مؤسسة بحثية: هكذا حيدت إيران بنظام "بيدو" الصيني التفوق التقني الأميركي

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لعبت أنظمة الملاحة دورا كبيرا في "النجاح العسكري الإيراني" خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بحسب مؤسسة "أوبزرفر" للأبحاث (ORF).

وقالت المؤسسة الهندية في تقرير حديث لها: إن أنظمة تحديد الموقع والملاحة والتوقيت (PNT) أصبحت من أهم ميادين الحسم في الحروب الحديثة، مشيرة إلى أن توجه إيران نحو استخدام نظام “بيدو” الصيني يعكس كيف يمكن لمفهوم “السيادة الملاحية” أن يحد من تأثير التفوق التكنولوجي التقليدي.

وأضاف التقرير أن الصراعات العالمية الأخيرة أظهرت تصاعد أهمية أنظمة (PNT) وحروب الملاحة، لافتًا إلى ما تعده طهران نجاحًا مستمرًا في مواجهة الضغوط العسكرية الإسرائيلية والأميركية، وهو ما يعكس الدور الحاسم لهذه الأنظمة في طبيعة الحروب الحديثة.

ووفقًا للتقرير، تجلّى ذلك في دقة استهداف الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى الاضطرابات الواسعة في الملاحة البحرية الناتجة عن التشويش على أنظمة تحديد المواقع (GPS) في منطقة مضيق هرمز.

كما أشار إلى أن انتشار الطائرات المسيّرة وتطور تقنيات الملاحة والحرب الإلكترونية أعادا تشكيل طبيعة الصراع العسكري، عبر توفير قدرات منخفضة التكلفة وغير متكافئة تتيح لدول أقل تقدمًا تقنيًا امتلاك وسائل فعالة للمواجهة.

ويرى التقرير أن الصراع مع إيران يوضح أن ضخ الاستثمارات والتطور التكنولوجي لا يضمنان بالضرورة تحقيق تفوق حاسم في ميادين القتال الحديثة، في ظل قدرة البدائل منخفضة التكلفة على إحداث تأثير موازٍ. كما يؤكد على الأهمية المتزايدة لأنظمة (PNT) بصفتها البنية الأساسية التي تعتمد عليها معظم الأنظمة العسكرية والأسلحة الحديثة.

ويضيف أن التجربة الإيرانية تقدم نموذجًا لكيفية إتاحة حلول بسيطة نسبيًا ومنخفضة التكلفة ودقيقة التوجيه لتحقيق مكاسب عملياتية كبيرة في مواجهة منظومات عسكرية تعتمد على استثمارات ضخمة ومتراكمة عبر عقود.
 

سيادة ملاحية

وتستخدم أنظمة تحديد الموقع والملاحة والتوقيت (PNT) على نطاق واسع في المجالات المدنية والعسكرية، إلا أن أهميتها تتضاعف بشكل خاص في المجال العسكري.

وتعتمد العمليات العسكرية بشكل كبير على أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية (GNSS)، مثل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وذلك في مجالات الملاحة، والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR)، والاتصالات، والذخائر الدقيقة التوجيه، وتوجيه الصواريخ، إضافة إلى تشغيل الطائرات المسيّرة والذخائر الجوّالة.

فعلى سبيل المثال، تبرز أهمية نظام (GPS) في الملاحة البحرية، سواء المدنية أو العسكرية، حيث أدى التشويش على الإشارات وانتحالها (spoofing) في منطقة مضيق هرمز إلى تأثيرات واسعة النطاق، ما منح إيران عملياً درجة كبيرة من التحكم في حركة الملاحة البحرية العابرة للمنطقة.

كما أن حصول الجيش الباكستاني على الخدمة العسكرية المخصصة لنظام "بيدو" خلال الحرب بين الهند وباكستان في مايو/أيار 2025، أسهم في تعزيز قدراته العملياتية بشكل ملحوظ، ومنحه أفضلية مهمة في مواجهة الهند، ليصبح عاملاً موازناً في ظل غياب أنظمة مماثلة من الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة.

وبالإضافة إلى أنظمة الملاحة الفضائية العالمية (GNSS)، تعتمد الأنظمة العسكرية أيضاً على بدائل لأنظمة تحديد الموقع والملاحة والتوقيت (PNT)، مثل أنظمة الملاحة الأرضية بعيدة المدى (LORAN)، وإشارات شبكات الاتصالات الخلوية (LTE)، والأنظمة الفضائية التجارية، إلى جانب أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي المثبتة على المنصات، كأجهزة قياس التسارع والجيروسكوبات، والتي توفر دقة نسبية في الملاحة لفترات زمنية محدودة.

وتؤكد التجارب الحديثة، خصوصاً الحرب الروسية–الأوكرانية، الأهمية الحاسمة لهذه المنظومات، إذ أثّر التشويش على أنظمة الملاحة على كلا الطرفين بشكل مباشر.

وتشير تقارير إلى أن التشويش الروسي على نظام (GPS) أدى إلى تراجع دقة إصابة قذائف “إكسكاليبور” الأميركية من 55 بالمئة في يناير/كانون الثاني 2023 إلى 6 بالمئة في أغسطس/آب من العام نفسه.

في المقابل، مكّنت قدرة أوكرانيا على استخدام أنظمة الأقمار الصناعية التجارية مثل "ستارلينك" من الحفاظ على فعالية عمليات الطائرات المسيّرة رغم تراجع البنية التقليدية للملاحة والاتصالات.

وعقب الاضطرابات الواسعة التي شهدتها أنظمة الملاحة خلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو/حزيران 2025، اتجهت إيران إلى التخلي عن نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) الخاضع للولايات المتحدة، لصالح الاعتماد المتزايد على نظام الملاحة الصيني "بيدو".

