ضابط إسرائيلي يحذر: مشاعر العداء تتصاعد والسوريون يستعدون لمواجهتنا

"هذا البلد لا يقبل الغزاة، فهؤلاء أشخاص يعرفون القتال، وقد خاضوا الحروب بالفعل"
حذرت صحيفة إسرائيلية من أن استمرار التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا سيزيد من حدة التوتر مع السكان المحليين، مشددة على أن "هذا البلد لا يقبل الغزاة، فهؤلاء أشخاص يعرفون القتال، وقد خاضوا الحروب بالفعل".
وفي تقرير أعدته ليئور بن آري وغال غانوت، سلطت "يديعوت أحرونوت" الضوء على الأهمية الإستراتيجية لقرية عابدين في محافظة درعا، في ظل تصاعد الاحتكاكات بين الجيش الإسرائيلي وسكان المنطقة.
في الوقت نفسه، حذَّر ضابط إسرائيلي رفيع من تزايد مشاعر العداء تجاه إسرائيل بين السكان المحليين، لافتا إلى أن الجماعات المسلحة تواصل تعزيز قدراتها وجمع المعلومات الاستخباراتية بشأن التحركات الإسرائيلية.

توغلات مقلقة
وأشارت الصحيفة إلى أن "المواجهات التي اندلعت بين قوات الجيش الإسرائيلي وسكان منطقة درعا الواقعة ضمن المنطقة العازلة في جنوب سوريا، أبرزت تعقيد الواقع الأمني الذي تشهده تلك الجبهة، والتوتر المتصاعد مع استمرار احتكاك القوات الإسرائيلية بالسكان المحليين".
وتابعت: "بدأت الأحداث بعدما تعرضت قوات إسرائيلية متمركزة في موقع تل كودنة لإطلاق نار، لترد القوات الإسرائيلية بقصف مدفعي وقذائف هاون، قبل أن توسع عملياتها باستخدام مروحية هجومية".
واستطردت: "أجبرت هذه التطورات سكان المنطقة على مغادرة منازلهم، فيما تبين لاحقا أن أحد جنود الاحتياط فقد هاتفا عسكريا خاصا خلال الأحداث، ليقع في أيدي أحد السكان السوريين".
وبحسبها، "أظهرت تسجيلات مصورة نشرت في سوريا سكانا وهم يرشقون القوات الإسرائيلية بالحجارة، قبل أن تتعرض قرية عابدين لقصف مدفعي، ما دفع أعدادا كبيرة من سكانها إلى النزوح نحو القرى المجاورة".
في غضون ذلك، نقلت الصحيفة عن "أحد المراسلين السوريين الذين يغطون التطورات في المنطقة، حديثه عن وقوع عدة حوادث على تلك الجبهة، مدعيا أن القوات الإسرائيلية استهدفت فريقا من قناة "الإخبارية السورية" وعددا من الصحفيين أثناء تغطيتهم لما وصفه بـ"اقتحام" القوات للقرية، مؤكدا عدم وقوع إصابات".
وأضاف المراسل أن "الجيش الإسرائيلي أقام خياما عسكرية إلى الغرب من منطقة قرية عابدين، كما نشر صورة لأحجار وضعت في مواجهة القوات الإسرائيلية".
وعلق المراسل عليها قائلا: "هذه الأرض لا تمنح الغزاة ممرا آمنا. وهذا الشعب لا يقبل الاحتلال ولا يتسامح معه. حتى الأطفال جمعوا ما استطاعوا العثور عليه ووضعوا الحجارة في طريق القوات الإسرائيلية، وكأنهم يقولون إن مروركم لن يكون من دون مقاومة".
وأردفت الصحيفة: "وفي اليوم التالي، ركزت وسائل الإعلام السورية على تطورات ما بعد الاشتباكات؛ حيث بدأ سكان عابدين العودة إلى منازلهم، بينما نفذت قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف" دورية داخل القرية".
ونقلت وكالة الأنباء السورية "سانا" شهادات لسكان القرية، تحدثوا فيها عن حالة الذعر التي سادت المنطقة جراء الهجمات الإسرائيلية؛ حيث قال أحدهم: "تم إخلاء البلدة بالكامل، ولم يبق فيها أحد".
