السودان في مرمى القتال.. ماذا يعني تمدد حرب إثيوبيا وتيغراي؟

قد تتحول أي مطاردة للمقاتلين عبر المساحة الحدودية غير المحكمة إلى مواجهة بين الجيشين السوداني والإثيوبي
عادت المواجهة بين الجيش الإثيوبي وقوات دفاع تيغراي إلى الواجهة من نقاط متباعدة في شمال البلاد، تمتد المسافة بين طرفيها لأكثر من ألف كيلومتر، من الحدود الإريترية إلى التخوم السودانية.
ففي الأول من أغسطس/ آب 2026، اندلع القتال شمال غربي تيغراي قرب السودان؛ حيث لم تعد الأزمة اشتباكا حدوديا محدودا، بعد أن تداخلت فيها قضية الأراضي المتنازع عليها، وتعثر نزع سلاح قوات تيغراي، وازدواج السلطة داخل الإقليم، ووجود القوات الإريترية، فضلا عن الاتهامات المتبادلة بشأن استخدام الأراضي السودانية في الإمداد والهجوم. فكيف عاد الطرفان إلى القتال، وهل يبقى الصراع داخل إثيوبيا أم يتحول إلى حرب إقليمية؟
خريطة قتال تتسع بين حدودين
بدأ التصعيد الأخير عندما اندلعت مواجهات بين الجيش الإثيوبي وقوات دفاع تيغراي في محيط شيرارينا القريبة من السودان. ثم امتدت الضربات إلى ميريوا جنوبي الإقليم، قرب الحدود مع أمهرة، ما كشف قدرة الصراع على الانتقال بين محاور متباعدة.
وقالت جبهة تحرير شعب تيغراي: إن الجيش الإثيوبي شن هجوما واسعا على قواتها في محيط شيرارينا باستخدام قوات برية وإسناد جوي. في المقابل، أعلنت الحكومة الإثيوبية أن مقاتلي الجبهة هاجموا الجيش الفيدرالي بعد انطلاقهم من الأراضي السودانية، وأنهم تلقوا دعما من قوات إريترية.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن عضو في الجبهة أن المعارك شهدت استخدام المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة.
وفي 11 أغسطس/آب، اتهم نائب رئيس الجبهة أمانويل أسيفا الحكومة الفدرالية بتنفيذ ضربة بالمسيرات في ميريوا، قال: إنها استهدفت قوات تيغراي ومدرسة ثانوية وأوقعت خسائر بشرية.
وفي الشمال، لا تزال قوات إريترية متمركزة في مناطق من عيروب وزالمبسا، رغم التزام اتفاق بريتوريا بإخراج جميع القوات غير التابعة للجيش الإثيوبي. وفي الجنوب، يتصل القتال بحدود أمهرة والمناطق التي غيرت الحرب السابقة السيطرة عليها. أما الغرب، فيجمع بين النزاع على الأرض ومحاولة الوصول إلى السودان.

ملفات مؤجلة أعادت إنتاج الحرب
وكان اتفاق بريتوريا، الموقع في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 برعاية الاتحاد الإفريقي، قد أوقف العمليات العسكرية الواسعة التي بدأت قبل عامين بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي.
وأتاح الاتفاق رفع الحصار الاقتصادي عن الإقليم واستعادة الكهرباء والاتصالات والخدمات المصرفية، كما سلمت قوات تيغراي أسلحتها الثقيلة تحت رقابة إفريقية.
وتعامل الاتفاق مع وقف النار بصورة أسرع من معالجته أسباب النزاع. فيما بقي وضع غرب وجنوب تيغراي أول الملفات المعلقة. فقد سيطرت قوات أمهرة والقوات الفيدرالية خلال الحرب على مناطق كانت تدار من تيغراي قبل عام 2020، بينما تقول أمهرة إنها اقتطعت منها بعد وصول الجبهة إلى السلطة عام 1991.
وأحال اتفاق بريتوريا الخلاف إلى الإجراءات الدستورية، لكن هذه الإجراءات لم تبدأ، وظل غرب تيغراي تحت سلطة إدارة موالية لأمهرة. وتكتسب المنطقة قيمة تتجاوز النزاع الهوياتي؛ إذ تضم مساحات زراعية تنتج السمسم والقطن، وتصل تيغراي بالسودان.
وتخشى أديس أبابا أن يسمح استعادتها للجبهة بفتح خطوط إمداد خارجية، بينما تعد قيادة تيغراي إعادة المنطقة شرطا لاستعادة وحدة الإقليم وإعادة النازحين. وترتبط بذلك أزمة نحو 740 ألف نازح، معظمهم من غرب تيغراي، ما زالوا عاجزين عن العودة.
أما ملف نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، فتوقف بعد تقدم محدود. ووفق دراسة للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، سجل نحو 274 ألف شخص ضمن البرنامج، لكن نحو 63 ألفا فقط مروا بمراحله، قبل أن يتعثر منذ 2025.
وفوق هذه الملفات، نشأت أزمة شرعية داخل تيغراي. ففي أبريل/ نيسان 2026، مددت الحكومة الفيدرالية ولاية الإدارة الانتقالية برئاسة الجنرال تاديسي وردي عاما، لكن جبهة تيغراي رفضت القرار وأعادت تفعيل المجلس التشريعي المنتخب من جانب واحد عام 2020.
وفي 5 مايو/ آيار 2026، أعاد المجلس دبرصيون جبرميكائيل إلى رئاسة الإقليم، في خطوة رفضتها أديس أبابا وعدّها مراقبون تحديا مباشرا لترتيبات بريتوريا. وبذلك أصبح الإقليم بذلك خاضعا لشرعيتين متنافستين، إدارة انتقالية تعترف بها الحكومة الإثيوبية، وسلطة تقودها الجبهة وتملك نفوذا فعليا على الأرض.
وحين استبعد تيغراي من الانتخابات الإثيوبية في يونيو/ حزيران 2026، اكتملت عناصر القطيعة، أرض متنازع عليها، ونازحون بلا عودة، وسلاح لم ينزع، وسلطتان لا تعترف إحداهما بالأخرى.