غير أن هذا التحول لم يكن مجرد قرار طارئ فرضته تطورات ميدانية متسارعة، بحسب التقرير، بل جاء تتويجاً لمسار إستراتيجي امتد لأكثر من عقد، سعت خلاله طهران إلى تعزيز سيادتها التكنولوجية وتقليل اعتمادها على الغرب.

وقد وقّعت إيران مذكرة تفاهم مع الصين عام 2015 لتسهيل دمج نظام "بيدو" ضمن بنيتها الأوسع للملاحة.

مقاومة التشويش

ولاحقا، حصلت إيران على إمكانية الوصول إلى الخدمة العسكرية المخصصة لنظام "بيدو" عقب توقيع اتفاق الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين إيران والصين لعام 2021 لمدة 25 عاما، وهي امتيازات عادة ما تُمنح للحلفاء والشركاء المقربين من الصين، مثل باكستان.

وبالمقارنة مع نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، صُممت إشارات نظام "بيدو" لتكون أكثر مقاومة للتشويش على أنظمة تحديد المواقع والملاحة والتوقيت (PNT)، وأكثر صمودا في مواجهة حرب الملاحة.

فعلى سبيل المثال، تستخدم الإشارة العسكرية (B3A) في نظام "بيدو-3" تقنيات القفز الترددي وآلية مصادقة رسائل الملاحة، ما يجعلها أكثر قدرة على مقاومة التشويش والتزييف.

وعلاوة على ذلك، يوفر النظام ثلاثي الترددات دقة أعلى من نظام (GPS)، بما ينعكس في تحسين دقة توجيه بعض الصواريخ مثل "ذو الفقار".

وقد أسهمت هذه القدرات، بحسب تقارير، في نجاح إيران في تنفيذ ضربات صاروخية ضد إسرائيل، من بينها استهداف محطة رادار قرب حيفا اخترق منظومة "القبة الحديدية".

كما طُرحت تقديرات تفيد بأن صاروخا باليستيا إيرانيا أُطلق باتجاه القاعدة العسكرية الأميركية–البريطانية المشتركة في دييغو غارسيا في 20 مارس/آذار 2026 تمكن من بلوغ هدفه على مسافة تتجاوز 4000 كيلومتر، رغم اعتراضه لاحقا.

ويُعد نظام "بيدو-3" النظام العالمي الوحيد للملاحة عبر الأقمار الصناعية الذي يوفر خاصية الرسائل القصيرة، والتي تعمل كشبكة اتصالات تكتيكية ثنائية الاتجاه قادرة على نقل حزم بيانات تصل إلى 560 بت عبر روابط الأقمار الصناعية لمسافات تصل إلى 2000 كيلومتر.

وقد أتاح ذلك، بحسب تقديرات، نقل بيانات الاستطلاع التي تجمعها الأقمار الصناعية الصينية مباشرة إلى الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية خلال حرب الاثني عشر يوما، بما عزز دقة الاستهداف عبر تعديلات ديناميكية لمسارات الطيران تُدار بخوارزميات مبرمجة مسبقا على متن المنظومات، كما أتاح تنفيذ مناورات تفادٍ لتجنب الاعتراض.

وبالإضافة إلى "بيدو"، يُرجّح التقرير أن إيران استخدمت أيضا نظام الملاحة الروسي "غلوناس" (GLONASS). ويُعد أحد العناصر الحاسمة في الأداء العسكري الإيراني المرونة العالية لطائرات "شاهد" المسيّرة منخفضة الكلفة.

وتُصنّف هذه الطائرات ضمن فئة الذخائر الجوّالة، ما يعني أنها لا تُدار عن بعد وتعتمد كليا على أنظمة الملاحة في التشغيل وتحديد الأهداف.

وتشير الأدلة إلى أنها تستخدم مزيجا من أنظمة (GNSS) بما في ذلك (GPS) و(GLONASS)، إلى جانب أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي، لتحسين دقة الاستهداف.

كما تعتمد على تدابير مضادة للحرب الإلكترونية، مثل هوائيات نمط الاستقبال المتحكم به (CRPA)، للتقليل من أثر التشويش والانتحال.

وفي موازاة ذلك، تعمل إيران على تطوير نظام ملاحة محلي عبر مشروع "هودا" للتموضع المحلي منذ عام 2016، إلا أن قدراته ما تزال محدودة ولا تغطي نطاقا وطنيا كاملا.

كذلك، تعمل مؤسسات مثل "جامعة طهران" و"جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا" على تطوير منصات وبرمجيات محلية لدمج بيانات تحديد المواقع والملاحة والتوقيت من عدة أنظمة (GNSS)، بما في ذلك (GPS) و(GLONASS) و(Galileo) و"بيدو"، بهدف تقليل تأثير التشويش وتوفير تصحيحات آنية للإشارات.

وقالت المؤسسة الهندية: إن الحرب الإيرانية تسلط الضوء على أهمية إدراك ومعالجة نقاط الضعف المرتبطة بأنظمة تحديد الموقع والملاحة والتوقيت ضمن العقيدة العسكرية طويلة الأمد للدول، مع التركيز على تنويع الاعتماد على أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية (GNSS) وتطوير القدرات المحلية المستقلة.

كما تعكس هذه الحرب أهمية بناء قدرات مضادة في الفضاء، ولا سيما في مجالي الحرب الإلكترونية وحرب الملاحة.

وبناء على ذلك، يصبح التكيف مع أنماط الحرب الحديثة من خلال إستراتيجيات دقيقة ومنخفضة الكلفة أكثر أهمية من مجرد زيادة حجم الاستثمارات أو حتى الاكتفاء بالتقدم التكنولوجي، في بيئة قتالية عالمية تتسم بتسارع التحول والتغير، وفق التقرير.