النار تشتعل في اليمن.. الحوثيون يضربون أرامكو والجيش يرد على عدة جبهات

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تتخذ الهجمات العسكرية المتبادلة بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية اليمنية مسارًا تصعيديًا خطيرًا، هو الأعنف منذ سنوات، بما يلقي بظلاله على أمن واستقرار المنطقة، ويعيد منشآت النفط السعودية، وعلى رأسها شركة "أرامكو"، إلى دائرة الاستهداف الحوثي بصفتها إحدى أدوات الضغط في سياق التصعيد الإقليمي.

وفي 8 أغسطس/آب 2026، شهد اليمن تطورات عسكرية لافتة؛ إذ أعلن الجيش اليمني التابع للحكومة الشرعية، للمرة الأولى منذ سنوات، شن هجمات على مواقع للحوثيين في عدة محاور، فيما واصلت الجماعة هجماتها على عدد من المحافظات.

وجاء هذا التصعيد بعد ساعات من تحذير المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، في وقت متأخر من مساء الجمعة، من أن البلاد تواجه خطرًا متزايدًا بالعودة إلى صراع واسع النطاق، داعيًا الأطراف المتحاربة إلى ضبط النفس وتجنب المزيد من التصعيد.

وأعلنت وزارة الدفاع اليمنية التابعة للحكومة الشرعية إطلاق عملية عسكرية واسعة ومضادة استهدفت مواقع وتحصينات لجماعة الحوثي في جبهات مأرب والضالع وتعز، ردًا على ما وصفته بخروقات الجماعة المستمرة.

وأفادت الوزارة بأن قواتها تعاملت مع طائرتين مسيرتين مفخختين أطلقتهما جماعة الحوثي باتجاه الأحياء السكنية ومخيمات النازحين في مدينة مأرب وسط البلاد.

كما أعلنت "المقاومة الوطنية" الموالية للحكومة أنها "دكت مراكز قيادة وسيطرة وتحصينات وتجمعات لمليشيا الحوثي الإرهابية في الحديدة"، ردًا على تصعيد الجماعة في جبهات مأرب وسط البلاد، وحضرموت شرقًا، وفي حركة الملاحة بالمياه الإقليمية اليمنية قبالة سواحل المخا جنوب غربي البلاد.

وأضاف البيان أن القوات رصدت "أهدافًا ذات قيمة عسكرية وتحركات مكثفة لمليشيا الحوثي المدعومة من النظام الإيراني في عدة مناطق قريبة من خطوط التماس بمحور الحديدة"، مشيرًا إلى أنه جرى "التعامل معها بقوة وحزم".

وأوضح أن "مدفعية المقاومة الوطنية وجهت ضربات مركزة على الأهداف المرصودة، وحققت إصابات مباشرة في مراكز قيادة وسيطرة وتحصينات وتجمعات، وكبدت المليشيا خسائر بشرية ومادية"، من دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة تلك الخسائر.

وبثت الوكالة ذاتها مقطع فيديو قالت إنه يوثق جانبًا من قصف مواقع للحوثيين.

في المقابل، واصلت جماعة الحوثي هجماتها الصاروخية باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مستهدفة معسكر "صحن الجن" ومحيط مخيمات النازحين في مأرب، إلى جانب مناطق في حضرموت، بالتزامن مع إعلان الجماعة ما وصفته بـ"حظر ملاحي" على السفن السعودية.

وفي اليوم التالي، أعلنت الجماعة استهداف مصفاة تابعة لشركة "أرامكو" السعودية في منطقة جازان جنوب غربي المملكة بطائرة مسيرة، زاعمة تحقيق إصابة دقيقة، فيما أكدت وزارة الطاقة السعودية إخماد حريق اندلع في المنشأة من دون وقوع إصابات.

