تيار الصهيونية المسيحية.. هل يتسبب في خسارة انتخابية فادحة للجمهوريين؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تحت عنوان “إسرائيل تؤجج الصراع الداخلي بين المحافظين في الولايات المتحدة”، سلطت صحيفة «فزغلياد» الضوء على تراجع مستوى التأييد لإسرائيل داخل أوساط الحزب الجمهوري، لا سيما بين فئة الشباب.

وبحسب الصحيفة الروسية المقربة من الكرملين، فإن هذا التطور يعكس انتقال قضية إسرائيل من كونها ملفًا مرتبطًا بالسياسة الخارجية إلى عامل مؤثر في المشهد الداخلي الأميركي، الأمر الذي ينعكس بشكل خاص على الرئيس دونالد ترامب.

صدمة كبيرة

وترى الصحيفة أن "نقطة الضعف الرئيسة داخل معسكر "لنجعل أميركا عظيمة مجددا" (MAGA) اليوم لا ترتبط بفشل الحرب التجارية أو سياسات مكافحة الهجرة، ولا حتى بارتفاع معدلات التضخم أو بشخصية ترامب نفسها".

واستطردت: "بل إن الأمر لا يقتصر أيضا على الإخفاق العسكري في إيران، رغم أن تلك المغامرة كانت الشرارة التي أطلقت انقساما أعمق بكثير".

"في واقع الأمر، إن الصراع المحتدم داخل اليمين الأميركي يرتبط بالدرجة الأولى بالدعم غير المشروط الذي يقدّمه المقربون من ترامب لإسرائيل، وهو دعم لم يعد بالإمكان تفسيره بالتقديرات الجيوسياسية وحدها"، وفق تحليلها.

وأضافت: “بات هذا التساؤل يطرح بصورة متزايدة وعلنية داخل المجتمع الأميركي: لماذا ينبغي لأميركا المسيحية أن تخوض المعارك دفاعا عن نظام يسمح لجنوده بالإساءة إلى الرموز المسيحية؟”

وتقصد الصحيفة ما "حدث في أبريل/ نيسان 2026 حين انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صورة جرى التحقق من صحتها، تظهر جنديا من الجيش الإسرائيلي وهو يحطم بمطرقة رأس تمثال للسيد المسيح المصلوب في قرية دبل المسيحية المارونية جنوب لبنان".

وأردفت: "بعد ذلك، ظهرت تقارير تحدثت عن حوادث أخرى، من بينها تدمير دبابة إسرائيلية لتمثال القديس جورج في جنوب لبنان خلال عام 2025".

وبحسبها، "أثار هذا الحادث ردود فعل واسعة النطاق، إلى درجة دفعت كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر، إلى تقديم اعتذارات علنية ووصف ما جرى بأنه "يتعارض مع القيم الإسرائيلية"، كما أعلن الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق في الواقعة".

واستدركت: "غير أن الاعتذارات الإسرائيلية لم تعد ذات أهمية حاسمة في سياق الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة".

وعزت ذلك إلى أنه "بالنسبة للمحافظين الأميركيين الذين استمعوا لعقود إلى رواية مفادها أن إسرائيل تمثل "ملاذا آمنا للمسيحيين في الشرق الأوسط"، شكلت تلك الصورة صدمة كبيرة".

فقد طرح مقدم البرامج التلفزيونية تاكر كارلسون في برنامجه سؤالا مباشرا: "لماذا يستخدم جندي إسرائيلي مطرقة لتحطيم وجه المسيح؟" وأجاب هو نفسه عليه: "لأن في إسرائيل الكثير من الناس الذين يكرهون المسيحية فوق كل شيء".

وعقّبت الصحيفة: "بالنسبة لملايين المشاهدين الذين يتابعون كارلسون، مثلت هذه الواقعة دليلا بصريا على ما يردده اليمين الأميركي الجديد منذ سنوات، ومفاده أن الدعم غير المشروط لإسرائيل وتزويدها المستمر بالأسلحة الأميركية يتعارضان ليس فقط مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة، بل أيضا مع الدفاع عن المسيحية".

