واشنطن تلوح بورقة الإرهاب.. هل تدفع الإمارات إلى التراجع في السودان؟

"تراكمت منذ اندلاع الحرب أدلة كثيرة على دعم إماراتي لوجستي ومادي للميليشيات"
تتجه واشنطن إلى استخدام ورقة تصنيف مليشيا “الدعم السريع” كجماعة إرهابية وسط الحرب المستمرة في السودان، في خطوة قد تستهدف أيضا نفوذ الإمارات وتفتح نقاشا حول جدوى العقوبات في تغيير مسار النزاعات.
وقدّمت مجموعة من النواب الأميركيين من الحزبين في يونيو/حزيران 2026 مشروع قانون (PEACE) لمنع التصعيد الخارجي في السودان لعام 2026.
وفي مجلس النواب، يتداخل جزئيا مع هذا المشروع كلّ من قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني وقانون تصنيف مليشيا الدعم السريع "إرهابية".
ومن أهم الأسئلة التي تثيرها هذه المشاريع مجتمعة، هل تُصنَّف “الدعم السريع”، شبه العسكرية التي تحارب الجيش السوداني منذ 2023، "جماعة إرهابية"؟
انتقادات كثيرة
وتساءلت مجلة "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركية عن الأثر المحتمل لهذا التصنيف، وعمّا إذا كان سيسهّل مفاوضات وقف إطلاق النار التي يقودها مستشار الرئيس دونالد ترامب لشؤون إفريقيا، مسعد بولس، وسط انتقادات كثيرة، أم يعقّدها، وما إذا كان سيكبح جماح الإمارات.
ورأت أن “رهانات هذا الملف تتجاوز السودان؛ إذ توجد حجج قوية مؤيدة ومعارضة للتصنيف على حد سواء”.
فمن جهة، سيكون التصنيف مؤشرا على التزام واشنطن بتحقيق الاستقرار في السودان وإنهاء حرب أودت بعشرات الآلاف وهجّرت الملايين، وامتدت تداعياتها إلى القرن الإفريقي.
وأكدت المجلة أن الإمارات تُتهم أصلا بانتهاج سياسة خارجية مزعزعة للاستقرار من اليمن إلى السودان وليبيا، عبر دعمها رجالا أقوياء يغذّون النزاعات، وربما يبعث استهداف واشنطن للإمارات برسالة إلى سائر الممالك الخليجية بأن نفوذها هناك له حدود.
وفي المقابل، تواجه أنظمة العقوبات انتقادات متزايدة؛ إذ فشل تطبيقها من إيران إلى روسيا في تحقيق التغيير السلوكي المنشود، بل عزّز عموما تصلّب المستهدفين بها، وأفضى إلى نتائج سلبية غير مقصودة على المدنيين.
وقد تعرقل تصنيفات الإرهاب حتى عمل منظمات الإغاثة الإنسانية، خشية اتهامها بتقديم "دعم مادي" للجماعة المصنَّفة.
وفي الولايات المتحدة أيضا، انتُقد نظام تصنيفات الإرهاب بصفته مسيّسا وعرضة لتغوّل السلطة التنفيذية، وقد يعزّز تصنيف الدعم السريع صلاحيات إشكالية لجهاز الأمن القومي.
وأضافت المجلة أن خبراء عدة رأوا أن التصنيف بمفرده لن يُحدث أثرا يُذكر، وأنه إن استحق السعي إليه، فينبغي أن يكون جزءا من إستراتيجية أوسع لم تحددها إدارة ترامب بعد.

آليات ومحدودية
وتملك الحكومة الأميركية آليات تصنيف متعددة، وتطلب مشاريع القوانين المطروحة من وزير الخارجية تطبيق آلية "المصنَّفين عالميا كإرهابيين".
ويمكن أن تُطبَّق هذه الآلية على جماعة أو فرد، وتصدر عن وزارة الخارجية أو الخزانة، وإن باختلاف في الشروط، توضح المجلة.
أما التصنيف الرئيس الآخر الذي قد يشمل الدعم السريع، وهو تصنيف "المنظمة الإرهابية الأجنبية"، فلا تُصدره سوى وزارة الخارجية.
وتفرض الآليتان عقوبات مالية تستهدف تصعيب حركة أموال الكيانات المصنَّفة عبر النظام المصرفي الدولي، وامتلاكها ممتلكات أو أصولا أخرى في أميركا وخارجها.
ويُعد تصنيف "المنظمة الإرهابية الأجنبية" أوسع أثرا؛ لأنه يجرّم تقديم "الدعم المادي" لجماعة مصنَّفة.
وتحتفظ وزارة الخارجية أيضا بقائمة الدول الراعية للإرهاب التي ضمت السودان بين عامي 1993 و2020.
وتوجد هذه الآليات إلى جانب عقوبات أخرى مفروضة على السودان؛ إذ قررت إدارة جو بايدن، أن عناصر الدعم السريع والمليشيات الحليفة لها ارتكبت إبادة جماعية في السودان، وفرضت عقوبات على قائدها، محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي".
ونقلت المجلة عن الصحفي السوداني، إياد هشام، قوله: إن العقوبات المالية والشخصية المستهدفة "ليس لها سوى أثر محدود على قيادة الدعم السريع".
وأوضح أن كثيرين منهم خرجوا من نظام عاش تحت عقوبات دولية قرابة ثلاثة عقود، فاكتسبوا خبرة في التكيف مع تلك القيود.
وأضاف هشام أن العقوبات وحدها لا تعزل بالضرورة الأفراد سياسيا أو دبلوماسيا، مستشهدا بزيارة شقيق حميدتي، القوني حمدان دقلو موسى، إلى واشنطن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 رغم خضوعه هو نفسه للعقوبات.
وذكر جيسون بلازاكيس، المسؤول السابق بوزارة الخارجية ومؤلف كتاب عن مكافحة تمويل الإرهاب، أن إنفاذ تصنيفات الإرهاب خارج الحدود صعب، وأن أنجح تطبيقاتها يتطلب تماسكا دوليا وتنسيقا واسعا مع حكومات أخرى والأمم المتحدة، وهو ما نادرا ما تسعى إليه إدارة ترامب.
وأوضح بلازاكيس أن الإنفاذ سيظل صعبا حتى مع وجود تحالف، مقدرا أنه من غير المرجح للغاية أن تُرصد أرباح الذهب العائدة للدعم السريع أثناء مرورها عبر الإمارات.
وأشار تقرير حديث للأمم المتحدة إلى أن "اقتصاد حرب" يغذّي النزاع في السودان، وأنه لن يكون سهلا على أي تصنيف إرهابي أن يعطّل تدفق الصمغ العربي وسلع أخرى من البلاد.

