كيف تحولت تهديدات ترامب إلى فرصة لعُمان وإيران في مضيق هرمز؟

"باختصار، رغم تهديد ترامب... نفذت مسقط ما أرادت"
اتفقت سلطنة عُمان وإيران على تشكيل فريق عمل مشترك لإدارة وتحصيل رسوم الخدمات البحرية في مضيق هرمز، في خطوة بدت متجاهلة لتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب تقارير صحفية، تجنبت الصيغة المستخدمة في الاتفاق الإشارة المباشرة إلى كلمة "رسوم"، واستُعيض عنها بعبارات مثل "الخدمات المقدمة" و"التكاليف المرتبطة بها"، بما يفتح الباب أمام توسيع نظام التعريفات البحرية القائم على الجانب العُماني من المضيق ليشمل ترتيبات مشتركة مع إيران.

منطقة إستراتيجية
وقالت صحيفة “الإسبانيول”: إن هذا التحول يعود في المقام الأول إلى دوافع اقتصادية وخطط تنويع اقتصادي، سعيا للاستفادة من فرصة تحصيل الرسوم بالاشتراك مع إيران في منطقة إستراتيجية.
وأضافت أن ترامب، صرّح خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض، بأن على سلطنة عُمان أن تتصرف كباقي الدول العربية "وإلا فسنضطر إلى تفجيرها".
ولفتت الصحيفة إلى أن “هذا التهديد الذي بُثّ مباشرة على التلفزيون، بدا بمثابة تحذير قاطع لأحد أكثر حلفاء واشنطن موثوقية في المنطقة، وبعد مرور ما يزيد قليلا عن شهر، تغيّر الوضع بشكل ملحوظ”.
ففي 23 يونيو/ حزيران 2026، استقبل السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، في مسقط، للاتفاق على تشكيل فريق عمل ثنائي يُعنى "بإدارة المضيق والخدمات البحرية المستقبلية".
وقبلها، استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السلطان هيثم في قصر الإليزيه. لتعلق الصحيفة: "باختصار، رغم تهديد ترامب... نفذت مسقط ما أرادت".
ونوهت الصحيفة إلى أن الصيغة التي تسعى عُمان وإيران من خلالها لفرض الرسوم تتسم بالدقة والتعقيد في الآن ذاته.
فالإعلان المشترك الموقع في 23 يونيو في مسقط يتجنب استخدام كلمة "رسوم"، ولكنه يشير صراحة إلى "الخدمات المقدمة" و"التكاليف المرتبطة بها" في الإدارة المستقبلية للمضيق، بما يتماشى مع "المعايير الدولية" واحترام "الحقوق السيادية" للدولتين الساحليتين.
وقد عبّر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين، عن الأمر بوضوح أكبر في فعالية أقيمت في طهران: "لن يعود مضيق هرمز إلى حالته قبل الحرب، وستحصل إيران على مقابل مادي مقابل الخدمات المقدمة".
في هذا السياق، هناك تفصيل بالغة الأهمية: فقد دأبت عُمان على فرض ما يعرف تقنيا "برسوم الملاحة" على الجزء التابع لها من المضيق منذ عقود.
وتدير البحرية السلطانية العمانية مركز تحكم في جزيرة ديدامار، وسط المضيق، وتتولى شركة الخدمات البحرية والملاحية العربية - التي يديرها ضباط بحريون سابقون - تحصيل هذه الرسوم لصيانة 167 عوامة ملاحية.
وهذا النظام قائم ومعترف به دوليا، ولم يسبق أن طعنت فيه واشنطن، وما تفعله طهران ومسقط فعليا هو توسيع نطاق هذا النموذج ليشمل بنية تحتية مشتركة تغطي المضيق بأكمله.
يتراجع دائما
ونقلت الصحيفة أن الحركة العمانية، تمثل عمليا، أحدث حلقة في سلسلة طويلة من الهزائم الكلامية لترامب.
ففي 21 يونيو، هدد الرئيس بغزو إيران إذا أغلقت المضيق، مصرحا: "لن يتمكنوا من العودة إلى بلادهم اللعينة"، كما يقول.
وفي 23 يونيو، توعد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بفرض عقوبات صارمة على أي شريك عماني يُسهّل تحصيل الرسوم.