قوات دفاع تيغراي
ومع ذلك هناك تمييز بين جبهة تحرير شعب تيغراي بوصفها تنظيما سياسيا، وقوات دفاع تيغراي بوصفها التشكيل العسكري الذي نشأ خلال حرب 2020. ورغم الارتباط الوثيق بينهما، فإن القوات ضمت إلى جانب أعضاء الجبهة ضباطًا سابقين في الجيش الإثيوبي، وقوات خاصة إقليمية، ومليشيات محلية ومتطوعين، ما جعل بنيتها أوسع من الجناح العسكري التقليدي لحزب سياسي.
يقود دبرصيون جبرميكائيل الجبهة سياسيا، ويستند إلى نفوذ داخل مؤسسات الإقليم وقطاع من القيادة العسكرية.
أما الجنرال تاديسي وردي، قائد قوات دفاع تيغراي خلال الحرب والرئيس الحالي للإدارة الانتقالية، فيشغل موقعا أكثر تعقيدا؛ فهو أحد أبرز قادة القوة التي قاتلت أديس أبابا، لكنه يرأس اليوم إدارة تعترف بها الحكومة الفيدرالية وترفض الجبهة تمديد ولايتها.
ومنحت هذه الانقسامات الحكومة الفدرالية شركاء محليين ومعرفة أوسع ببنية قوات تيغراي وتحركاتها، لكنها لم تنهِ قدرة القوة الرئيسة على القتال.
فقد خرجت قوات تيغراي من حرب 2020 بخبرة كبيرة في القتال الجبلي وحرب العصابات والعمليات النظامية، وأظهرت قدرة على إعادة التنظيم بعد خسارة المدن.
ففي يونيو/حزيران 2021، استعادت ميكيلي، ثم تقدمت جنوبا واقتربت، بالتحالف مع جيش تحرير أورومو، إلى نحو 200 كيلومتر من أديس أبابا قبل أن تتراجع.
كما يعرف قادتها عقيدة الجيش الفدرالي وبنيته؛ لأن بعضهم خدم في قيادته بعد وصول الجبهة إلى الحكم عام 1991.
وتمنحهم تضاريس تيغراي الجبلية والممرات الضيقة وشبكات الدعم المحلية قدرة على إبطاء القوات البرية وإخفاء الوحدات ومخازن الإمداد.
ومنذ أبريل/ نيسان 2026، بدأت سلطات تيغراي إعادة استدعاء المقاتلين السابقين وتجنيد عناصر جديدة. وفي يونيو أصدرت الجبهة إعلانا يجعل الخدمة العسكرية إلزامية ويقرر عقوبات واسعة على التهرب والانتقاد، وتكشف التعبئة أن قوات تيغراي ما زالت قادرة على توليد قوة بشرية.
لذلك تستطيع القوات على الأرجح منع الجيش الفيدرالي من تحقيق انتصار سريع، لكنها لا تملك تفوقا يسمح لها بحسم الحرب تقليديا أمام جيش أكبر يمتلك القوة الجوية. ويجعل هذا التوازن غير المتكافئ الحرب المحتملة أقرب إلى استنزاف طويل منه إلى مواجهة قصيرة، وقد يتمدد إلى جبهات خارجية.

