كارتل كيناهان في دبي.. تأشيرات وشركات وعقارات تثير أسئلة محرجة

داود علي | منذ ٦ ساعات

12

طباعة

مشاركة

كشفت مراجعة أجرتها منصة "بيلينغكات" الهولندية وصحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، ونُشرت في 1 أغسطس/ آب 2026، لسجلات الهجرة الإماراتية، أن بارون المخدرات الدولي وزعيم كارتل "كيناهان"، كريستوفر كيناهان جونيور، حصل على تأشيرة جديدة للإمارات قبل أقل من أسبوعين، رغم خضوعه لعقوبات أميركية ورصد مكافأة قدرها 5 ملايين دولار مقابل معلومات تفضي إلى اعتقاله.

ولا تقف دلالة المراجعة عند تجديد إقامة عضو بارز في شبكة إجرامية تقدر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، بل تمتد إلى سجل طويل من التأشيرات الإماراتية المرتبطة بقادة الكارتل وشركات يُفترض أنهم يعملون لديها.

وتعيد هذه الوثائق فتح تاريخ جماعة بدأت من تجارة الهيروين في دبلن، ثم بنت شبكة دولية لتهريب الكوكايين والأسلحة وغسل الأموال، قبل أن تنقل قيادتها إلى دبي عقب حرب دموية هزت أيرلندا.

فكيف حافظ قادتها على إقاماتهم ونشاطهم التجاري في دبي بعد العقوبات؟ وما الذي تكشفه الشركات المرتبطة بتأشيراتهم عن حدود معرفة السلطات الإماراتية بشبكة عملت علنا من دبي؟

سنوات الإقامة في دبي

وقدمت بيانات جوازات السفر الواردة في إشعار العقوبات الأميركي مفتاحا للوصول إلى تاريخ لم يكن معروفا لتحركات قيادة كيناهان في الإمارات.

فقد أدخلت "بيلينغكات" و"صنداي تايمز" أرقام جوازات السفر وبطاقات الهوية وتواريخ الميلاد والجنسيات في مواقع الاستعلام الحكومية، لتظهر سجلات تعود إلى سنوات سبقت انتقال الكارتل بصورة كاملة إلى دبي.

وتبيّن أن أربعة من أعضائه الستة الرئيسين دخلوا الإمارات قبل محاولة اغتيال دانيال كيناهان في فندق "ريجنسي" بالعاصمة الأيرلندية دبلن عام 2016، وما تلاها من صراع مع جماعة هاتش الذي دفع قيادة الكارتل إلى مغادرة أوروبا.

ويرتبط جواز "كريستوفر جونيور" بتأشيرات إماراتية قصيرة الأجل منذ سبتمبر/ أيلول 2013، بينما أظهر البحث بجواز دانيال، مقترنا بتاريخ ميلاد بديل مدرج ضمن بيانات العقوبات، سبع تأشيرات بين عامي 2013 و2015.

وظهرت أول تأشيرة لإيان ديكسون عام 2015، ثم سجلات شون ماكغفرن وبرنارد كلانسي في مارس/ آذار وأبريل/ نيسان 2016.

أما كريستي كيناهان، مؤسس الجماعة، فيعود أول سجل مرتبط بجوازه البريطاني إلى فبراير/ شباط 2007، تلاه تصريح آخر عام 2009 وتأشيرتان عام 2017.

لكن المسار الأكثر إثارة ظهر عند فحص جواز أيرلندي باسم "كريستوفر أوبراين"، أحد الأسماء المستعارة لكيناهان الأب؛ إذ أعاد موقع الاستعلام 31 سجلا بين عامي 2014 و2017.

وربطت "بيلينغكات" الجواز بالاسم بعد العثور عليهما في وثائق لشركة في هونغ كونغ، ما يرجح استخدامه إلى جانب الوثيقة الأصلية في السفر من الإمارات وإليها.

وتوضح هذه السجلات أن دبي لم تكن ملاذا اختارته العائلة بصورة مفاجئة عقب مواجهات 2016، بل قاعدة بنت فيها حضورا تدريجيا لنحو عقد، قبل أن تتحول إلى مقر دائم لإدارة الشبكة.