وأضاف أحد السكان: "لا يوجد أي شعور بالطمأنينة. لا تستطيع الذهاب إلى عملك وأنت مرتاح؛ لأنك تبقى قلقا على والدتك وأسرتك".
وفي مقاطع مصورة بثتها وسائل إعلام عربية، قال عدد من أطفال قرية عابدين: "هاجمنا الجنود بالحجارة وطردناهم من قريتنا".
أما على المستوى الرسمي، أصدرت وزارة الخارجية السورية بيانا أدانت فيه الأحداث الأخيرة، وقالت: "ندين الهجمات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية في محافظتي القنيطرة ودرعا".
مضيفة أن "استمرار هذه الممارسات يقوض الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، ويزيد من معاناة المدنيين".
على الصعيد السياسي، أشار التقرير إلى أن "تلك التطورات تأتي في وقت لا تزال فيه المفاوضات بين إسرائيل وسوريا تراوح مكانها، بينما يواصل الرئيس السوري أحمد الشرع تعزيز نفوذه واكتساب مزيد من الشرعية".
وحول موقف دمشق من التوغلات الإسرائيلية المستمرة، أكدت الصحيفة العبرية أن "النظام السوري يعلن بشكل متكرر رفضه للوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وهو موقف يتكرر في تصريحات كبار المسؤولين السوريين، سواء الرئيس أحمد الشرع أو وزير الخارجية أسعد الشيباني".
في سياق متصل، أشار التقرير إلى أن "صحيفة "الأخبار" اللبنانية، المقربة من حزب الله، زعمت أن أحمد الشرع حذر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام من أن إسرائيل (تدفع نحو تقديم تنازلات تدريجية من دون تقديم ضمانات متبادلة، مع الإبقاء على هامش مفتوح يتيح لها توسيع نطاق تحركاتها مستقبلا)".
ولفت إلى أن "هذا الموقف يتسق مع تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع في أبريل/ نيسان 2026، عندما قال: (أحمّل الاتحاد الأوروبي مسؤولية الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية. فهذه الهجمات تقوض الاستقرار والأمن وجهود إعادة الإعمار في سوريا)".

60 توغلا
وسلط التقرير العبري الضوء على الأهمية الإستراتيجية لقرية عابدين في محافظة درعا، مستندا إلى "تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان أفاد بتسجيل أكثر من 60 "توغلا" إسرائيليا داخل الأراضي السورية خلال يونيو/ حزيران 2026".
وبحسب المرصد، فإن "إسرائيل تعزز تدريجيا وجودها في غرب محافظة درعا، بما في ذلك إنشاء نقطتي تفتيش بالقرب من قرية عابدين".
وهي خطوة عدها المرصد "قد تتجاوز الإجراءات الأمنية المؤقتة، وتمثل اختبارا لنمط جديد من السيطرة على الممرات الحيوية والمواقع الجغرافية الإستراتيجية".
وأوضح المرصد أن "قرية عابدين تكتسب أهمية إستراتيجية بسبب موقعها الجغرافي، مرجحا أن تكون هذه الخطوة تمهيدا لتقييم الحاجة إلى تعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة، مع الإشارة إلى أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على إنشاء قاعدة عسكرية كبيرة أو دائمة".
وأضاف أن إسرائيل "تتبع نمطا يقوم على فرض السيطرة على المرتفعات ومداخل القرى والتقاطعات الرئيسة، مع الحفاظ على حرية الحركة الجوية والقدرة على تنفيذ عمليات سريعة للدخول والانسحاب، بما يتيح لها فرض سيطرة أمنية على المنطقة من دون إدارة السكان أو إعلان احتلال مباشر".
وأشار المرصد أيضا إلى أن "أي انتشار مستقبلي، إذا استمرَّ، قد يبدأ بإجراءات ميدانية محدودة، مثل إقامة خيام مؤقتة، وتكثيف الدوريات، وإنشاء نقاط تفتيش، واستخدام معدات للمراقبة والاتصالات، قبل أن يتطور تدريجيا إلى وجود عسكري أكثر استقرارا".
