الضفة الغربية على فوهة بركان.. الاحتلال يقر "الهجوم الشامل" ويكثف التهويد

القيادة السياسية لدولة الاحتلال صادقت رسميًا على توسيع العمليات العسكرية في الضفة الغربية
مع استمرار الحرب على غزة، تتجه دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى فتح جبهة أكثر اشتعالاً في الضفة الغربية، بعد مصادقة قيادتها السياسية على توسيع العمليات العسكرية، بالتزامن مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، وتكثيف الاستيطان، وتهديدات بتطبيق "نموذج غزة" على مخيمات اللاجئين، في تطور يثير مخاوف من مرحلة جديدة قد تعيد رسم واقع الضفة الغربية.
وتُعد المناطق المصنفة (ج) (Area C) تقسيمًا إداريًا وأمنيًا أُنشئ بموجب اتفاقية أوسلو الثانية الموقعة عام 1995 بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال، وتشكل نحو 61 بالمئة من المساحة الإجمالية للضفة الغربية، ما يجعلها الامتداد الجغرافي والاقتصادي الأكبر فيها.
وتخضع هذه المناطق لسيطرة إسرائيلية كاملة أمنيًا وإداريًا ومدنيًا، بما يشمل التخطيط والبناء وإنفاذ القانون، كما تمثل الامتداد الجغرافي الوحيد المتصل للضفة الغربية، في حين تقع المناطق المصنفة (أ) و(ب) على هيئة جيوب منفصلة تحيط بها المناطق (ج).
وتضم المنطقة معظم الأراضي الزراعية الخصبة، والمراعي، وأهم مصادر المياه الجوفية، إضافة إلى موارد طبيعية متعددة، من بينها المحاجر ومنطقة البحر الميت.
كما تحتضن جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب البؤر الاستيطانية، وتعدها أحزاب اليمين الإسرائيلي محورًا رئيسا لمشاريع الضم وفرض السيادة الإسرائيلية.
وفي المقابل، تفرض سلطات الاحتلال قيودًا مشددة على البناء والتوسع الفلسطيني داخل هذه المناطق، وتصدر أوامر هدم متواصلة للمنازل والمنشآت بدعوى البناء من دون ترخيص، وهو ما يحرم الاقتصاد الفلسطيني من مليارات الدولارات سنويًا، وفق تقديرات البنك الدولي.
وأفادت القناة 14 العبرية بأن القيادة السياسية لدولة الاحتلال صادقت رسميًا على توسيع العمليات العسكرية في الضفة الغربية، والانتقال من سياسة وصفتها بـ"الدفاع" إلى "الهجوم الشامل"، بهدف تعزيز أمن المستوطنات.
وأضافت القناة أن القرار جاء في ظل تصاعد الهجمات خلال الأسابيع الأخيرة، وعدّ الضفة الغربية جبهة مرشحة لمزيد من التصعيد. مشيرة إلى أن هذه الساحة بقيت، منذ اندلاع الحرب على غزة، في مرتبة متأخرة ضمن أولويات القيادتين السياسية والعسكرية، قبل أن تتزايد المطالب بتخصيص موارد إضافية لتعزيز العمليات العسكرية وإحباط الهجمات وتأمين المستوطنات.
من جانبه، قال وزير الدفاع بدولة الاحتلال يسرائيل كاتس إن إسرائيل "ستتعامل مع الضفة الغربية كما تعاملت مع غزة ولبنان إذا اختاروا مواجهتها"، مستشهدًا بحيي الشجاعية وجباليا في قطاع غزة اللذين قال: إنهما "دُمرا بالكامل ولم يعودا موجودين".
وأضاف أنه أصدر، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعليمات إلى الجيش بفحص أوضاع أي مخيم تخرج منه ما وصفها بـ"الأعمال الإرهابية"، تمهيدًا لإمكانية احتلاله.
تقاسم الأدوار
وتشهد الضفة الغربية تصعيدًا متزامنًا في اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية، في مشهد يصفه الفلسطينيون بأنه "تقاسم للأدوار" بين الجانبين، وسط اتساع رقعة الاستيطان وتزايد المخاوف من تهجير مخيمات جديدة، واستهداف المؤسسات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية.
