل والخدمات اللوجستية، ويرفع من وزنه الجيوسياسي في مرحلة تشهد تصاعد التنافس على مشاريع الربط الإقليمي وإعادة تشكيل الممرات التجارية في الشرق الأوسط.