مسارات خروج الصراع من إثيوبيا
ومن هنا فإن إريتريا كانت الحليف العسكري الأكثر أهمية للحكومة الإثيوبية خلال حرب 2020، وشاركت قواتها في العمليات ضد جبهة تيغراي.
لكن استبعاد أسمرة من مفاوضات بريتوريا، ثم تصاعد حديث آبي أحمد عن حاجة إثيوبيا الحبيسة إلى منفذ على البحر الأحمر، دفع العلاقات بين البلدين إلى تدهور متسارع.
وتخشى إريتريا أن تتحول المطالب الإثيوبية إلى ضغط على ميناء عصب أو تهديد عسكري مباشر. وفي فبراير/ شباط 2025، تحدثت تقارير عن تعبئة إريترية، بينما نشرت إثيوبيا قوات باتجاه الحدود في الشهر التالي.
وقالت مصادر دبلوماسية ومسؤولون من تيغراي لرويترز آنذاك: إن خطر المواجهة بين الدولتين أصبح حقيقيا.
وفي قلب هذه المواجهة المحتملة تقع تيغراي، فقد اتهمت الحكومة الفدرالية جناح دبرصيون بالتقارب مع أسمرة.
خاصة أن الطرفين يمتلكان دافعا لتعاون تكتيكي؛ حيث تريد إريتريا استنزاف آبي أحمد ومنعه من ممارسة ضغط عسكري بشأن البحر الأحمر، بينما تحتاج قوات تيغراي إلى الإمداد وكسر العزلة.
كذلك تزداد مخاوف أديس أبابا مع مؤشرات تقارب بين جبهة تيغراي وبعض تشكيلات "فانو" المناوئة للحكومة، رغم أن النزاع على غرب تيغراي كان سببا لعداء عميق بين الطرفين.
وترى منظمة "أكليد" أن تعاونا تكتيكيا قد يسمح بشن هجمات متزامنة تستنزف انتشار الجيش الإثيوبي وربما يشجع جيش تحرير أورومو على تصعيد عملياته.

السودان داخل دائرة المواجهة
ومن ناحية أخرى فقد أدخل وصول القتال إلى الحدود الغربية السودان في الأزمة بصورة مباشرة؛ فقد أفادت مصادر عسكرية سودانية بأن مقذوفات سقطت في الفشقة وبرخت، ما أدى إلى إصابة مدنيين.
كما أعلنت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة لوزارة الداخلية السودانية أن القصف نال معسكرات تؤوي لاجئين إثيوبيين في ولاية القضارف، وتسبب في وفيات وإصابات.
ويستضيف السودان نحو 63 ألف لاجئ وطالب لجوء إثيوبي، يقيم معظمهم في ولايتي القضارف وكسلا، بينهم نحو 19.7 ألفا في مخيم الطنيدبة و14.7 ألفا في أم راكوبة. ويقع المخيمان قرب مسارات العبور التي استخدمها الفارون من حرب تيغراي منذ 2020، ما يجعلهما عرضة لأي تجدد واسع للقتال.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر أمني سوداني أن بين الوافدين إلى بلدة حمدايت الحدودية مقاتلين مصابين خلال المواجهات. وقال مصدر طبي: إن الجرحى نقلوا إلى الهشابة، على بُعد نحو 15 كيلومترا داخل السودان؛ حيث يقيم آلاف ممن فروا من الحرب السابقة.
ولا تتمثل الخطورة في النزوح والقصف العابر للحدود فقط. فقد اتهمت الحكومة الإثيوبية قوات تيغراي بالانطلاق من الأراضي السودانية، واتهمت الخرطوم في وقت سابق بدعم قوى معادية لأديس أبابا.
وفي مايو 2026، ردت إثيوبيا على اتهامها بالضلوع في هجمات بالمسيرات داخل السودان، متهمة الجيش السوداني بتقديم دعم مالي وتسليح لمقاتلين من جبهة تيغراي.
ونقلت مجموعة الأزمات الدولية عن مسؤول سوداني أنه قد تتحول أي مطاردة للمقاتلين أو حركة سلاح عبر المساحة الحدودية غير المحكمة إلى مواجهة بين الجيشين السوداني والإثيوبي.
كما قد يؤدي فتح ممر غربي لتيغراي إلى تداخل الحرب الإثيوبية مع النزاع السوداني، خصوصا مع تبادل الطرفين الاتهامات بشأن دعم قوات الدعم السريع أو خصوم أديس أبابا.
المصادر
- المعارك بين الجيش الإثيوبي وتيغراي تمتد إلى الحدود السودانية
- Tigray party restores pre-war government in threat to northern Ethiopia peace
- The TPLF’s move to fully control Tigray poses a growing and expanding threat in the Horn of Africa
- The Tigray Region in the Grey Zone between War and Peace
- Ethiopian Airlines restarts flights to Tigray region, official says

