ولفتت الصحيفة إلى أن "كارلسون لم يكن وحده في هذا الموقف؛ إذ انضمت إليه شخصيات إعلامية أخرى".

وقالت: "فعلى سبيل المثال، وظّفت الناشطة والإعلامية الأميركية المحافظة كانديس أوينز هذه القضية ضمن سردية أوسع تتهم المؤسسة اليمينية التقليدية بالتخلي منذ فترة طويلة عن شعار "أميركا أولا" لصالح خدمة أجندات شرق أوسطية لا ترتبط بالمصالح الأميركية المباشرة".

وأضافت أنه "في ظل هذه الأجواء، وجد المعلق السياسي المحافظ بن شابيرو، أحد أبرز الأصوات اليهودية المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، نفسه في دائرة الاستهداف، بعدما كان حتى وقت قريب يعد من أكثر الشخصيات المحافظة حضورا وتأثيرا في الساحة الأميركية".

وتابعت: "إذ تشير وسائل إعلام أميركية إلى حالة من الجمود في نمو جمهوره وتراجع حركة المتابعين لمؤسسته الإعلامية (ذا ديلي واير)".

"فضلا عن عمليات تقليص للوظائف داخل الشركة، في وقت تثير فيه مواقفها المؤيدة بقوة لإسرائيل استياء متزايدا لدى شريحة من جمهور اليمين الجديد".

عقيدة متجذرة

ولفتت الصحيفة الروسية إلى أن "السجالات المتواصلة بين ترامب والبابا ليو الرابع عشر، إلى جانب التجمعات الدينية التي تستضيفها أروقة البيت الأبيض والتي تحولت منذ فترة إلى مادة متداولة للسخرية على الإنترنت؛ تزيد من حدة هذا الجدل".

وبحسب التقرير، فإن "هذه العوامل مجتمعة وفرت بيئة مثالية لانتشار نظريات المؤامرة والتكهنات الغريبة، بما في ذلك مزاعم تصف ترامب بأنه (يهودي متخف)".

واستدرك: "غير أن القضية، تتجاوز هذه الطروحات، فالإدارة الأميركية الحالية تتأثر بالفعل بعقيدة دينية تعرف باسم (الصهيونية المسيحية)".

وأردف: "هذه العقيدة غالبا ما تصور بصورة كاريكاتورية باعتبارها تيارا هامشيا يسعى إلى بناء الهيكل الثالث من أجل التعجيل بنهاية العالم واستدعاء المسيح الدجال، وهو توصيف غير دقيق".

إذ يعتقد التقرير أن "الصهيونية المسيحية تعد عقيدة دينية سياسية مؤثرة، متجذرة بصورة خاصة في أوساط الإنجيليين الأميركيين، وتنظر إلى عودة اليهود إلى الأرض المقدسة وقيام دولة إسرائيل بصفتهما جزءا من نبوءة توراتية".

وأضاف أنه "بالنسبة لكثير من أتباع هذا التيار، يمثل دعم إسرائيل مسألة مرتبطة بالالتزام بالنصوص المقدسة".

واستطرد: "يستند هذا التوجه إلى قراءة حرفية للكتاب المقدس تقوم على الاعتقاد بأن الله وعد بمباركة من يدعمون اليهود ومعاقبة من يعادونهم أو يلعنونهم".

في السياق التاريخي، ذكرت الصحيفة أن "هذه العقيدة لا تعد نتاجا للسياسة الأميركية الحديثة، بل تعود جذورها إلى تيارات البروتستانتية الإنجليزية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، فمنذ عام 1621 بدأ متشددون دينيون مثل هنري فينش بالدعوة إلى عودة اليهود إلى فلسطين".

وتابعت: "وفي القرن التاسع عشر، تولى الإنجيليون البريطانيون بلورة هذه الأفكار بصورة أكثر تنظيما؛ إذ نشر اللورد آشلي كوبر عام 1839 أطروحة تناولت فكرة "شعب بلا أرض"، بينما عمل اللاهوتي البروتستانتي البارز جون داربي على الترويج لمفهوم العودة الجسدية لليهود إلى الأرض المقدسة، بما في ذلك خلال زياراته المتكررة إلى الولايات المتحدة".