وزعمت جماعة الحوثي أن الاستهداف جاء "ردًا على اختراق العدو السعودي بمسيراته أجواء محافظتي صعدة وحجة شمال غربي اليمن"، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وهذه المرة الثانية التي تعلن فيها جماعة الحوثي استهداف منشآت تابعة لـ"أرامكو" في جازان خلال نحو أسبوعين، إذ أعلنت تنفيذ هجوم مماثل في 25 يوليو/تموز الماضي.

وقالت الجماعة آنذاك: إنها استهدفت منشآت تابعة لـ"أرامكو" في جازان وينبع بصواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة، وادعت أن الهجمات أصابت أهدافها بشكل مباشر، فيما لم يصدر تعليق فوري من المملكة بشأن تلك الادعاءات.

وفي التطورات الميدانية، أعلنت الدفاعات الجوية للجيش اليمني إسقاط 10 طائرات مسيرة حوثية في سماء مأرب، مع عودة الهدوء الحذر والنسبي إلى جبهات القتال، بالتزامن مع استمرار التحشيد العسكري من الطرفين.

وفي 9 أغسطس/آب، أفاد مصدران حكوميان يمنيان بأن جماعة الحوثي استهدفت، بعدة صواريخ، ميناء المخا القريب من مضيق باب المندب على البحر الأحمر، في محافظة تعز جنوب غربي البلاد.

ويعد ميناء المخا من الموانئ البحرية المهمة في اليمن، ويقع بالقرب من مضيق باب المندب، وتسيطر عليه قوات المقاومة الوطنية التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح.

وتعود جذور هذا التصعيد المفاجئ، وفق معطيات ميدانية، إلى نجاح "قوات الطوارئ" التابعة للحكومة الشرعية في تنفيذ عملية أمنية وعسكرية نوعية واستباقية في المسارات الصحراوية المفتوحة التي تربط بين محافظات حضرموت ومأرب وشبوة والجوف.

وتمكنت القوات الحكومية، خلال هذه العملية، من قطع خطوط إمداد وقوافل قالت إنها كانت تستخدم لتهريب الأسلحة والقطع التقنية والمتفجرات إلى جماعة الحوثي، ما دفع الجماعة، بحسب رواية مصادر حكومية، إلى شن رد عسكري عنيف في محاولة لتعويض خسائرها الميدانية والأمنية.

ويأتي هذا التصعيد العسكري في ظل تراجع واضح للتهدئة الهشة التي استمرت منذ الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022، وفي سياق إقليمي شديد التوتر، يرتبط بتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما يرافقها من اضطرابات مرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، وسط مساعٍ حوثية لربط جبهة اليمن بمسار التصعيد الإقليمي الأوسع.

وعلى الصعيد الداخلي، لجأت الحكومة الشرعية إلى اتخاذ تدابير استثنائية قالت إنها تهدف إلى حماية أمنها الرقمي والعسكري، من بينها إيقاف شبكات الاتصالات والإنترنت الأرضي في مأرب وحضرموت، بدعوى الحد من عمليات التجسس الحوثية، والاستعاضة عنها بمنظومة "ستارلينك" الفضائية لإدارة بعض الاتصالات والعمليات العسكرية.

وبالتزامن مع ذلك، يعقد مجلس الدفاع الوطني اليمني اجتماعات لمناقشة التطورات الأمنية والعسكرية المتسارعة، في وقت تبدو فيه خطوط التماس أكثر قابلية للاشتعال، وسط مخاوف من تحول التصعيد الحالي من مواجهات محدودة إلى جولة أوسع من القتال، بما قد يهدد مسار التهدئة الهش ويفتح جبهات جديدة داخل اليمن وعلى امتداد المنطقة.

عمل إرهابي

وأثارت التطورات العسكرية الأخيرة بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية الشرعية موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث وصف ناشطون الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي استهدفت معسكرات في مأرب وحضرموت بأنها "عمل إرهابي غادر وجبان".

واستنكروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الحوثي، #الحكومة_الشرعية، #أرامكو، #مأرب، #ميناء_المخا، وغيرها سقوط عشرات الجنود والمدنيين، بمن فيهم نازحون في مخيمات، مؤكدين أن استهداف الأحياء السكنية والمناطق المدنية يعكس استهتاراً بحياة اليمنيين.