كما تكشف أن تفاعل أفراد الكارتل مع منظومة الهجرة لم يتوقف بعد إدراجهم على قوائم العقوبات عام 2022، بدليل الإقامات المرتبطة بالشركات والتأشيرة الجديدة لكريستوفر جونيور.

قيادة عائلية

وبدأت نواة كارتل "كيناهان" الإجرامي مع كريستي كيناهان، المولود في دبلن عام 1957، والذي انتقل من جرائم السرقة والتزوير وحيازة الممتلكات المسروقة في أواخر السبعينيات إلى تجارة الهيروين خلال الثمانينيات.

وفي عام 1986، ضبطت الشرطة الأيرلندية كمية من الهيروين في شقته بمنطقة كلونتارف، ليحكم عليه بالسجن ستّ سنوات. ولم تنهِ العقوبة مسيرته؛ إذ أتاحت له بناء علاقات مع مجرمين استخدمها بعد الإفراج عنه لتوسيع نشاطه خارج أيرلندا.

وتقول وزارة الخزانة الأميركية: إن كيناهان قضى أيضا أحكاما في هولندا وبلجيكا، بينها عقوبات لحيازة الكوكايين وغسل الأموال، بينما كانت شبكته تنتقل خلال التسعينيات من دبلن إلى بريطانيا وأمستردام، مستفيدة من ازدهار تجارة المخدرات الصناعية وقرب الموانئ الأوروبية.

وفي أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، ظهرت جماعة "كيناهان" الإجرامية المنظمة بهيكل أكثر اتساعا، قبل أن تتخذ من "كوستا ديل سول" الإسبانية قاعدة لتجارة الكوكايين القادم من أميركا الجنوبية.

ومع توسع الشبكة، تشكل توزيع عائلي للسلطة؛ فاحتفظ كريستي بالإشراف الإستراتيجي على العقارات والشركات، بينما أصبح دانيال مسؤولا عن العمليات اليومية وتوريد المخدرات، وتولى كريستوفر جونيور جوانب مالية ولوجستية، بينها المساهمة في صندوق يستخدم لدفع الأموال لأعضاء الجماعة.

وأحاطت العائلة نفسها بدائرة من المساعدين؛ فكان شون ماكغفرن مستشار دانيال وأقرب معاونيه، وتولى إيان ديكسون نقل مبالغ نقدية وترتيب المدفوعات ومتابعة ديون تجار المخدرات، فيما كُلف برنارد كلانسي بدفع رواتب عناصر الشبكة، وعمل جوني موريسي في إنفاذ الأوامر وتسهيل شحنات المخدرات وغسل عائداتها.

واعتمد الكارتل بنية خلوية تفصل القادة عن المنفذين، بحيث لا يمتلك كل عضو سوى المعلومات اللازمة لمهمته، ما صعّب إثبات الصلة المباشرة بين القيادة والجرائم.

وحتى عملية "شوفل" التي نفذتها الشرطة الإسبانية عام 2010، وشملت توقيف كريستي ومداهمة ممتلكات مرتبطة بالشبكة، لم تنجح في تفكيك قيادتها بعد تعثر ملفات قانونية.

وبذلك تحولت الجماعة من عصابة محلية إلى إدارة إجرامية موزعة بين العائلة والوسطاء والشركات، قادرة على استبدال المنفذين والمحافظة على القيادة خارج مسرح الجريمة.

 الكارتل.. اقتصاد العنف

وشكل تهريب الكوكايين النشاط الأكثر ربحا في شبكة كيناهان، فيما وفرت تجارة الأسلحة وغسل الأموال والقتل المأجور الأدوات اللازمة لحماية السوق وتصفية الخصوم.

وتنسب وزارة الخزانة الأميركية إلى دانيال كيناهان تأمين كميات كبيرة من الكوكايين من أميركا الجنوبية، وتنظيم توزيعها في أيرلندا ومحاولة إدخالها إلى بريطانيا، عبر شبكة تمتد إلى إسبانيا وهولندا وبلجيكا.