وأخيرا، في 27 يونيو، عاد ترامب إلى موقع "تروث سوشيال" ليزعم أن سعر النفط يتراجع “بفضل إدارتهم”، وفي الوقت نفسه، وبينما كانت كل هذه التهديدات والتهاني تتبادل، وقّعت عُمان وإيران اتفاقية في مسقط لإنشاء فريق عمل ثنائي.
وأوضحت الصحيفة أن تردد ترامب وعدم إيفائه بوعوده، جعل المراقبين والمحللين يطلقون مصطلحا يعرف بـ"ترامب دائما يتراجع".
وتابعت: "في الحقيقة، رأينا ذلك مع الرسوم الجمركية. رأيناه مع أوكرانيا. وتكرر مع نظام تشافيز. رأيناه أيضا قبل أسابيع مع التهديد الذي وُجّه لسلطنة عُمان نفسها، والذي أُطلق بنبرة صبيانية وتمّ تحييده بمناورة دبلوماسية دقيقة".
في الواقع، يهدّد الرئيس، ويجري الحلفاء الإقليميون حساباتهم، ويستنتجون أن ترامب لن يحرّك الأسطول لقصف الإمارة - حيث توجد قاعدة عسكرية أميركية في الدقم - ويستمرون في نهجهم كالمعتاد.
تخلّت عن حيادها
لفهم هذا التحوّل، من الجدير العودة إلى الماضي، توضح صحيفة "الإسبانيول"، فعلى مدى أربعة عقود على الأقل، كانت عُمان بمثابة "قناة مسقط"، ذلك الباب الخلفي الصامت الذي كان الأميركيون والإيرانيون يتحدثون من خلاله عندما يتعذر عليهم التحدث علنا.
كانت عُمان هي التي سهّلت أولى المحادثات السرية حول الاتفاق النووي خلال إدارة باراك أوباما، وهي التي توسطت خلال رئاسة ترامب الأولى، وهي التي استضافت الجولة الأخيرة من المفاوضات في السادس من فبراير/ شباط 2026.
ويمكن تلخيص المبدأ الذي صاغه السلطان الراحل قابوس بن سعيد آل سعيد، الذي وافته المنية في يناير/ كانون الثاني 2020، في عبارة واحدة: "صديق للجميع، عدو لا أحد".
وحافظ ابن أخيه وخليفته، السلطان هيثم، على هذا الحياد، لكنه أرفقه بتحول اقتصادي غيّر الحسابات الإستراتيجية. لأنه، قبل كل شيء، مدير مالي بارع، بحسب الصحيفة الإسبانية.
وتمثلت أولويته في رؤية 2040، وهي خطة التنويع الاقتصادي التي تهدف إلى تقليل اعتماد السلطنة على المحروقات وتحويل مسقط إلى مركز إقليمي للخدمات اللوجستية والمالية والسياحية.
ويرى السلطان هيثم أن استمرار الحرب في المضيق يمثل مشكلة وجودية، إذ يعيق السياحة، ويعرقل الاستثمار، ويشلّ موانئ صلالة والدقم.
ولا يُعزى تحوّله إلى إيران لأسباب أيديولوجية، بل إلى أسباب اقتصادية بحتة، فإذا كان سيُفرض على المرور عبر المضيق رسوم، فمن الأفضل تحصيلها من كلا الجانبين.
في الواقع، حدث هذا التغيير على مراحل، ففي 8 مارس/ آذار 2026، كان السلطان هيثم بن طارق من أوائل قادة العالم الذين هنأوا مجتبى خامنئي على تعيينه مرشدا جديدا لإيران، وهي لفتة غير مألوفة من دولة خليجية، وفي 26 أبريل/ نيسان استقبل عراقجي بالعاصمة مسقط.
يضاف إلى ذلك المقال الذي نشره وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، في مجلة الإيكونوميست، والذي وصف فيه الحرب على إيران بأنها "كارثة"، واتهم إدارة ترامب بـ"فقدان السيطرة على سياستها الخارجية".
وختمت الصحيفة بالقول: "لم تعد مسقط صامتة منذ أشهر، والآن لم تعد محايدة أيضا".
















