علاقة باكستان بالإمارات تدخل مرحلة رمادية.. أسباب التوتر ومآلاته

حسن عبود | منذ ٩ ساعات

12

طباعة

مشاركة

خلال الأشهر الأخيرة، تتحرك العلاقة بين أبوظبي وإسلام آباد في مساحة رمادية، يتداخل فيها الهدوء الرسمي مع مؤشرات توتر متراكمة، من سداد وديعة إماراتية كبيرة في توقيت مالي ضاغط على باكستان، إلى ترحيل آلاف الباكستانيين من الإمارات.

وتتسع هذه المؤشرات مع انتقال التوتر إلى دوائر السياسة والأمن الإقليمي؛ حيث تتقدم الشراكة الإماراتية الهندية نحو المجال الدفاعي، في وقت تعمّق فيه باكستان ارتباطها الأمني بالسعودية، وتتعامل بحذر مع ملف إيران. 

فهل تعبر العلاقة بين الطرفين عن برود قابل للاحتواء، أم أن تغيّر التحالفات في الخليج وجنوب آسيا يدفع الشريكين القديمين نحو افتراق سياسي أعمق؟

إشارات الضغط

ظهر أول مؤشر مباشر في ملف الوديعة الإماراتية، ففي أبريل/نيسان 2026، واجهت باكستان استحقاقًا ماليًا ثقيلًا تمثل في سداد 3.5 مليار دولار للإمارات، وهي وديعة كانت أبوظبي قد وضعتها لدى البنك المركزي الباكستاني منذ عام 2018 لدعم ميزان المدفوعات. 

ووفق تقرير نشرته وكالة رويترز في 7 أبريل، كانت الوديعة تُمدد سابقًا، أولًا على أساس سنوي ثم على أساس شهري، قبل أن تسددها إسلام آباد كاملة عند حلول أجلها، في وقت بلغت فيه احتياطياتها الأجنبية نحو 16.4 مليار دولار، ما جعل قيمة السداد تعادل نحو 18 بالمئة من الاحتياطي.

هذه النسبة منحت الملف بعدًا سياسيًا، كون باكستان التي تعاني ضغطًا خارجيًا على السيولة كانت تميل عادة إلى تمديد الودائع الخليجية أو إعادة تدويرها ضمن تفاهمات جديدة، لا إخراج مبلغ كبير دفعة واحدة. 

لذلك فتح التوقيت باب التأويل حول ما إذا كان السداد مجرد استحقاق مالي، أم رسالة ضغط في علاقة بدأت تفقد شيئًا من مرونتها القديمة؟

وقدمت وزارة الخارجية الباكستانية تفسيرًا ماليًا للخطوة، نافية أن يكون السداد مرتبطًا بخلاف جيوسياسي مع الإمارات، ومؤكدة أن إعادة الوديعة جاءت ضمن الالتزامات المالية للبلاد ومع برنامج صندوق النقد الدولي.

في المقابل، قدم غلام علي، الباحث الأول في مركز دراسات السلام العالمي بجامعة National Chung Hsing في تايوان، قراءة أكثر تحفظًا وذلك في مقالة نشرها مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في 21 يونيو/حزيران 2026.

وقال علي: إن رواية تراجع العلاقات تشكلت من ربط أحداث متفرقة ببعضها، من صعود علاقة أبوظبي بنيودلهي إلى اقتراب إسلام آباد من الرياض وحذرها في حرب إيران، لكنه يرى أن كثيرًا من هذا الاضطراب صنعته القراءة الإعلامية أكثر مما صنعته مواقف رسمية معلنة. 

وقالت صحيفة South China Morning Post، اليومية ومقرها هونغ كونغ، في 11 أبريل 2026: إن أبوظبي كانت تطلب سداد الوديعة قبل أيام من مساعدة باكستان في ترتيب وقف إطلاق النار في حرب إيران، وإن الخطوة رافقتها موجة انتقادات إماراتية على مواقع التواصل ضد موقف إسلام آباد. 