وعملت الجماعة مع وسطاء محليين لنقل النقد وتجميع العائدات قبل غسلها خارج المملكة المتحدة، مستفيدة من الشركات والحوالات والأصول مرتفعة القيمة.

وفي عام 2022، أعلنت "يوروبول" اعتقال شخص مرتبط بعشيرة كيناهان، وصفته بأنه أحد أكبر غاسلي الأموال في أوروبا، وقالت: إنه غسل نحو 200 مليون يورو خلال ما يزيد قليلا على عام.

واستخدمت شبكته شركات في بريطانيا وجبل طارق ونظام الحوالة وسيارات مزودة بمخابئ سرية، قبل أن يبدأ التحقيق عقب ضبط 200 كيلوغرام من الكوكايين ونصف مليون يورو نقدا.

لكن أخطر وجه للكارتل ظهر في حربه مع جماعة هاتش التي بدأت بعد قتل غاري هاتش في إسبانيا في سبتمبر/ أيلول 2015. وفي فبراير/ شباط 2016، هاجم مسلحون يرتدون ملابس تشبه زي وحدة الطوارئ التابعة للشرطة حفل وزن لمباراة ملاكمة داخل فندق "ريجنسي" في دبلن، مستخدمين بنادق آلية. وكان دانيال كيناهان الهدف المرجح للهجوم، لكنه نجا، فيما قتل مساعده ديفيد بيرن. وأطلق الهجوم حملة انتقام أوقعت 18 قتيلا على الأقل في أيرلندا وإسبانيا.

ومن أكثر جرائمها دلالة قتل نويل كيروان، وهو رجل في الثانية والستين لا علاقة له بالنشاط الإجرامي، استُهدف لمجرد ظهوره في صورة خلال جنازة أحد أفراد عائلة هاتش.

وضعت الجماعة جهاز تتبع في سيارته، وراقب شون ماكغفرن تحركاته ووجه المسلحين قبل قتله أمام منزله في ديسمبر/ كانون الأول 2016. كما استخدمت قاتلا إستونيا لتنفيذ محاولة اغتيال جيمس غيتلي، واعتمدت هواتف مشفرة وأجهزة مراقبة وخلايا منفصلة.

وقد انتهى مسار ماكغفرن، بعد سنوات من الإقامة في دبي إلى اعتقاله وتسليمه إلى أيرلندا والحكم عليه في يونيو/ حزيران 2026 بالسجن 24 عاما، في أول إدانة تنال شخصية بهذا القرب من قيادة الكارتل.

دبي مركز القيادة

وجاء اختيار دبي نتيجة تداخل الحماية القانونية السابقة مع الموقع الجغرافي والبيئة التجارية ونمط الحياة الذي تتيحه الإمارة. فعلى المستوى القانوني، افتقرت أيرلندا والإمارات لسنوات إلى معاهدة ثنائية تنظم التسليم، ما رفع عتبة ملاحقة المطلوبين المقيمين هناك.

وقد منح ذلك قيادة كيناهان مساحة للإقامة العلنية بعيدا عن حملة الشرطة الأيرلندية والخصوم الذين لاحقوها في دبلن وإسبانيا. وفي الوقت نفسه، وفرت دبي موقعا يربط أوروبا بآسيا وأفريقيا، وشبكات طيران وموانئ تسمح بعقد الاجتماعات وإدارة الوسطاء وتحريك الاستثمارات من دون اقتراب القادة من شحنات المخدرات نفسها.

كما أتاحت كثافة الشركات الأجنبية والمستثمرين من جنسيات متعددة تغطية النشاط بشبكة من العلاقات تبدو تجارية في ظاهرها. وإلى جانب ذلك، قدمت سوق العقارات وسيلة للإقامة وحفظ القيمة وتحقيق الأرباح؛ إذ كشفت تحقيقات سابقة شراء أفراد من الكارتل فللا وشققا ومكاتب بملايين اليوروهات، كان بعضها مسجلا بأسماء زوجات أو أشخاص مرتبطين بالكارتل غير الخاضعين للعقوبات.

