من الرواتب إلى مراكز النفوذ.. ماذا تكشف أزمة البصمة داخل الجيش اليمني؟

مصطفى كمال | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أثار مشروع وزارة الدفاع اليمنية لتطبيق نظام البصمة البيومترية والبطاقة الذكية لصرف رواتب منتسبي القوات المسلحة موجة واسعة من الجدل، عقب تصريحات وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي التي كشف فيها عن رفض بعض قادة الوحدات العسكرية الالتزام بالإجراءات الجديدة، واتهامه أطرافًا بمحاولة الضغط على قيادة الوزارة والتلويح بأوضاع الجبهات لعرقلة تنفيذها. 

وأعادت هذه التصريحات فتح باب التساؤلات حول قدرة وزارة الدفاع على تمرير مشروعها الإصلاحي في ظل وجود مراكز قوى داخل المؤسسة العسكرية، كما أثارت مخاوف من أن تتطور حالة الرفض إلى تحديات تمس الانضباط العسكري أو تعرقل جهود إعادة هيكلة الجيش.

وتقدم وزارة الدفاع نظام البصمة البيومترية والبطاقة الذكية بوصفه أحد أبرز مشاريع الإصلاح الإداري والمالي داخل المؤسسة العسكرية؛ إذ يهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة لمنتسبي القوات المسلحة، وربطها بأنظمة تحقق إلكترونية، بما يسمح بحصر القوة البشرية الفعلية للجيش وضبط بيانات المنتسبين.

كما يستهدف النظام إنهاء آلية صرف الرواتب عبر الوسطاء، من خلال تحويلها مباشرة إلى الحسابات الشخصية للعسكريين، بما يسهم في الحدّ من التلاعب بكشوفات الرواتب والأسماء الوهمية، ومنع الازدواج الوظيفي، فضلاً عن تعزيز الشفافية والرقابة على إدارة الموارد المالية داخل المؤسسة العسكرية.

أهداف وتفاصيل نظام البصمة

تسعى وزارة الدفاع اليمنية، من خلال تطبيق نظام البصمة البيومترية والبطاقة الذكية، إلى إحداث إصلاحات هيكلية في منظومة إدارة الموارد البشرية والرواتب داخل القوات المسلحة، عبر إنشاء قاعدة بيانات مركزية دقيقة لمنتسبي الجيش، بما يضمن صرف راتب واحد لكل فرد، وإنهاء حالات الازدواج الوظيفي والأسماء الوهمية التي أفرزتها سنوات الحرب. 

ويعتمد النظام على ربط استحقاق الراتب بالحضور الفعلي للعسكريين من خلال البصمة، بحيث يتحدد مقدار الراتب وفق عدد أيام الدوام المسجلة، بما يعزز الانضباط ويرفع كفاءة الالتزام داخل الوحدات العسكرية. 

كما يشمل المشروع تحديث قواعد بيانات القوات المسلحة وتطبيق بصمة العين، في إطار جهود أوسع لتعزيز النزاهة والحد من التلاعب في كشوفات الرواتب.

ويأتي ذلك ضمن مسار إصلاحي يستهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتوحيد التشكيلات المختلفة تحت قيادة واحدة وقاعدة بيانات موحدة، بما يعزز الحوكمة الإدارية ويحفظ حقوق منتسبي القوات المسلحة.

وتؤكد الحكومة اليمنية أن مشروع البصمة البيومترية والبطاقة الذكية يمثّل أحد أهم مسارات الإصلاح المؤسسي داخل القوات المسلحة، ويهدف إلى معالجة الاختلالات التي رافقت منظومة الرواتب خلال سنوات الحرب. 

ووفقا لوزارة الدفاع، يستهدف المشروع القضاء على ظاهرة الأسماء الوهمية، وضبط كشوفات الرواتب ومنع الازدواج الوظيفي، إلى جانب تحديث قاعدة بيانات منتسبي الجيش، بما يسهم في تسهيل تنفيذ برامج إعادة الهيكلة العسكرية، وتعزيز الرقابة على الإنفاق العسكري، ورفع مستويات الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد المالية. 