ووفقا لتقرير المركز الحقوقي، فإن "اتساع حرية الحركة الإسرائيلية في غرب درعا قد يؤثر في ميزان القوى بجنوب سوريا، ويحد من قدرة السلطات السورية على حشد قوات كبيرة في المنطقة أو استخدامها نقطة انطلاق لعمليات عسكرية باتجاه محافظة السويداء".
وختم المرصد بالقول: إن "هذه التحركات قد تفضي إلى فرض معادلات ميدانية جديدة وواقع أمني طويل الأمد، تصبح فيه السيطرة على الطرق والمواقع الجغرافية الرئيسة بديلا عن الانتشار العسكري الواسع، بما يؤدي إلى ترسيخ الاحتلال".

عداء متزايد
وفي تعقيبه على تلك التطورات، قال المقدم احتياط إيال درور، الذي ترأس إدارة "الجوار الحسن" خلال سنوات الحرب السورية: إن "التوتر المتصاعد مع السكان المحليين في جنوب سوريا يعكس تعقيدات الواقع الميداني في المنطقة".
وأوضح: "كل ما يحدث هو نتيجة وجودنا وسط السكان المحليين، ولا أعتقد أن ذلك سيقود إلى نتائج إيجابية، خاصة في جنوب سوريا".
وعزا ذلك قائلا: "هذه منطقة يصعب حتى على السلطة السورية فرض سيطرتها عليها؛ حيث كانت قرية عابدين واحدة من أبرز معاقل داعش".
وأضاف: "السكان هناك يعانون من الفقر الشديد، ويعتمدون على أبسط أشكال الزراعة، كما أن مستوى التشدد الديني فيها أعلى مقارنة ببقية مناطق جنوب سوريا، ولا سيما القنيطرة ودرعا".
وأردف: "وحتى خلال العامين الماضيين، ظلت المنطقة تعاني غياب سلطة الدولة، بينما لا يملك أحمد الشرع سوى نفوذ محدود فيها"، على حد تقديره.
واستطرد المسؤول السابق بإدارة "الجوار الحسن" التي كانت تقدم مساعدات إنسانية وطبية مدنية للسوريين المتضررين من الحرب الأهلية في محافظتي القنيطرة ودرعا حتى عام 2018: "أي طرف يدخل إلى تلك البقعة ينظر إليه بصفته جهة غريبة؛ لأنها منطقة مغلقة".
وزعم درور أن تلك المنطقة "شهدت نشاطا لفصائل فلسطينية مسلحة، ما جعلها بيئة خصبة للتطرف الأيديولوجي لدى الجماعات المؤيدة لحماس والتيارات السنية المتشددة، وهي جماعات لا تتردد في الدخول في مواجهات".
وتابع حديثه مشيرا إلى "الاشتباكات التي وقعت بين الجيش الإسرائيلي وسكان قرية كويا في مارس/ آذار 2025، عندما حاولت قوة إسرائيلية دخول القرية الواقعة في ريف درعا، قبل أن تنتهي العملية بقصف القرية عقب اندلاع مواجهات".
وقال: "في نهاية المطاف، نحن موجودون هناك منذ ما يقرب من عامين، ومن وجهة نظر السوريين نحن قوة احتلال".
واستطرد: "يمكننا أن نصف الأمر، من منظور عسكري، بأننا نسيطر عملياتيا على المنطقة، وأن الجيش الإسرائيلي أنشأ طرقا خلفية لتجنب المرور داخل القرى، وكل ذلك صحيح، لكنه يعبر عن الرؤية الإسرائيلية فقط".
وأضاف: "أما الرؤية السورية، فهي أننا قوة احتلال، بل إن النظرة الأكثر تشددا ترى أن سوريا تحررت من احتلال قاس تمثل في نظام الأسد، وأن المنطقة الوحيدة التي لا تزال محتلة اليوم هي جنوب سوريا".