وطالب ناشطون برد عسكري حاسم من القوات الحكومية والتحالف العربي لاستعادة الردع، ومواجهة هذا الإرهاب واستعادة الدولة، وإفشال مخططات الحوثي لخنق الاقتصاد الوطني وتجويع الشعب اليمني ومحاصرته.

مخاوف إنسانية

وأعرب ناشطون وحقوقيون عن مخاوف إنسانية عميقة إزاء ما يحدث في مأرب، خاصة بعد الهجمات التي نالت مخيمات النازحين وأسفرت عن قتلى وجرحى غالبيتهم من النساء والأطفال، مطالبين المنظمات الدولية والأمم المتحدة بالتدخل العاجل لحماية المدنيين ومنع انزلاق البلاد مجدداً إلى حرب شاملة.

وركزوا على أن استهداف المدنيين العزل داخل مخيمات تؤوي آلاف الأسر النازحة يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويفاقم الأزمة الإنسانية المزمنة في المحافظة التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن، محذرين من أن استمرار القصف على الأحياء السكنية ومخيمات النازحين يهدد حياة مئات الآلاف من الأبرياء.

وتداولوا صورا ومقاطع فيديو توثق الدمار والإصابات، معربين عن قلقهم من أن هذا التصعيد الأعنف منذ سنوات قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة وانهيار ما تبقى من الهدنة الهشة، داعين إلى تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين.

ضغط متزامن

وعبر ناشطون وكتاب عن قلقهم من استهداف الحوثيين المتكرر لمنشآت الطاقة السعودية، خاصة مصفاة أرامكو في جازان، بالإضافة إلى استهداف ناقلات نفط بميناء المخا ومحطات وقود في مآرب، عادين الهجمات تصعيداً يهدف إلى الضغط السياسي والاقتصادي على المملكة ويهدد أمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر. 

وأشار بعضهم إلى ضرورة ردع أقوى لمنع استمرار مثل هذه الهجمات، وربط آخرون الحدث بتوترات أوسع في المنطقة تشمل مخاطر على الاستقرار الإقليمي والتداعيات المحتملة على الأسواق العالمية للطاقة إذا لم يُحتو التصعيد.

اختبار للاتفاق

وسلط ناشطون الضوء على أن تصعيد الحوثي ضد أهداف سعودية جاء بعد 24 ساعة من توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك والتي جاءت في سياق توترات إقليمية أوسع، لتوفير إطار ردع مؤسسي سريع الاستجابة. 

وهي ثلاثية وقّعتها السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة في 7 أغسطس 2026، وتنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، وتهدف إلى تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي وتطوير القدرات المشتركة دون استهداف دولة بعينها أو بناء محور طائفي.

وتساءل ناشطون عن فعالية الاتفاقية في ردع الحوثي، عادين استهدافه  لمصفاة أرامكو في جيزان وإعلانه لذلك أول اختبار ميداني حقيقي للاتفاقية، مركزين على البند الذي يعد الاعتداء على أي طرف اعتداء على الجميع.

وطرحوا تساؤلات ساخرة أو نقدية حول غياب تحرك تركي أو باكستاني فوري، وهل ستظل الاتفاقية "حبراً على ورق" أم ستُفعَّل آليات التشاور والدفاع، مع تعليقات مثل إرسال "فرق إطفاء" بدلاً من رد عسكري.

وعلى الجانب الآخر، رأى بعض الناشطين أن الهجوم يثبت دوافع الاتفاقية ويسرّع تفعيل المنظومات الدفاعية المشتركة (دفاع جوي، رادارات، استخبارات) دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مؤكدين أنه رسالة ردع واضحة وليست إعلاناً للحرب، وأن التساؤلات المبكرة تعكس سوء تقدير لحجم القوة الجماعية.