دور التحالف العربي واللجنة السعودية

لعب التحالف العربي، ممثلاً باللجنة السعودية المشرفة على الملف العسكري، دوراً محورياً في تنفيذ مشروع البصمة وصرف رواتب القوات الحكومية، من خلال الإشراف المباشر على إجراءات التسجيل والصرف في عدد من المحافظات المحررة، وفي مقدمتها مأرب وتعز، بهدف تعزيز الرقابة على الأموال وضمان وصول الرواتب إلى مستحقيها والحد من مظاهر الفساد. 

كما ربطت اللجنة صرف الرواتب بالريال السعودي باستكمال إجراءات البصمة والالتزام بالدوام الفعلي، وبدأت بالفعل صرف مرتبات عدد من الألوية التي استوفت متطلبات النظام الجديد. 

ويستند هذا التوجه إلى اعتماد نظام البصمة البيومترية كأداة رئيسة لمعالجة التلاعب بكشوفات القوات المسلحة والحد من استنزاف الموارد المالية الناجم عن الأسماء الوهمية والاختلالات الإدارية.

اعتراضات ومناقشات

واجه تطبيق نظام البصمة معارضة من بعض القيادات العسكرية، في ظل تباين المواقف بشأن آليات تنفيذه وانعكاساته على منظومة إدارة الرواتب.

ووفقاً لمصادر وتقارير إعلامية، فإن تعثر صرف المرتبات في بعض الفترات ارتبط برفض عدد من القيادات تطبيق النظام الجديد، بتقدير أنه يحد من فرص التلاعب بكشوفات الرواتب ويكشف حالات الازدواج الوظيفي والأسماء الوهمية. 

كما أشارت تقارير إلى اعتراض بعض القيادات على إشراف اللجان السعودية على إجراءات البصمة خشية الكشف عن اختلالات في الكشوفات العسكرية. وفي المقابل، نفت قيادة محور تعز تلك الاتهامات، مؤكدة أنها كانت من أوائل التشكيلات العسكرية التي التزمت بتنفيذ توجيهات وزارة الدفاع، وأنها تواصل التنسيق مع الوزارة لاستكمال تطبيق الآلية الجديدة وتوفير متطلباتها المالية والتشغيلية. 

وشهدت بعض المعسكرات احتجاجات من جنود وضباط رفضوا الخضوع لإجراءات بصمة العين، وطالبوا باستمرار صرف الرواتب وفق الآلية التقليدية، وهو ما رفضته اللجان المختصة باعتباره مخالفاً للنظام الجديد. 

ويرى مراقبون وقيادات عسكرية أن تطبيق البصمة يمثل اختباراً عملياً لحجم القوة الفعلية للقوات المسلحة، ويكشف مدى دقة الكشوفات العسكرية التي اعتمدت خلال السنوات الماضية.

وانقسمت ردود الفعل في أوساط الناشطين تجاه تصريحات وزير الدفاع بين مؤيدين عدوا نظام البصمة خطوة ضرورية لمكافحة الفساد، والقضاء على الأسماء الوهمية، وضمان وصول الرواتب إلى مستحقيها، مع الدعوة إلى محاسبة أي جهة تعرقل تنفيذه، وبين منتقدين رأوا أن المشكلة لا تكمن في المشروع نفسه، بل في كشف الخلافات الداخلية للرأي العام، مقدرين أن ذلك قد يضر بهيبة المؤسسة العسكرية ويوفر مادة دعائية لخصومها.

دلالات امتناع بعض القيادات عن تطبيق البصمة

إذا صحت الأنباء المتداولة بشأن رفض بعض القيادات العسكرية تنفيذ إجراءات البصمة، فإن القضية تتجاوز كونها خلافاً إدارياً حول آلية صرف الرواتب، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة القيادة السياسية والعسكرية على فرض قراراتها داخل المؤسسة العسكرية. 

فمن شأن أي امتناع عن تنفيذ توجيهات وزارة الدفاع أن يثير تساؤلات حول مدى وحدة القرار العسكري واستمرار نفوذ بعض مراكز القوى داخل الجيش، وهو ما يتعارض مع مساعي بناء مؤسسة عسكرية موحدة تخضع لقيادة مركزية. 