وفي 2 أغسطس/آب 2026، هاجم مستوطنون شابًا فلسطينيًا بعد اعتراض مركبته في منطقة مسافر يطا جنوب الخليل، كما تعرضت بلدة مادما جنوب نابلس لهجوم نفذته مجموعة من المستوطنين، في حين نفذ مستوطنون من جماعة "فتية التلال" جولات وصفت بالاستفزازية قرب تجمع المهتوش البدوي شرق القدس المحتلة.
وتزامن ذلك مع استمرار التوسع الاستيطاني؛ إذ أعلن مستوطنون إقامة بؤرة استيطانية جديدة في منطقة سعير جنوب الخليل، لتنضم إلى مئات البؤر المنتشرة في أنحاء الضفة الغربية، في خطوة تعكس استمرار النشاط الاستيطاني على الأرض.
وفي موازاة تحركات المستوطنين، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في مدن وبلدات الضفة الغربية.
فقد أصيب شاب فلسطيني بجروح وصفت بالخطيرة جدًا قرب مخيم الجلزون شمال رام الله، بعدما تعرض للاعتقال والاعتداء خلال محاولته التصدي لعمليات هدم منشآت تجارية.
كما نفذت القوات الإسرائيلية حملات مداهمة في طوباس والبيرة، بينما شهدت مدينة نابلس أوسع الاقتحامات، مع انتشار عشرات الآليات العسكرية في أحيائها ومحيط مخيم العين.
واعتقل جيش الاحتلال شابًا فلسطينيًا خلال اقتحام بلدة سالم شرق نابلس، واصطحب ثلاثة أسرى أشقاء إلى منزل عائلتهم في البلدة.
وفي نابلس، واصل الجيش حصار قرية "تل"، وأخطر بهدم منزل عائلة الشهيد فاروق رمضان خلال 72 ساعة، فيما رُصدت هجمات مكثفة للمستوطنين أسفرت عن إحراق مركبات في بلدة إذنا غرب الخليل، وإتلاف محاصيل الدخان في بلدة عرابة جنوب جنين.
ويتزامن التصعيد الميداني المتسارع في الضفة الغربية مع تصاعد الانتهاكات الاستيطانية في القدس المحتلة، وهو ما أظهرته إحصائية رسمية جديدة وثقت اقتحام 9.848 مستوطناً لباحات المسجد الأقصى المبارك خلال شهر يوليو/تموز الماضي وحده، في ظل استمرار الاقتحامات اليومية التي تهدف إلى فرض واقع جديد في المدينة.
وفي 3 أغسطس/آب 2026، أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية ومحافظة القدس تقريريهما الدوريين، اللذين وثقا 27 اقتحاماً للمسجد الأقصى، ومنع رفع الأذان 155 مرة في الحرم الإبراهيمي خلال الشهر الماضي، إلى جانب تسجيل 3 شهداء، و115 حالة اعتقال، و29 عملية هدم في مدينة القدس.
وبالتوازي مع ذلك، اقتحم عشرات المستوطنين المقامات الإسلامية في بلدة كفل حارس شمال سلفيت.
كما اعتدى مستوطنون إسرائيليون على الكنيسة الأرمنية في البلدة القديمة بمدينة القدس المحتلة، وأقدموا على إلقاء الحجارة والبصق الجماعي على مدخلها، وفق ما أفادت به محافظة القدس.
وقالت المحافظة، في بيان مقتضب: إن مجموعة من المستوطنين هاجمت الكنيسة الأرمنية في البلدة القديمة، وألقت الحجارة على مدخلها، إلى جانب قيام أفراد منها بالبصق بصورة جماعية.
وخلال الأشهر الماضية، تكررت حوادث بصق متطرفين يهود على الكنائس في البلدة القديمة بمدينة القدس، في مشهد أثار انتقادات فلسطينية وكنسية متواصلة.
ومنذ مطلع عام 2026 وحتى بداية يونيو/حزيران الماضي، رصدت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين ما لا يقل عن 45 اعتداءً نفذها مستوطنون والجيش الإسرائيلي ضد المسيحيين ومقدساتهم.
وتأتي هذه التطورات الميدانية في إطار سياسة يقودها اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تقوم على توسيع المشروع الاستيطاني وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية.