وفي ظل تصاعد الخطاب السوري المناهض لإسرائيل وتعثر المفاوضات بين الجانبين، حذر درور من أن "المشاعر المعادية لإسرائيل ستزداد كلما طال بقاؤها في المنطقة".
وردا على سؤال بشأن الحل الممكن، قال: "الحل كان يتمثل في إطلاق مسار سياسي، ولا يوجد بديل آخر، لكن تحقيق ذلك أصبح اليوم أكثر صعوبة، وإذا استمرت إسرائيل في البقاء داخل الأراضي السورية، فإن سوريا ستظل تستنزفها".
وأردف: "وفي الوقت نفسه، يواصل أحمد الشرع تعزيز موقعه، كما تزداد قوة "الإرهابيين"، فالسلاح متوافر لديهم، وهم يستعدون ويجمعون المعلومات الاستخباراتية".
فيما يتعلق بمزاعم النشاط الإيراني في الجنوب السوري، قال: "قد تكون قدرة الإيرانيين على التحرك في هذه الجبهة أقل مما كانت عليه، سواء من حيث الإمكانات أو الوقت أو تركيز الاهتمام، لكنهم يريدون إعادة إدخال المنطقة في حالة من الفوضى، وتحقيق ذلك ليس بالأمر الصعب، وأعتقد أن وتيرة الاحتكاكات ستواصل الارتفاع".
في المحصلة، خلص درور إلى أن "للأحداث ديناميكيتها الخاصة؛ فالسوري الذي يرى دورية إسرائيلية، ويرشقها بحجر، ثم يلاحظ أن ذلك لم يترتب عليه أي رد، قد يطلق بعد يومين صاروخا مضادا للدبابات".
في هذا السياق، أبدى درور "استغرابه من عدم إطلاق السوريين صاروخ مضاد للدبابات حتى الآن، أو زرع عبوة ناسفة"، مشيرا إلى إنهم "يمتلكون كل هذه الوسائل، ففي النهاية، هؤلاء أشخاص يعرفون القتال، وقد خاضوا الحروب بالفعل".
ونوه الضابط بالجيش الإسرائيلي إلى أن "الجانب السوري ينظر حاليا إلى إسرائيل على أنها طرف يفاقم الانقسامات داخل البلاد، بما في ذلك فيما يتعلق بدعمها للطائفة الدرزية في جنوب سوريا، مشيرا إلى غياب إستراتيجية سياسية إسرائيلية واضحة تجاه هذه الساحة".
وتابع: "الوضع في سوريا يختلف عن الوضع في لبنان، ففي لبنان كان لا بد من الوجود العسكري بسبب وجود تنظيم مسلح أعلن صراحة عزمه على تدميرنا، بينما أحمد الشرع لم يعلن مثل هذا الموقف".
وحذر من أنه "على الساحة الدولية، تبدو إسرائيل في الملف السوري وكأنها الطرف الرافض للسلام، ويجري تصويرها على أنها من يؤجج الصراع".
وأضاف: "في سوريا يمكننا الدفاع عن أنفسنا بوسائل مختلفة، ولا أحد يدعو إلى انسحاب فوري وكامل".
وبحسب تقديره، "كان أحمد الشرع في البداية أكثر انفتاحا مما هو عليه اليوم، والسؤال الآن هو: هل لا يزال بالإمكان إعادة الأمور إلى ما كانت عليه؟"
واستطرد: "أرى أن أي انسحاب إسرائيلي يجب أن يكون مرتبطا بتغيرات على الأرض هناك، وأعتقد أن إسرائيل كان بإمكانها بناء منظومة أمنية كافية لحماية مصالحها، ولو فعلت ذلك قبل عامين، عندما كان العالم يقف إلى جانبها في الملف السوري، لكان بإمكانها استثمار ذلك".
"أما إذا تم التوصل إلى اتفاق مع سوريا في نهاية المطاف، فأرجح أن يكون الثمن الذي ستدفعه إسرائيل أكبر؛ لأن الطرف الذي يدخل المفاوضات من موقع أضعف يضطر عادة إلى تقديم تنازلات أكبر"، وفق تقديره.

