ومن بين تلك الممتلكات فيلا في حي "تلال الإمارات" اشتريت بنحو 6.05 ملايين يورو، ثم بيعت لاحقا مقابل 11.7 مليون يورو. ولم يقتصر دور الإمارة على الأموال، فقد أتاحت لقادة "كيناهان" أحياء آمنة ومدارس وخدمات ونمط حياة فاخرا يمكن داخله تقديم قادتها بوصفهم مستشارين أو مستثمرين أو مديري أعمال رياضية.

واستفاد دانيال خصوصا من عالم الملاكمة، عبر شركة "إم تي كيه غلوبال" وعلاقاته مع ملاكمين ومروجين معروفين، لبناء صورة عامة منفصلة عن الاتهامات الأمنية.

وجسد زفافه في دبي عام 2017 تداخل الدائرتين؛ إذ وصفته تحقيقات صحفية بأنه تحول إلى ملتقى لشخصيات بارزة في الجريمة المنظمة الأوروبية. وبذلك جمعت دبي بالنسبة إلى كيناهان بين البعد عن أجهزة إنفاذ القانون الأوروبية، وإمكانية إدارة شبكة دولية، وبيئة تسمح بتحويل الثروة غير المشروعة إلى إقامة وشركات وعقارات ومكانة اجتماعية.

شركات الإقامة

وتكشف أسماء الشركات الواردة في تصاريح الإقامة الحلقة الأشد حساسية في التحقيق؛ لأن الإقامة المرتبطة بالعمل لا تصدر، بحسب إجراءات حكومة دبي، بمبادرة من الفرد وحده، بل تتقدم الشركة بطلب تصريح العمل نيابة عن الموظف الذي يخضع بدوره لفحص طبي قبل استكمال تصريح الإقامة الصالح لعامين.

وظهر اسم "آيلاند ستار للسياحة" في تصريح كريستوفر كيناهان جونيور، بينما ارتبطت إقامة برنارد كلانسي باسم "المتن لتجارة السلع بالجملة". وتتطابق التسميتان مع شركتين قائمتين في دبي، لكن "بيلينغكات" لم تتمكن من تأكيد أنهما الكيانان نفساهما المذكوران في التصريحين.

كما اقتصر اسم كلانسي في إقامته على "برنارد باتريك"، من دون اسم العائلة، بخلاف بقية أعضاء الجماعة. وعندما تواصل التحقيق مع المدير الإداري لـ"آيلاند ستار"، قال: إن كريستوفر جونيور يعمل "موظفا بنظام العمولة، وليس موظفا داخل المكتب"، وأقر بأنه يعرف اسمه لكنه لم يلتقِ به قط.

ولم يقدم تفسيرا لظهور شركته على التأشيرة، واكتفى بالقول إن الإمارات لو كانت لديها مشكلة معه لما منحته التصريح. أما إقامة كريستي كيناهان فارتبطت بشركة "أو إس إيه للاستشارات الإدارية"، المدرجة في سجل الحكومة الإماراتية بوصفها استشارية للطيران.

وأظهرت بيانات منصة "هورايزنز" أنها تشترك في العنوان ورقم الرخصة وتاريخ التأسيس مع "سي في لخدمات استشارات الطيران" المرتبطة بالكارتل، ما يشير إلى احتمال تغيير اسم الكيان بدلا من إنشاء شركة مستقلة.

وتثير هذه الروابط تساؤلات بشأن مدى معرفة السلطات الإماراتية بأنشطة أفراد مرتبطين بالكارتل، لا سيما أن أعضاء الجماعة حافظوا على إقامات تستلزم تعاملا متكررا مع جهات العمل والهجرة الرسمية.

وقد وصف روي ماكومب، نائب مدير الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة البريطانية سابقا، افتراض جهل الإمارات بأوضاع قادة الكارتل وجرائمهم بأنه غير قابل للتصديق، فيما ذهب المحامي البريطاني ديفيد هاي إلى الاشتباه بوجود فساد حكومي إماراتي.