بين الوعود السياسية والغارات الإسرائيلية.. غزة تنزف من جديد

استشهاد أكثر من 16 فلسطينيا وإصابة العشرات بجروح متفاوتة جراء سلسلة غارات جوية وقصف مدفعي إسرائيلي
على وقع طموحات سياسية أحياها إعلان مجلس السلام الدولي حول التوصل لاتفاق مبدئي لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من وقف الحرب على قطاع غزة "المزعوم"، كانت الطائرات الإسرائيلية تصيغ واقعاً مغمساً بالدم في أزقة القطاع، في تزامن يكشف الفجوة بين الطروحات السياسية والواقع الميداني الدامي.
وفي 2 أغسطس/آب 2026، أفادت مصادر طبية وميدانية في قطاع غزة باستشهاد أكثر من 16 مواطناً وإصابة العشرات بجروح متفاوتة جراء سلسلة غارات جوية وقصف مدفعي نال مناطق متفرقة، تركزت في غرب مدينة غزة وشمال غرب خان يونس خلال الـ 24 ساعة الماضية.
وذلك قبل تسجيل استشهاد المزيد من الفلسطينيين وسط تواصل خروقات اتفاق وقف إطلاق النار من جانب الاحتلال الإسرائيلي.
وأعلنت طواقم الدفاع المدني في غزة عن انتشال جثامين 112 شهيداً قضوا في أوقات سابقة، كانوا عالقين تحت أنقاض المنازل المدمرة جراء تعذر وصول الطواقم الإغاثية إليهم سابقاً بسبب استهدافهم المباشر.
ورصدت التقارير تركيز طيران الاحتلال على قصف المقرات الأمنية ومراكز الشرطة المجتمعية داخل القطاع، ما تسبب في تدمير هائل للبنى التحتية المتبقية وحدوث موجات نزوح جديدة للمدنيين.
بدورها، أعلنت وزارة الصحة في غزة، مطلع أغسطس/آب الجاري، توثيق مقتل 152 شخصا في يوليو/تموز المنصرم، مشيرة إلى أنها أعلى حصيلة لأعداد القتلى الشهرية منذ بداية العام الجاري.
وقالت الوزارة في بيان: "أظهرت البيانات الأخيرة الصادرة عن مركز المعلومات الصحية في الوزارة ارتفاعا قياسيا في أعداد الضحايا بقطاع غزة خلال الشهر المنصرم؛ إذ سُجل 152 شهيدا في مختلف المحافظات، ليسجل بذلك أعلى حصيلة شهرية منذ مطلع العام".
وأضافت: "الأرقام الرسمية تكشف حجم الاستهداف في صفوف المدنيين؛ إذ شملت الحصيلة 21 طفلا، و14 امرأة، و4 من كبار السن، ما يعكس الأثر المباشر للتصعيد على الأحياء والمناطق السكنية المأهولة".
ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، إلا أن إسرائيل واصلت خرقه، ما أسفر عن مقتل ألف و222 شخصا وإصابة 4 آلاف و53 آخرين.
فيما ارتفعت الحصيلة الإجمالية للضحايا منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى 73 ألفا و349 قتيلا، و174 ألفا و162 مصابا، إضافة إلى دمار واسع نال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية في القطاع، وفق آخر إحصاءات وزارة الصحة في غزة.
وإلى جانب الخسائر البشرية، خلفت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة التي بدأت في 8 أكتوبر 2023 بدعم أميركي، دمارا هائلا نال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، وقدرت الأمم المتحدة تكلفة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.
ويأتي التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة في أعقاب إعلان "مجلس السلام" والرئيس الأميركي دونالد ترامب، التوصل إلى اتفاق لتنفيذ المرحلة التالية من وقف إطلاق النار في غزة، وقال المجلس: إن حركة "حماس" وافقت على خريطة طريق مفصلة.
و"مجلس السلام" أحد هياكل إدارة المرحلة الانتقالية في غزة، وهي هياكل اعتمدها البيت الأبيض في 16 يناير/ كانون الثاني الماضي، بالإضافة إلى "مجلس غزة التنفيذي" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة (حكومة التكنوقراط)" و"قوة الاستقرار الدولية".
وفي 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2803 بتأييد 13 دولة وامتناع روسيا والصين، وأقرَّ خطة ترامب بشأن غزة، وإنشاء "مجلس السلام" وقوة دولية مؤقتة للاستقرار، ودعم لجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة شؤون القطاع وتنسيق المساعدات والإعمار.
وتتألف خطة ترامب، المعلنة في 29 سبتمبر/ أيلول 2025، من 20 بندا تنص على وقف الحرب وتبادل المحتجزين الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين وإدخال المساعدات وانسحاب إسرائيلي مرحلي مرتبط بنزع سلاح الفصائل وانتشار قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار.
كما تقضي بإدارة القطاع مؤقتا عبر لجنة فلسطينية من التكنوقراط تحت إشراف "مجلس السلام"، وإعادة إعمار غزة، مع استبعاد حركة "حماس" من الحكم.
وبدأت المرحلة الأولى في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وشملت وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وتوسيع المساعدات، لكن إسرائيل واصلت القصف وإطلاق النار وقيّدت دخول المساعدات، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى فلسطينيين.
ويرى خبراء ومحللون سياسيون أن الاحتلال يتعمد التصعيد في هذا التوقيت بالذات لرفع سقف مكاسبه التفاوضية، وإيصال رسالة للمجتمع الدولي والوسطاء بأنه غير ملزم بالمدى الزمني الدبلوماسي.