آثار محتملة
لكن صعوبة الإنفاذ لا تعني بالضرورة أن التصنيف بلا معنى؛ إذ رأى بلازاكيس أن التصنيف يمكن استخدامه دبلوماسيا عصا الآن وجزرة لاحقا، مذكّرا بأن واشنطن استغلت قائمة الدول الراعية للإرهاب سنوات طويلة ورقة مساومة مع السلطات السودانية سابقا.
ورأى أن استخدام تصنيف الدعم السريع أداة للضغط على الإمارات، وكذلك إثيوبيا وتشاد وكينيا ودول أخرى متهمة بدعم القوات، لدفعها إلى فك الارتباط بالمليشيا، سيتطلب مهارة دبلوماسية كبيرة، بحسب بلازاكيس.
ورأى الباحث في جامعة تافتس والمتخصص في الشأن السوداني، أليكس دي وال، أن التصنيف سيمنح على الأقل قدرا أكبر من الوضوح للسياسة الأميركية.
وقال دي وال: إنه بما أن الحكومة الأميركية عدت الدعم السريع مذنبة بالإبادة الجماعية، فمن الغريب أن تكون المسؤولية عن جريمة بالغة الخطورة في القانون الدولي بلا عواقب، بينما يترتب على تصنيف الإرهاب عواقب فعلية.
واستدرك بأنه سيكون من الصعب تصنيف منظمة إرهابية ثم التحدث معها فورا.
وأضاف دي وال أن الجيش السوداني يسعى إلى نصر عسكري كامل، وأن تصنيف الدعم السريع قد يعزّز موقفه "الأقصى".
والهدف الحقيقي من تصنيف الدعم السريع إرهابية هو الإمارات؛ إذ تراكمت منذ اندلاع الحرب عام 2023 أدلة كثيرة على دعم إماراتي لوجستي ومادي للمليشيا، عبر طرق إمداد ومرتزقة أجانب مرّوا بتشاد والصومال وإثيوبيا وليبيا.
وذكر هشام أنه لا يتوقع أن تصنّف إدارة ترامب الدعم السريع، لكنه أضاف أن الخطوة، لو حدثت، ستفرض حوارا سياسيا ودبلوماسيا صعبا مع أبوظبي.
ورأى أن ابتعاد الإمارات عن الدعم السريع قد يضعف قبضة المليشيا على غرب السودان، بل يساعد في إنهاء الحرب.
ووافق دي وال على أن هذا التطور سيضعف المليشيا، لكنه حذّر من أنه قد يفتّتها أيضا، مقدرا أن التفاوض على أي شيء حاليا صعب أصلا، وقد يصبح مستحيلا إن تفككت الدعم السريع.
وختاما، رأى الدبلوماسي الأميركي السابق والمتابع القديم للشأن السوداني، كاميرون هدسون، أن تصنيف الدعم السريع قد يفتح الطريق أمام اختراق مع الجيش السوداني، الذي رفض مقترحات متتالية لوقف إطلاق النار قدّمها بولس.
لكن هدسون رأى أيضا أن الجولة الأخيرة من العقوبات الأميركية على السودان، التي جاءت ردا على استخدام مزعوم للجيش أسلحة كيميائية، ستزيد صعوبة جلب الجيش إلى طاولة تفاوض وقف إطلاق النار.
وأبدى هشام تشاؤمه من جهود إدارة ترامب، مقدرا أن بولس يبدو مشرفا على أكثر من ستين دولة رغم نقص الطاقم وانعدام خبرته الدبلوماسية السابقة، وهو ما وصفه بحمل ثقيل لأي شخص، خصوصا في نزاع معقد كنزاع السودان.
وقالت المجلة: “باختصار، لا بد من تحقق سلسلة أحداث قبل أن تُصنَّف الدعم السريع، ناهيك عن أن يساعد التصنيف في إنهاء الحرب”.
وتابعت: "تدفع مسألة التصنيف إلى التفكير في كيفية استخدام أدوات (الحرب على الإرهاب) لصنع السلام وتعطيل شبكات النفوذ وتغيير موازين السياسة في القرن الإفريقي والخليج".

