ونقل التقرير ردًا إماراتيًا متداولًا يقول: “نسمع دبلوماسية، لكن لا نسمع وضوحًا”، في إشارة إلى أن المشكلة لم تكن مالية فقط في نظر بعض الأصوات الإماراتية.

وفي منتصف أبريل 2026، دخلت السعودية على خط السيولة الباكستانية، فقد أكد وزير المالية الباكستاني محمد أورنغزيب أن الرياض وافقت على تقديم 3 مليارات دولار دعمًا إضافيًا لبلاده، كما أكد متحدث باسم وزارة المالية بالمملكة الاتفاق على الوديعة.

وفي القراءة المالية، تظهر الرياض كمنقذ للسيولة الباكستانية، ولكن سياسيا، يفتح التزامن سؤالًا حول اختلاف حسابات أبوظبي والرياض تجاه إسلام آباد في لحظة ضاغطة.

ويتعلق المؤشر الثاني بملف الجالية الباكستانية في الإمارات، ففي مايو/أيار 2026، قالت صحيفة Dawn اليومية الباكستانية الناطقة بالإنجليزية: إنه جرى إحالة ملف ترحيل باكستانيين من الإمارات إلى لجنة في مجلس الشيوخ الباكستاني.

وجاء ذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية في إسلام أباد أن 3494 مواطنًا باكستانيًا رحلوا بين يناير/كانون الثاني وأبريل 2026 لأسباب قالت: إنها مرتبطة بمخالفات قانونية أو شؤون إقامة.

وفي الشهر نفسه، قال المتحدث باسم الخارجية الباكستانية طاهر أندربي: إن السلطات أصدرت نحو 1500 وثيقة سفر طارئة لإعادة مواطنين في إطار إجراءات عفو وإقامة، وإن الملف لا يحمل دافعًا سياسيًا.

هذه الرواية الرسمية اصطدمت برواية أخرى أكثر حساسية، ففي 25 مايو 2026، نشرت رويترز تقريرًا نقلت فيه عن قاعدة بيانات لحزب مجلس وحدة المسلمين في باكستان أن نحو 7500 باكستاني شيعي رحلوا من الإمارات منذ 28 فبراير/شباط 2026.

ونفت السلطات الباكستانية أن يكون الترحيل قائمًا على أساس طائفي، وذكرت أن الحالات مرتبطة بمخالفات قانونية وإدارية، لكن التوقيت أبقى باب الشك مفتوحًا، خاصة أن الترحيلات جاءت في ظل حرب إيران وما أثارته من حساسية أمنية وطائفية داخل الخليج. 

ومع وجود نحو 1.8 مليون باكستاني في الإمارات، وتحويلات سنوية تتجاوز 6 مليارات دولار، بحسب تقديرات أوردتها رويترز في تقريرها عن الترحيلات، لم يعد الملف مسألة هجرة فقط، بل صار اختبارًا لأحد الأعصاب الاقتصادية في علاقة البلدين.

ولا تأتي حساسية الترحيلات من عدد المرحلين وحده، بل من موقع الجالية الباكستانية في اقتصاد إسلام أباد وفي العلاقة مع الإمارات. 

وذكرت منصة Mettis Global الباكستانية المتخصصة في بيانات الأسواق والاقتصاد أن تحويلات العاملين إلى باكستان بلغت 4.25 مليارات دولار في مايو 2026، جاء منها 1.01 مليار دولار من الإمارات، بينها 828 مليون دولار من دبي وحدها. 

الهند في حسابات الإمارات

في خلفية هذا التوتر الثنائي، تتحرك الإمارات بسرعة نحو شراكة أعمق مع الهند، الخصم التاريخي لباكستان؛ إذ لم يعد التحول محصورًا في التجارة والطاقة، وبدأ يأخذ بعدًا دفاعيًا واضحًا. 

ففي 19 يناير 2026، انتقلت الشراكة الإماراتية الهندية خطوة إضافية مع إعلان صفقة غاز مسال بقيمة 3 مليارات دولار لمدة 10 سنوات، تحصل بموجبها الهند على نصف مليون طن سنويًا.

ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن مكانة الإمارات في الاقتصاد الهندي، ففي 15 مايو 2026، نشر مكتب الإعلام الصحفي الهندي (رسمي) بيانًا أعقب زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى أبوظبي، أشار فيه إلى أن تجارة السلع بين الطرفين بلغت 101.25 مليار دولار في السنة المالية 2025 - 2026.

وتحدث البيان عن أن الجانبين يتطلعان إلى رفع التجارة إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2032، مشيرا إلى تطلعهما إلى إطار شراكة دفاعية يشمل التعاون الصناعي والتقني وتوسيع التدريبات العسكرية المشتركة وأمن البحار والفضاء السيبراني. 

هذا التحول ينسجم مع اتجاه أوسع في علاقات الهند بالخليج، ففي 3 يونيو 2025، كتب جوناثان فولتون في موقع المجلس الأطلسي أن عمق العلاقات الهندية الخليجية، مع الزخم الأخير لهذه الشراكات، يخلق أساسًا قويًا لاندماج أكبر بين نيودلهي والشرق الأوسط خلال العقود المقبلة. 

ولفت إلى أن الهند ليست شريكًا تجاريًا آسيويًا فقط بل دولة منغمسة في النسيج الاجتماعي للخليج بفضل العمالة والروابط العائلية والدينية والتجارية.

بالنسبة للإمارات، تعني هذه الشراكة تنويعًا في مصادر القوة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. وبالنسبة لباكستان، تعني أن أبوظبي تقترب دفاعيًا من دولة لا تنظر إليها إسلام آباد كشريك تجاري عادي، بل كمنافس عسكري ونووي مباشر.

وزاد هذا البعد حساسية بعد تقرير حصري نشرته رويترز في 22 يونيو 2026، قالت فيه إن الهند تجري محادثات لبيع صواريخ براهموس الأسرع من الصوت ومنظومة آكاش تير للدفاع الجوي إلى الإمارات. 

براهموس الذي تطوره الهند مع روسيا، ليس مجرد منتج عسكري عادي في الوعي الباكستاني؛ لأنه جزء من صورة نيودلهي كقوة صاروخية متقدمة في جنوب آسيا. 

وإذا انتقلت الإمارات من شراء الطاقة وتوسيع التجارة مع الهند إلى شراء منظومات عسكرية هندية، فإن العلاقة الإماراتية الهندية تدخل في مساحة جديدة قد تراها باكستان مزاحمة مباشرة لمكانتها الأمنية القديمة في الخليج.

وتعود حساسية هذا التحول إلى أزمة مايو 2025 بين الهند وباكستان، وهي واحدة من أخطر المواجهات بين الجارتين النوويتين منذ عقود. 

وجاء التصعيد بعد هجوم بهلغام في الشطر الخاضع للهند من جامو وكشمير في 22 أبريل، والذي قتل فيه 26 شخصًا، واتهمت نيودلهي إسلام أباد بالوقوف خلفه.

وفي 7 مايو، ردت الهند بضربات عبر الحدود استهدفت ما قالت إنها بنى تحتية لمسلحين داخل باكستان. وخلال الأيام التالية، تبادل الطرفان القصف بالصواريخ والطائرات المسيرة والمدفعية، قبل إعلان وقف إطلاق النار في العاشر من نفس الشهر.

ويخلص مركز BASIC البريطاني، المتخصص في نزع السلاح والمخاطر النووية، إلى أن الأزمة كشفت الدور الحاسم للتصورات المتبادلة في إدارة التصعيد وخفضه، وهو ما يفسر لماذا لا تقرأ باكستان تقارب الإمارات مع الهند كملف اقتصادي عادي.

خلال تلك الأزمة، استخدمت الإمارات لغة دبلوماسية تدعو إلى ضبط النفس واستئناف الحوار، في لحظة كانت فيها نيودلهي تتقدم بسرعة في حسابات أبوظبي الاقتصادية والدفاعية.