كما قد يعكس هذا الرفض وجود مصالح ارتبطت بآليات الصرف السابقة، في حال أدى النظام الجديد إلى مراجعة كشوفات الرواتب وحذف الأسماء غير الفعلية وإعادة تنظيم الموارد المالية. 

وفي حال تحول رفض تنفيذ القرارات الإدارية إلى سلوك متكرر، فقد ينعكس ذلك سلبا على هيبة القيادة العسكرية ويضعف مبدأ الانضباط المؤسسي داخل القوات المسلحة. 

ومع ذلك، تشير المعطيات المتاحة إلى أن الاعتراضات المعلنة حتى الآن انصبت بصورة رئيسة على مشكلات التنفيذ، وتأخر صرف الرواتب، وسقوط بعض الأسماء من الكشوفات، أكثر من كونها رفضاً رسمياً وشاملاً لمبدأ تطبيق نظام البصمة ذاته. 

خلفية القرار ومراحل تطبيقه

بدأ مشروع البصمة البيومترية ضمن برنامج حكومي لإصلاح المنظومتين العسكرية والمالية؛ حيث أقرّت الحكومة اليمنية، وفقاً لوسائل إعلام محلية، اعتماد البصمة البيومترية شرطاً إلزامياً لصرف رواتب العسكريين والأمنيين ابتداءً من رواتب فبراير 2026، في خطوة تستهدف القضاء على الأسماء الوهمية، ومنع الازدواج الوظيفي، وحصر القوة البشرية الفعلية، وضبط الإنفاق العسكري، وتهيئة الظروف لإعادة هيكلة القوات المسلحة.

ومرّ تنفيذ المشروع بعدة مراحل؛ إذ أُعلن عنه رسمياً في يناير 2026، ثم أصدرت الدائرة المالية بوزارة الدفاع، في نهاية الشهر نفسه، تعميماً يلزم جميع العسكريين باستكمال بياناتهم وتسليم البطاقة الإلكترونية الذكية لإنشاء قاعدة بيانات موحدة للرواتب.

وفي مايو 2026 انتقلت الوزارة إلى المرحلة التالية بإقرار صرف الرواتب حصرياً عبر البطاقة الذكية وربطها بالنظام الإلكتروني، بصفتها استكمالاً لإجراءات البصمة والتوثيق الحيوي ضمن مشروع الإصلاح المؤسسي للقوات المسلحة.

الآلية القديمة للصرف

قبل اعتماد نظام البصمة البيومترية، كانت رواتب العسكريين تُصرف بالاعتماد على كشوفات ورقية وسجلات إدارية تُعدها الوحدات العسكرية وتراجعها الدوائر المالية.

ومع استمرار الحرب وما رافقها من ضعف الرقابة والانقسام المؤسسي، برزت اختلالات واسعة في هذه الآلية، تمثلت في صعوبة التحقق من الوجود الفعلي للعسكريين في وحداتهم، واستمرار إدراج أسماء أفراد خارج الخدمة ضمن كشوفات الرواتب، فضلاً عن حالات الازدواج الوظيفي وتكرار القيود العسكرية، الأمر الذي حدّ من قدرة وزارة الدفاع على تحديد الحجم الحقيقي للقوات المسلحة وإدارة مواردها بكفاءة.

وفي هذا السياق، تؤكد وزارة الدفاع أن نظام البصمة يستهدف معالجة هذه الاختلالات من خلال بناء قاعدة بيانات دقيقة لمنتسبي القوات المسلحة، وإنهاء ظاهرة الأسماء الوهمية والمزدوجة التي تعد، بحسب وزير الدفاع، من أبرز العوائق أمام إصلاح منظومة الرواتب.

ولا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على استنزاف الموارد المالية للدولة، بل تمتد إلى التأثير في كفاءة المؤسسة العسكرية نفسها؛ إذ تؤدي إلى تشويه البيانات المتعلقة بالقوة البشرية، بما ينعكس سلباً على التخطيط العسكري، وتوزيع الموارد، ومستويات التسليح والتدريب والجاهزية العملياتية.

كيف يمكن أن يستفيد الحوثيون من الأزمة؟

يمثل أي اضطراب أو انقسام داخل المؤسسة العسكرية التابعة للحكومة الشرعية فرصة سياسية وإعلامية قد تستفيد منها جماعة الحوثي، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في الأزمة. 

