لماذا تحولت مراسم تشييع خامنئي إلى حدث سياسي يتجاوز حدود إيران؟

يوسف العلي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

لم يكن تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، ضمن بروتوكولات خاصة بمراسيم امتدت لمدة أسبوع كامل، بعيدا عن الاستغلال السياسي للمناسبة، وجهت من خلالها العديد من الرسائل السياسية إلى دول المنطقة والعالم، بعد حرب خاضتها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

خامنئي الذي قتل بقصف أميركي- إسرائيلي مباغت في يوم 28 فبراير/ شباط 2026، بعد حكم دام 36 عاما، بدأت مراسيم تشييع جثمانه في إيران يوم 4 يوليو، ثم نقل بعدها بأربعة أيام إلى مدينتي كربلاء والنجف في العراق، قبل إعادته ودفنه في مدينة مشهد الإيرانية.

بروتوكول جديد

في يوم 4 يوليو، وضعت اللجنة الإيرانية لتشييع، المرشد علي خامنئي، ضمن المراسم الخاصة بالمناسبة بروتوكولا فريدا لم تعهده المنطقة سابقا، يرتكز على تلاوة آيات قرآنية محددة بالتزامن مع وصول كل وفد إلى مصلى طهران حيث يوضع الجثمان في تابوت بمكان مرتفع.

وتضمن البروتوكول تلاوة آيات قرآنية محددة للوفود المشاركة على النحو التالي:

وفد السعودية: "قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ".

وفد قطر: "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا".

وفد تركيا: "فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا".

وفد حكومة لبنان: "وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ".

وفدا العراق وعُمان: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود".

وفد باكستان: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون".

وفد السليمانية بإقليم كردستان العراق: "إذا جاء نصر الله والفتح.. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا.. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا". أما وفد شيوخ العشائر العراقية: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا".

وفد حزب الله: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ". وفد حركة حماس: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" الأحزاب.

وفد الحوثيين: "وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ".

ورغم أن الطريقة الإيرانية في اختيار الآيات القرآنية مع دول كل وفد، أثار جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن السلطات في طهران لم تعلق على الموضوع فيما إذا كان ذلك متعمّدا.

رسالة للعالم

وفي السياق ذاته، قالت شبكة "سي إن إن" الأميركية، إن إيران تحيي ذكرى رحيل خامنئي، بعد أربعة أشهر من مقتله في مستهل الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، من خلال مراسم تشييع وتأبين تمتد أسبوعا كاملا في خمس مدن داخل إيران والعراق، وسط مشاركة ملايين المشيعين.

وأضافت الشبكة في 3 يوليو، أن "طهران، رغم التداعيات التي خلفتها الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وعقود الضغوط الاقتصادية، تمضي في تنظيم مراسم واسعة تحمل طابعًا دينيًا ورمزيًا، وتتزامن مع احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة".

ونقلت "سي إن إن" عن السلطات الإيرانية أنها أطلقت واحدة من أكبر العمليات اللوجستية في تاريخ البلاد، عبر إشراك موظفي الحكومة والجامعات والنقابات العمالية ورجال الإطفاء والجنود وفرق الإغاثة، إلى جانب مجموعات العزاء الدينية، لتنظيم مراسم الجنازة وإدارة حركة تنقل ملايين الزوار بين المدن والمواقع المقدسة في إيران والعراق.

كما أشارت الشبكة إلى أن السلطات العراقية تتوقع مشاركة ملايين المشيعين في مراسم إلقاء النظرة الأخيرة على خامنئي.

ولفتت إلى أن وسائل الإعلام الإيرانية كثفت تغطيتها للمراسم لأكثر من عشرة أيام؛ حيث تصدرت أناشيد الرثاء والأفلام الوثائقية التي تتناول حياة خامنئي المشهد الإعلامي، متقدمة على أخبار المحادثات مع الولايات المتحدة التي كانت تتصدر العناوين في الفترة السابقة.

وخلصت إلى أن هذا المشهد الضخم يهدف، بحسب تقديرها، إلى توجيه رسالة إلى العالم وإلى خصوم الجمهورية الإسلامية، مفادها أن النظام الإيراني لم يكتفِ بتجاوز الحرب، بل يسعى أيضًا إلى ترسيخ صورة خامنئي باعتباره رمزًا لصمود الدولة الإيرانية.

وفي هذه النقطة، رأى السياسي والنائب العراقي السابق، مشعان الجبوري، أن "النفوذ الإيراني ومليشياتها لم ينته بعد الحرب على إيران، وأن تشييع خامنئي في كربلاء والنجف يمثل استعراضا يفوق استعراض السلاح في العرق".

وأضح الجبوري خلال مقابلة تلفزيونية في 30 يونيو، أن إيران تريد إيصال رسالة للغرب بأن نفوذها في العراق لم ينته، وذلك من خلال خروج جموع كبيرة خلال تشييع جناز علي خامنئي.