وتركز هذه السياسة على شرعنة عشرات البؤر الاستيطانية الرعوية، وتوسيع المستوطنات الكبرى، وفي مقدمتها مستوطنة عيلي، إلى جانب مواصلة هدم المنشآت الفلسطينية في المناطق المصنفة (ج) بذريعة البناء من دون ترخيص، بما يؤدي إلى تقليص الوجود الفلسطيني فيها.
أما في القدس، فتستغل الجماعات الاستيطانية المناسبات الدينية والقومية لزيادة أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى، في محاولة لتغيير الواقع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف.
ويرتبط هذا التصعيد الميداني بسياقين رئيسين.
الأول، التلويح بتطبيق ما وصفه وزير دولة الاحتلال يسرائيل كاتس بـ"نموذج غزة"، بعدما هدد علناً باحتلال أي مخيم للاجئين الفلسطينيين يشهد عمليات مقاومة، مستشهداً بما جرى في جنين وطولكرم ومخيم نور شمس.
أما السياق الثاني، فيتمثل في توظيف الحكومة الإسرائيلية هذا التصعيد لخدمة أهدافها السياسية الداخلية، عبر فرض وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها، تشمل تكريس الضم الفعلي للضفة الغربية، وتسريع وتيرة الاستيطان، بما يعزز موقف أحزاب اليمين قبيل أي استحقاقات انتخابية مقبلة، في ظل التطورات الإقليمية والمحلية.
وفي المقابل، تتزايد التحذيرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من تداعيات هذه السياسات؛ إذ حذر جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) من أن تصاعد عنف المستوطنين قد يؤدي إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية واسعة يصعب احتواؤها، بما يهدد بتوسيع دائرة المواجهة في الضفة الغربية.
سرطان الاستيطان
وندد ناشطون على منصات التواصل باعتداءات المستوطنين (الضرب، التخريب، محاولات الإحراق، قطع الكهرباء، رشق الحجارة، بؤر استيطانية، اقتلاع أشجار الزيتون)، مؤكدين أنها جزء من سياسة تهجير ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني في المناطق الريفية والأراضي الزراعية، بدعم وحماية من سلطات الاحتلال.
ودعا بعضهم عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الضفة_الغربية، #نابلس، #طولكرم، #الكنيسة_الأرمنية، وغيرها إلى التصدي والمواجهة كسبيل وحيد لوقف الضرر.
وأعرب ناشطون عن رفضهم سياسة "الاختباء والهروب"، بينما يبرز آخرون الجانب العنصري واللاإنساني للهجمات ويستدعون ردود فعل دولية أو ضغطاً على الحكومات.
همجية ووحشية
وتداول ناشطون مقاطع فيديو تظهر مجموعة من المستوطنين وهم يتناوبون على البصق أمام مدخل كنيسة القديس يعقوب (سانت جيمس) الأرمنية في الحي الأرمني بالبلدة القديمة في القدس، ويرشقونها بالحجارة، مع عرض أنباء عن اعتقال ستة منهم لاحقاً.
كما نقلوا ما قالته المصادر الفلسطينية الرسمية عن تلك الواقعة، ووصفوا الفعل بـ"الهمجية" و"الوحشية"، وربطوه بسلسلة اعتداءات متكررة يومياً على المقدسات المسيحية دون محاسبة حقيقية.
وأشار بعضهم إلى أن السياح المسيحيين يغادرون المكان مصدومين، وتساءل آخرون عن دوافع الكراهية تجاه المسيحية، بينما أكد آخرون أن الأمر ليس حادثاً فردياً بل جزءاً من نمط مستمر يستهدف الوجود المسيحي في القدس.
تصعيد إسرائيلي
وندد ناشطون بالتصعيد العسكري الإسرائيلي على الضفة وإعلان توسيع النشاطات الهجومية خلال الفترة المقبلة، وشن حملة اقتحامات واعتقالات وتنفيذ عمليات هدم وتجريف والدخول في مواجهات في عدد من المحافظات.
ونددوا بأن الانتهاكات الإسرائيلية نالت مناطق في بيت لحم وطولكرم ونابلس وجنين والخليل ورام الله وقليلية وسلفيت، متداولين مقاطع فيديو وصورا توثق جرائم الاحتلال.















