حالة ارتباك.. هل تخلت واشنطن عن حلفائها الخليجيين في اتفاقها مع إيران؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد أكثر من مئة يوم من الحرب وثلاثة أشهر من المفاوضات، تم التوصل إلى مذكرة تفاهم قدمت بموجبها الولايات المتحدة تنازلات لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز. 

وأشارت صحيفة "الإندبندينتي" الإسبانية إلى أن مضيق هرمز الإستراتيجي كان مفتوحا أمام حركة الملاحة التجارية المعتادة قبل أربعة أشهر فقط، أي قبل بدء الهجوم.

وبموجب الاتفاق الجديد، التزم النظام الإيراني بعدم إنتاج أسلحة نووية، وهو التزام كان قائما بالفعل قبل ثماني سنوات، قبل انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق الذي أبرمه باراك أوباما عام 2015.

رد فاتر

وقالت الصحيفة: إن الاتفاق أبرم في 17 يونيو/ حزيران 2026، قبل الموعد المتوقع بيوم، وكانت الولايات المتحدة قد نشرت النص الكامل للمذكرة في مساء اليوم ذاته، والذي لا يختلف كثيرا عما نشرته وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية عند الإعلان عن توقيع الاتفاق.

في هذا السياق، أوضحت الباحثة في مركز الدراسات العربية المعاصرة، ليلى حمد زاهونيرو، لصحيفة "الإندبندينتي"، أن التفاصيل التي نشرتها وكالة أنباء “مهر” الرسمية أعطت انطباعا بـ"انتصار مطلق لإيران"، وراهنا، تؤكد قرارات الولايات المتحدة هذا الرأي.

في الحقيقة، لاقى الحل الدبلوماسي للحرب في الشرق الأوسط، بين الولايات المتحدة وإيران، ترحيبا واسعا من معظم دول المنطقة. 

فبعد أشهر من الهجمات التي ألحقت ضررا بالغا بالاقتصاد في هذه المنطقة، رحَّبت دول الخليج المتحالفة مع البيت الأبيض بنهاية صراع لم تكن هي من بدأته، بل عانت منه أشد المعاناة أكثر من أي طرف آخر من الأطراف المتورطة فيه.

مع ذلك، يثير الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران مخاوف جدية بشأن استقرار المنطقة التي أصبحت ضحية للصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

وفي الاجتماع الأخير لمجلس التعاون الخليجي، أشار الأمين العام للمجلس، جاسم محمد البديوي، إلى أن هذه الدول اعترضت أكثر من سبعة آلاف صاروخ باليستي وطائرة مسيرة أطلقها النظام الإيراني على أراضيها خلال الأشهر الثلاثة من النزاع.

ونتيجة للتنافس مع نظام إيران لسنوات، شهد زعماء الخليج كيف أصبحت القواعد الأميركية في بلدانهم أهدافا لهجمات طهران. 

في هذا السياق، أوضح أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة مدريد المستقلة، إغناسيو غوتيريز دي تيران، أن "أمام الهجوم الإيراني على القواعد الأميركية في الخليج، رد الجيش الأميركي بشكل فاتر، مما أثار شعورا (بالتقزيم والخيانة) لدى حلفائه الإقليميين". 

وأضاف غوتيريز دي تيران لصحيفة "الإندبندينتي"، "وهو شعور يعززه أكثر مضمون الاتفاق مع إيران، وهي المستفيد الأكبر من المفاوضات".

وداعا للقواعد

من بين التنازلات العديدة التي قدمها ترامب في اتفاقه مع إيران، يبرز تنازل لافت للنظر، وإن كان قد مرّ دون أن يلاحظه أحد تقريبا، في نهاية البند الرابع: "تلتزم الولايات المتحدة بسحب قواتها من محيط إيران في غضون 30 يوما من توقيع الاتفاق النهائي". وهو وعد غامض، قابل لتفسيرات متعددة.

ونوهت الصحيفة إلى أن هذه العبارة لفتت انتباه الباحث في معهد الشرق الأوسط، جيسون كامبل. 

وأوضح الخبير أن الجهات الإيرانية قد ترى أن هذا الالتزام يعني "ضرورة سحب جميع القوات الأميركية من الشرق الأوسط بالكامل".

ويرى كامبل أن هذه الفقرة تجسد "افتقار مذكرة التفاهم إلى الدقة"، وما يترتب على ذلك من خطر محاولة كلا الجانبين فرض تفسيراته الخاصة على جوانب رئيسة من المذكرة.