ووافقت السلطات العراقية على طلب إيران بإقامة تشييع للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي في يوم 8 يوليو، حسبما أعلن المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي.

كما حث الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم في العراق، جماهيره على المشاركة الواسعة في تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي في الأراضي العراقية، واصفا إياه بأنه "فقيد الأمة الإسلامية".

"برقيات مشفرة"

على الصعيد ذاته، رأى الباحث العراقي، لطيف المهداوي، أن "الآيات القرآنية التي قرأت لحظة دول الوفود على جثمان خامنئي في مصلى طهران، بدت وكأنها رسائل سياسية مشفرة وُجهت إلى كل وفد بحسب موقعه في خريطة التحالفات والخصومات".

وأوضح المهداوي لـ"الاستقلال" أن "الجنازة تحولت إلى منصة دبلوماسية، لأنه في إيران، حتى الجنائز لا تخلو من السياسة، وبينما كانت الوفود تتقدم نحو جثمان خامنئي كانت آيات القرآن ترسم حدود الرسائل: آية للخصوم، وأخرى للحلفاء، وثالثة للمقاتلين".

من جابة، قال الكاتب علي المعموري: إن إيران تستخدم تشييع خامنئي بوصفه فعلًا من أفعال الحداد السياسي؛ أي طقسًا يهدف إلى تجديد الهوية الجماعية عبر شبكتها الإقليمية، وإعادة تأكيد الولاء، وإرسال رسالة مفادها بأن الاستمرارية ما زالت قائمة".

ورأى الكاتب خلال مقال نشره موقع "أمواج ميديا" البريطاني في 3 يوليو، أن القادة السياسيين بعد وفاتهم قد يواصلون “حياتهم السياسية”؛ إذ تتحول تشييعهم، وقبورهم، ومراسم إحياء ذكراهم إلى أدوات لإنتاج الشرعية، وحشد الأنصار، وصياغة الذاكرة التاريخية.

ولفت إلى أن العراق، يشغل أكثر من أي دولة أخرى خارج إيران، مكانة فريدة في كل من التقليد الديني الشيعي والإستراتيجية الإقليمية للجمهورية الإسلامية. ولذلك، فإن مراسم الحداد العامة في كربلاء والنجف ومدن عراقية أخرى تحمل دلالات تتجاوز بكثير مجرد التعبير عن المشاعر الدينية.

وعلى مدى قرون، ير الكاتب، أن العراق شكّل الجغرافيا المقدسة للمذهب الشيعي. فلم تقتصر مدنه على كونها مراكز للعلوم الدينية، بل كانت أيضًا مصدرًا دائمًا للشرعية السياسية لدى الحكام الشيعة، وفقا للكاتب.

وقد دُفن في العراق آخر ثلاثة ملوك من السلالة القاجارية، وهم: مظفر الدين شاه (1896-1907)، ومحمد علي شاه (1907-1909)، وأحمد شاه (1909-1925) في كربلاء، في انعكاس للمكانة الرفيعة التي ارتبطت منذ زمن طويل بالدفن قرب مراقد الأئمة الشيعة، وفقا للكاتب.

وعلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأنه يتابع مراسم تشييع خامنئي، موضحًا أن الإيرانيين قرروا أخذ استراحة لمدة أسبوع من المحادثات، حسبما نشر موقع  "أكسيوس" في 4 يوليو.

وأضاف ترامب، أنه فوجئ ببعض الإيرانيين يبكون خلال الجنازة لأنه كان يعتقد أن الناس يكرهون "خامنئي"، لافتا إلى أنه كان بإمكانه القضاء على جميع القادة في إيران، ولكنه لن يفعل لأنه يبقى أحد حينها للتفاوض معه.

وأشار الرئيس الأميركي إلى أن الإيرانيين قرروا أخذ استراحة لمدة أسبوع من المحادثات إلى حين انتهاء مراسم التشييع، مشددا على أنه لن يطلق أي من الطرفين النار على الآخر خلال فترة تشييع خامنئي.

واختتمت إيران والولايات المتحدة في الأول من يوليو، جولة من المحادثات غير المباشرة دون أي مؤشر على إحراز تقدم نحو سلام ‌دائم، إذ ركزت بدلا من ذلك على قضايا من المفترض أن يكون قد تم حسمها قبل أسبوعين.

ونقلت "رويترز" عن مصادر (لم تسمها) إن مفاوضي البلدين أمضيا يومين في الدوحة يناقشان حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز والحوافز المالية لإيران، وهما ركيزتان من الاتفاق الأولي الذي وقعاه في 18 يونيو، بدلا من مناقشة الموضوعات الأصعب التي كان ​يعتقد أن ذلك الإطار قد مهد الطريق لمناقشتها، في إشارة للبرنامج النووي الإيراني وغيره.