بين السعودية وإيران

في الجهة الأخرى من المعادلة، أعادت باكستان ترتيب بعض أولوياتها الخليجية والإقليمية، ففي 17 سبتمبر/أيلول 2025، وقعت إسلام أباد مع الرياض اتفاق دفاع متبادل ينص على أن أي اعتداء على أحدهما يعدّ عدوانا على الآخر.

بهذا النص، خرج التعاون العسكري القديم بين الرياض وإسلام آباد من إطار الخبرات والتدريب والتنسيق التقليدي إلى صيغة ردع معلنة تستند إلى مكانة باكستان كدولة نووية وجيش كبير في جنوب آسيا.

ورأت الباحثة إليونورا أرديماني خلال مقال نشره المجلس الأطلسي في 26 سبتمبر 2025، أن الاتفاق السعودي الباكستاني يمثل أداة “ردع مزدوج” بالنسبة للرياض، وأنه يعكس رغبة سعودية في إعادة تشكيل معادلة الأمن الخليجي. 

وتضيف أن تراجع الثقة بالردع الأميركي واستمرار التهديد الإيراني وتوسع السلوك العسكري الإسرائيلي في المنطقة، كلها عوامل تدفع السعودية ودول الخليج إلى بناء طبقات متعددة من الردع.

وبالنسبة للإمارات التي حافظت تاريخيًا على علاقة أمنية مهمة مع باكستان، يطرح الاتفاق سؤالًا حول ما إذا كانت الرياض باتت تستحوذ على الموقع الأمني الباكستاني الأكثر حساسية داخل الخليج.

وتذهب أرديماني إلى أن الاتفاق قد يضيف طبقة أمنية جديدة في الخليج، وربما يفتح الباب أمام ترتيبات مشابهة بين قوى خليجية وآسيوية أخرى.

وأشارت إلى احتمال أن تكون الإمارات والهند من بين الأطراف التي تملك مصلحة في استكشاف صيغة دفاعية أعمق، مع تأكيدها عدم وجود دليل معلن على ذلك حتى الآن.

التزامن بين الاتفاق الدفاعي السعودي الباكستاني والدعم المالي السعودي اللاحق زاد هذا السؤال حضورًا. 

ثم جاءت طهران لتضع العلاقة أمام اختبار سياسي أشد تعقيدًا، ففي فبراير 2026، اتسعت الحرب في المنطقة بعد ضربات تعرضت لها إيران من إسرائيل والولايات المتحدة، قبل أن ترد الجمهورية الإسلامية بهجمات صاروخية على السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى. 

ووفق ما ورد في بيان وزارة الخارجية الباكستانية في تلك الفترة، أدانت إسلام آباد الهجمات على إيران واستنكرت في الوقت نفسه الضربات الإيرانية على السعودية والإمارات والبحرين والأردن والكويت وقطر، ودعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس واستئناف الدبلوماسية.

وخلال الأزمة، قال مكتب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف: إن الأخير أجرى اتصالًا بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للتعبير عن إدانة باكستان للتصعيد الإقليمي، وعن تضامنها مع السعودية ودول الخليج.

كما أعلن مكتبه إجراء اتصال برئيس الإمارات محمد بن زايد، أكد خلاله تضامن باكستان ودعمها للإمارات في الأزمة. 

وتكشف هذه اللغة المزدوجة مأزق باكستان في لحظة إقليمية ضاغطة، فهي تدين الهجمات على إيران، وتعلن التضامن مع السعودية والإمارات، وتدعو في الوقت نفسه إلى وقف التصعيد والعودة إلى الدبلوماسية.

 لذلك تحاول باكستان أن تكون وسيطًا أو صمام تهدئة عندما تكون إيران طرفًا في الحرب، بينما تنتظر عواصم خليجية، وفي مقدمتها أبوظبي والرياض، مواقف أكثر وضوحًا عندما تتعرض أراضيها أو مصالحها لهجمات.