ويشارك غوتيريز دي تيران باحث “معهد الشرق الأوسط” الرأي. 

وبصفته عضوا في المجلس الأكاديمي لمركز الدراسات العربية المعاصرة، يعتقد أن "هذا البند من الاتفاق لن ينفذ". 

ومع ذلك، أوضح أن الإيرانيين عندما يتحدثون عن "القرب"، فإنهم يشيرون إلى القواعد الأميركية في المنطقة. 

وأضاف: "يفترض الإيرانيون أن هذا أمر مسلَم به، لكن القواعد ستبقى؛ لا أحد يتوقع أن تسحب الولايات المتحدة قواتها العسكرية من الكويت".

واتفق الخبيران على أن السيناريو الأرجح هو "سحب الأميركيين لقواتهم البحرية من المنطقة"، مع أن كامبل لا يستبعد احتمال أن "يضغط النظام الإيراني على واشنطن لسحب كامل قواتها العسكرية من الخليج". 

في الآن ذاته، يرى الخبير أن تخلي الولايات المتحدة عن المنطقة "أمر مستبعد"، إلا أنه يعد "إعادة تقييم شاملة" أمرا ممكنا في المستقبل البعيد. 

وقال: "سيشمل ذلك ليس فقط كبار المسؤولين السياسيين الأميركيين، بل أيضا قادة الدول المضيفة التي استثمرت مواردها الخاصة لدعم الوجود الأميركي".

أدنى مستوياتها

خلال هذه الحرب، شهدت دول الخليج هجمات على مواقع أميركية أو مناطق ذات وجود أميركي على أراضيها، دون أن تحرك واشنطن ساكنا لمنع ذلك. 

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تكبدت هذه الدول أيضا خسائر فادحة في بنيتها التحتية للطاقة. 

ففي حالة قطر، أدت الهجمات الإيرانية على رأس لفان، أكبر مجمع غاز في العالم، المسؤول عن خمس إمدادات العالم، إلى تدمير ما يقرب من 20 بالمئة من إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال.

وأعقب الدعم الأولي للهجوم من بعض الدول الأكثر عداء لإيران، مثل الإمارات، شعورا بالتخلي من جانب شركائها الأميركيين، الذين تفاوضوا مع الإيرانيين دون مراعاة وجهة نظرهم. 

وفي تحليل لمؤسسة أوبزرفر للأبحاث، كتب الباحث مهدي غلوم أن "تناقضات واشنطن تفاقم الإحباط في دول الخليج".

بالنسبة للمنطقة، ينظر إلى وجود القواعد الأميركية على أراضي هذه الدول على أنه لا يضمن أمنها. 

وعلى عكس ذلك، تجلى أن الأميركيين لم يبدوا اهتماما يذكر بوقف الهجمات. 

ولخص غوتيريز دي تيران الأمر قائلا: "ترك ترامب انطباعا بأن الولايات المتحدة دخلت في صراع ثم انسحبت منه عندما ناسبها ذلك، مهمشة مصالح هذه الدول في مرتبة ثانوية مقارنة، على سبيل المثال، بإسرائيل التي لطالما حظيت بمعاملة من الدرجة الأولى".

ونظرا لهذه المعطيات، يعتقد خبير مركز أبحاث العلاقات الخارجية في أوروبا الوسطى والشرقية أنه من المرجح أن تعيد دول الخليج تقييم أولويات علاقاتها مع البيت الأبيض.

وبالتالي، ثمة احتمال أن "يظهر محور إقليمي جديد، يضم دولا مثل السعودية وتركيا، أو حتى باكستان، في محاولة لصياغة بديل خاص بها وتطوير قدرتها على العمل بشكل مختلف في حال نشوب صراعات من هذا النوع مجددا".

وقالت صحيفة الإندبندينتي: ”في معضلة المنطقة الجيوسياسية، تبقى إيران الحلقة المفقودة؛ فقد استفادت من الاتفاق مع الولايات المتحدة إلى حد جعل من الممكن أن تدفع الدول المجاورة التي هاجمتها مبلغ الثلاثين مليار دولار لإعادة إعمارها". 

وتابعت: “وبذلك، بات من الواضح أن البيت الأبيض لن يواجه نظام خامنئي، على الأقل في الوقت الراهن، وسيتعين على دول الخليج التصرف وفقا لذلك”.