ومع ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن "مصطلح "الصهيونية المسيحية" لم يدخل إلى التداول السياسي إلا في منتصف القرن العشرين، قبل أن يترسخ بقوة داخل الولايات المتحدة بحلول نهاية القرن، ولا سيما منذ عهد الرئيس رونالد ريغان".

ووفقا لها، "تحولت هذه العقيدة تدريجيا من نظرية دينية إلى قوة مؤسسية مؤثرة داخل الأوساط المحافظة الأميركية".

رؤيتان متصادمتان 

وتقدر الصحيفة الروسية أن "هذه النقطة تحديدا تمثل جوهر الأزمة التي تعمق الانقسام الحالي داخل الحزب الجمهوري، فإذا كانت إسرائيل مجرد حليف سياسي، فإن مستوى الدعم المقدم لها يبقى قابلا للنقاش".

وأردف: "أما إذا عُدّت جزءا من سردية دينية مقدسة، فإن مساحة الجدل تضيق إلى حد كبير".

وفي هذه الحالة، يعتقد التقرير أنه "يُنظر إلى أي تنازل باعتباره تخليا عن العقيدة، وإلى التشكيك بصفته خروجا عن الإيمان، بينما تصور البراغماتية السياسية على أنها ضعف أخلاقي".

وعليه، ترى الصحيفة أن "الخلاف التقليدي حول السياسة الخارجية تحول إلى صدام بين رؤيتين مختلفتين للعالم: الأولى ترى أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الولايات المتحدة ومصالحها، والثانية تعتبر أن القوة الأميركية ينبغي أن توظف لخدمة ما يعتقد أنه مخطط توراتي".

وتابعت: "تمتلك الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة بنية متكاملة تشمل دعاة ومؤسسات إعلامية وشبكات تمويل ومسارات للحج الديني، فضلا عن شخصيات مؤثرة داخل الأوساط السياسية".

وأردفت: "وفي هذه البيئة تحديدا، حصل قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس والخط المتشدد ضد إيران على دعم قوي للغاية".

ويقدم التقرير بولا وايت كين "كنموذج بارز على التداخل بين هذه الشبكات الدينية ومؤسسات الدولة".

وبحسبه، "تؤدي الداعية التلفزيونية المعروفة، دور المستشارة الروحية لترامب منذ ولايته الأولى، قبل أن تعود رسميا إلى البيت الأبيض عام 2025 بصفة مستشارة أولى في مكتب المبادرات الدينية الذي أعيد تفعيله".

وتابع: "تتبنى بولا وايت كين الصهيونية المسيحية بصورة علنية، وتنظم رحلات حج واسعة إلى الأراضي المقدسة (مجموعة المواقع الدينية المرتبطة بالكتاب المقدس، وتقع أغلبها في فلسطين)".

"كما تربط دعم إسرائيل بما يعرف بـ"عقيدة الازدهار"، التي ترى أن رفاه المؤمنين ونجاحهم يرتبطان بالالتزام بالتعاليم الدينية، ومن بينها ما تصفه بضرورة (مباركة إسرائيل)"، وفق الصحيفة.

ولفت التقرير إلى أن "هذا النهج يثير انتقادات متزايدة، إذ يراه الناخبون غير المتدينين دليلا على ضعف الكفاءة السياسية، بينما يعتبره كثير من المسيحيين المتدينين تجاوزا دينيا غير مقبول".

في سياق متصل، ذكرت الصحيفة أن "بيانات استطلاعات الرأي تظهر تراجعا ملحوظا في مستويات التأييد لإسرائيل بين الإنجيليين الشباب، الذين بات كثير منهم يرفضون ربط السياسة الخارجية بالتفسيرات الدينية والنبوءات التوراتية".

وبحسب تقديرها، فإن "هذا التحول بين الأجيال يحرم الحزب الجمهوري من إحدى كتل التصويت التي اعتمد عليها طويلا، كما يزيد من حدة التناقضات والانقسامات داخل قاعدته الانتخابية".

من ثم، خلصت إلى أن "أي هزيمة قد يتعرض لها الحزب الجمهوري في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 قد تكون أعمق وأكثر خطورة مما تعكسه استطلاعات الرأي الحالية".