فمن الناحية السياسية، قد توظف الجماعة أي تعثر في تنفيذ مشروع البصمة أو أي خلافات بين وزارة الدفاع وبعض القيادات العسكرية لتعزيز خطابها القائم على التشكيك بقدرة الحكومة على إدارة مؤسساتها وفرض سلطتها على القوات التابعة لها. 

أما على الصعيد الإعلامي، فمن المرجح أن تستثمر الجماعة هذه التطورات في إبراز صورة الجيش الحكومي بصفته مؤسسة تعاني من الانقسامات وتعدد مراكز القرار، بما يخدم حملتها الرامية إلى تقويض الثقة بالمؤسسة العسكرية لدى الرأي العام.

كما قد تتيح أي اختلالات في تنفيذ النظام، إذا ترتب عليها تأخير صرف الرواتب أو استبعاد بعض العسكريين من الكشوفات، فرصة للحوثيين لاستهداف الفئات المتضررة عبر خطاب إعلامي يحمّل الحكومة مسؤولية المساس بحقوق منتسبيها. 

وفي الوقت ذاته، فإن انشغال القيادة العسكرية بمعالجة الخلافات الداخلية واستكمال الإصلاحات الإدارية قد يحد، ولو مؤقتاً، من تركيزها على متطلبات الجاهزية الميدانية، وهو ما قد يمنح الجماعة هامشاً أوسع للمناورة العسكرية أو السياسية، ويجعل أي أزمة داخلية في المؤسسة العسكرية تصب، بصورة غير مباشرة، في مصلحتها.

سبل الحل

يتطلب تجاوز أزمة تطبيق نظام البصمة في القوات المسلحة اليمنية تبني مقاربة متوازنة تجمع بين المعالجة الفنية والإدارية من جهة، والمعالجة السياسية والمؤسسية من جهة أخرى؛ إذ إن نجاح المشروع لا يتوقف على امتلاك نظام إلكتروني متطور، بقدر ما يعتمد على قدرة الدولة على إدارة عملية الإصلاح دون الإضرار بتماسك المؤسسة العسكرية أو خلق بؤر توتر داخلها.

فعلى المستوى الفني، ينبغي استكمال بناء قاعدة بيانات دقيقة وموحدة لمنتسبي القوات المسلحة قبل ربط النظام بصورة كاملة بصرف الرواتب، مع مراجعة الكشوفات الحالية للتحقق من سلامة البيانات، وإنشاء آلية سريعة للنظر في تظلمات العسكريين الذين قد يتضررون نتيجة أخطاء فنية أو إدارية، واعتماد فترة انتقالية تسمح بتطبيق النظام الجديد تدريجياً إلى حين استكمال تسجيل جميع الوحدات. 

كما يتطلب الأمر توحيد قواعد البيانات بين وزارة الدفاع والدوائر المالية والمناطق العسكرية، ووضع آليات خاصة لمعالجة أوضاع الجرحى والمرضى والعسكريين المكلفين بمهام ميدانية، إلى جانب ضمان حماية البيانات العسكرية وقصر استخدامها على الأغراض التنظيمية والمالية.

أما على المستوى السياسي والعسكري، فإن نجاح المشروع يظل مرهوناً بوجود إرادة سياسية قادرة على فرضه بصفته قراراً مؤسسياً ملزماً لجميع التشكيلات العسكرية دون استثناء، مع فتح قنوات تواصل لمعالجة الاعتراضات المشروعة المرتبطة بآليات التنفيذ، ومنع توظيف ملف الرواتب في صراعات مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية. 

كما ينبغي ربط مشروع البصمة بخطة أشمل لإعادة بناء القوات المسلحة على أساس وحدة القيادة والقرار، بما يعزز الانضباط المؤسسي ويحدّ من تعدد مراكز النفوذ. 

وفي المقابل، فإن استمرار رفض تنفيذ القرارات الرسمية بعد استنفاد وسائل الحوار يستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية والعسكرية اللازمة، حفاظاً على هيبة المؤسسة العسكرية وضماناً لفاعلية أي مشروع إصلاحي مستقبلي.