كما يُفهم هذا السلوك الميداني في إطار "إستراتيجية الاستنزاف"؛ حيث يسعى الاحتلال من خلال استهداف الحاضنة الشعبية والمنشآت المدنية إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على الفصائل الفلسطينية لتقديم تنازلات في اللحظات الأخيرة قبل التوقيع النهائي، مستغلاً الغطاء الدولي الممنوح له وتباطؤ الآليات الأممية في فرض قرارات ملزمة لوقف القتال.
وتعود جذور هذا التصعيد إلى التعنت المستمر في المفاوضات غير المباشرة التي تقودها عواصم إقليمية برعاية أميركية ودولية.
فرغم إعلان الوسطاء أخيرا عن التوصل إلى صياغات نهائية واضحة لتنفيذ المرحلة الثانية من "خريطة الطريق" لوقف إطلاق النار الكامل وتبادل الأسرى، إلا أن الحكومة الإسرائيلية التي يقودها بنيامين نتنياهو تواصل فرض شروط إضافية وتعجيزية.
وتتمثل هذه الشروط في إصرار الاحتلال على إبقاء السيطرة العسكرية على محاور إستراتيجية بالقطاع، واستهداف المنظومة الإدارية والشرطية لمنع أي شكل من أشكال الاستقرار المدني، مما جعل بنود الاتفاق معطلة عملياً على الصعيد الميداني رغم نيلها تأييداً سياسياً دولياً واسعاً، لا سيما من الإدارة الأميركية.
الاتفاقات خدعة
وانتقد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي التناقض الصارخ بين الخطابات الدبلوماسية السلمية المرتبطة بإعلان "مجلس السلام" وخارطة الطريق لتنفيذ المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، وبين الواقع الميداني الذي يشهد استمرار سقوط الصواريخ والغارات على رؤوس المدنيين.
ورأوا في ذلك عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #غزة_تباد، #غزة_تحت_القصف، #كذبوا_عليكم، وغيرها، نفاقاً واضحاً؛ حيث يُروَّج لـ"اتفاق تاريخي" و"سلام" بينما تُسجَّل شهداء جدد يومياً من العائلات، بما في ذلك أطفال ونساء.
وأكد ناشطون أن التصريحات والوعود لا تنعكس على الأرض، وأن الهدنة تبدو مجرد كذبة إعلامية في ظل استمرار القصف والنزوح، واصفين البيانات الدولية بأنها "حبر على ورق" لا يحمي طفلاً ولا يوقف طائرة، مما يعكس حالة من الإحباط الشعبي من المنظومة الأممية.
مشاهد مؤلمة
وتحولت حسابات الناشطين والصحفيين والمؤثرين داخل قطاع غزة وخارجه إلى غرف عمليات رقمية لبثّ الصور ومقاطع الفيديو الحية التي توثق أشلاء الضحايا والدمار في غرب غزة وخان يونس، مشددين على أهمية نشر هذه اللحظات حتى لا تُنسى أو تُختزل في أرقام.
وسلط ناشطون الضوء على حجم الفظائع المرتكبة، مؤكدين أن توثيق هذه اللحظات بالصوت والصورة هو الردّ الفعلي على محاولات التضليل الإعلامي التي يمارسها الاحتلال للتغطية على جرائمه بالتزامن مع الحراك السياسي والتصريحات الدولية.
وكانت أبرز المشاهد انتشال جنين من بين ركام شقة استُهدفت وأدت إلى استشهاد أسرة كاملة (الأب والأم والطفل والجنين)، وقصف شقق سكنية وخيم نازحين أدى إلى عشرات الشهداء والجرحى بينهم أطفال، واصفين ما يحدث بأنه "إبادة مستمرة".
الإبادة مستمرة
وعبر ناشطون عن سخرية مريرة وخيبة أمل عميقة من الوعود الأمريكية. أشاروا إلى أن محمد دحلان نقل عن جاريد كوشنير تأكيداً بوقف الغارات والاعتداءات على غزة بدءاً من صباح اليوم، ثم عدّل منشوره لاحقاً ليخفف الصيغة إلى "يعمل مع الجانب الإسرائيلي" بدل "اتفق".
واستنكروا استمرار القصف الإسرائيلي على القطاع وتصاعد أعداد الشهداء وارتقاء عائلات كاملة في مدينة غزة وخان يونس ودير البلح وبينهم أطفال، مؤكدين أن الإبادة الإسرائيلي لقطاع غزة مستمرة برعاية أميركية.
تحفظات إسرائيلية
وتداول ناشطون تقرير عن صحيفة هآرتس العبرية نقل فيه عن مصدر مطلع يفيد بأن إسرائيل قدّمت ثلاثة تحفظات أو اعتراضات على الاتفاق مع حماس، وهي رفض تخزين السلاح والاكتفاء بتدميره أو إخراجه، رفض مشاركة قطر وتركيا في آلية التحقق، ورفض تقييد حرية التحرك/العمليات الإسرائيلية في غزة.
وعبروا عن أن هذه التحفظات تعني عملياً عرقلة الاتفاق أو الإبقاء على الوضع القائم، مثل قول أحدهم "يعني لا شيء يتغير بالنسبة للفلسطينيين في غزة"، صابّين جام غضبهم على الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية، ومعلنين شكوكهم في جدية التقدم نحو وقف دائم للحرب أو انسحاب حقيقي.
