وفي المحصلة، فإن نظام البصمة لا يمثّل غاية بحد ذاته، وإنما يشكل مدخلاً لإصلاح أوسع يستهدف بناء مؤسسة عسكرية أكثر كفاءة وانضباطاً وشفافية، وهو هدف لن يتحقق إلا إذا اقترن التطوير التقني بإصلاح مؤسسي يعالج الاختلالات البنيوية التي تراكمت داخل القوات المسلحة خلال سنوات الحرب.

ما وراء الأزمة

تكشف أزمة تطبيق نظام البصمة أن التحدي الذي تواجهه المؤسسة العسكرية اليمنية يتجاوز تطوير آلية صرف الرواتب، ليطال بنية الجيش نفسها وما تعانيه من اختلالات تراكمت خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها تعدد مراكز النفوذ والقرار، وضعف الرقابة المؤسسية، وتداخل المصالح المالية والإدارية. 

وتثير الممانعة التي واجهها هذا الإجراء الإداري المحدود تساؤلات حول قدرة وزارة الدفاع على المضي في إصلاحات أكثر تعقيداً، وفي مقدمتها استكمال توحيد التشكيلات العسكرية وبناء جيش وطني يخضع لقيادة مركزية موحدة.

وتشير هذه التطورات إلى أن الجيش الوطني ظل، طوال سنوات الحرب، خاضعًا بدرجات متفاوتة لنفوذ مراكز القوى وشبكات الفساد المالي والإداري التي استفادت من ظروف الصراع وغياب الرقابة والمساءلة لترسيخ مصالحها داخل المؤسسة العسكرية. 

وقد انعكس ذلك على أولويات عدد من القيادات، بحيث تراجع هدف بناء جيش وطني محترف لصالح إدارة منظومة تخدم مصالح ضيقة، الأمر الذي أضعف كفاءة المؤسسة العسكرية وقدرتها على أداء مهامها في استعادة الدولة، في وقت نجحت فيه جماعة الحوثي في الحفاظ على قدر أعلى من الانضباط ووحدة القيادة والسيطرة.

وتوحي تصريحات وزير الدفاع بأن المؤسسة العسكرية لا تزال تعاني من اختلالات بنيوية تتمثل في تعدد مراكز القرار وتباين الولاءات داخل بعض تشكيلاتها، وهو واقع يحد من كفاءتها العملياتية ويؤثر في قدرتها على خوض مواجهة متماسكة مع الحوثيين الذين يتمتعون، في المقابل، بهيكل قيادي أكثر مركزية ووحدة في القرار، بما يمنحهم أفضلية نسبية في إدارة العمليات العسكرية.

وتنعكس هذه الاختلالات الإدارية والتنظيمية بصورة مباشرة على مستوى الجاهزية القتالية للجيش الوطني، وتفسر جانبًا من حالة التردد وضعف المبادرة في التعامل مع التهديدات الحوثية. 

وقد برز ذلك بوضوح في الهجوم الصاروخي الذي شنته الجماعة يومي 6، 7 أغسطس واستهدف مواقع للجيش في محافظات مأرب والجوف وحضرموت، وأسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى.

وتعكس هذه العملية قدرة الحوثيين على الاحتفاظ بزمام المبادرة وعنصر المفاجأة، في مقابل استمرار التحديات التي تواجه القوات الحكومية في رفع مستوى الجاهزية والاستجابة السريعة للتهديدات.

إن المشكلة الأساسية لا تكمن في تقنية البصمة، بل في البيئة التي يجرى تطبيقها داخلها، فالنظام الجديد يهدف إلى معالجة اختلالات تراكمت خلال سنوات الحرب، لكنه يصطدم بمصالح وبنى إدارية تشكلت في غياب الرقابة المركزية.

ولهذا فإن نجاح المشروع يحتاج إلى معادلة دقيقة: حزم في فرض القرار العسكري، ومرونة في معالجة الأخطاء الإنسانية والفنية. فالتساهل مع رفض تطبيق النظام قد يضعف سلطة المؤسسة العسكرية، بينما التطبيق الصارم دون معالجة الاختلالات قد يخلق أزمة ثقة يستفيد منها خصوم الدولة، وفي مقدمتهم جماعة الحوثي التي يمكن أن تستغل أي انقسام داخل الجيش الوطني في حربها الإعلامية والسياسية.