خطاب حميدتي "نكون أو لا نكون".. ماذا يحدث داخل "مليشيات الدعم السريع"؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد ساعات من ظهور قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل مناطق استعادت قواته السيطرة عليها من قوات الدعم السريع، خرج قائد الأخيرة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، مساء الإثنين 27 يوليو/تموز 2026، بخطاب حمل نبرة مختلفة عن خطاباته السابقة.

فقد وجّه حديثه مباشرة إلى مقاتليه، مطالبًا إياهم بتغيير أسلوب إدارة المعارك، ورفع مستوى الجاهزية، ومنع تصوير التحركات العسكرية، وتنقية الصفوف ممن وصفهم بـ"الطابور الخامس". معلنًا أن المواجهة دخلت مرحلة "نكون أو لا نكون".

وجاء الخطاب عقب خسارة قوات الدعم السريع مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، إلى جانب مواقع أخرى في شمال كردفان، وبعد أيام من وصول مئات المنشقين عنها إلى الخرطوم. وهو ما أثار تساؤلات بشأن ما إذا كان الخطاب يمثّل إعلانًا عن هجوم مضاد، أم محاولة لاحتواء تراجع ميداني آخذ في الاتساع، وما الذي تكشفه عباراته الحادة عن تماسك القيادة والثقة داخل قواته، ومستقبل الحرب في السودان.

استهلَّ حميدتي خطابه بتوجيه الشكر إلى مقاتليه، قائلاً: إنهم "ما قصروا"، قبل أن يدعوهم إلى تغيير الأسلوب الذي أداروا به المعارك خلال المرحلة الماضية، مستخدمًا عبارتي "غيّروا الطريق الماشين فيه" و"غيّروا اللعبة".

ثم أعلن أن "الرسن ليس في يديه". مضيفًا: "الرسن معكم"، في إشارة بدت وكأنها تمنح القادة الميدانيين هامشًا أوسع في إدارة العمليات، بما يعني تبني نهج أكثر لامركزية في إدارة المعارك، وعدم ربط التحركات الميدانية بانتظار أوامر مباشرة من القيادة.

غير أنه قرن هذا التفويض بتعليمات صارمة تتعلق بالانضباط، إذ منع عناصره من تصوير التحركات والعمليات العسكرية، وقصر هذه المهمة على المكلفين بها، محذرًا من أن المقاطع المصورة التي تُنشر عبر وسائل التواصل تمنح الجيش معلومات مجانية عن تحركات قواته.

ومضى إلى أبعد من ذلك، حين قال: إن أي عنصر يقوم بالتصوير من دون تكليف سيُعامل بصفته جزءًا من "الطابور الخامس"، في إشارة إلى اتهامه بالخيانة أو التعاون مع الخصوم.

كما دعا حميدتي قواته إلى الالتزام بالقوانين والأعراف العسكرية، وهو ما أوجد مفارقة بين دعوته إلى الانضباط الصارم، وبين تأكيده أن "الرسن" أصبح في أيدي المقاتلين والقادة الميدانيين.

ورفع قائد الدعم السريع سقف التعبئة بقوله: "من اليوم نوم ما في.. نكون أو لا نكون"، مؤكدًا أنه لن يقبل بعد ذلك بأي تراجع أو تقاعس في ساحات القتال.

ووعد مقاتليه بالانضمام إليهم في الخطوط الأمامية، مؤكدًا أن "اللعبة ستتغير"، وأنهم سيسمعون "أخبارًا سارة"، لكنه امتنع عن تحديد الجبهات أو المناطق التي يقصدها.

كما نفى معارضته للسلام، وقال إنه سبق أن وافق على التهدئة مراعاةً لمصلحة المواطنين، لكنه شدد على أنه لن يقبل بما وصفه بـ"المسكنات"، متهماً جهات لم يسمها بأنها طلبت منه التهدئة، قبل أن تفسح المجال للجيش والقوات المتحالفة معه لشن هجمات واسعة.

توقيت الخطاب

اختار حميدتي توقيت خطابه في وقت تواجه فيه قواته واحدة من أكبر الانتكاسات التي تعرضت لها في ولاية شمال كردفان.

ففي فجر الأحد 26 يوليو/تموز، أعلن الجيش السوداني استعادة مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، قبل أن يوسع نطاق تقدمه نحو أم قرفة وجريجخ، ويعلن لاحقًا إحكام سيطرته على طريق الصادرات الذي يربط أم درمان بمدينة الأبيض.

ولا تكمن أهمية هذا التقدم في عدد المدن المستعادة فحسب، بل في قيمتها العسكرية واللوجستية أيضًا؛ إذ كانت مدينة بارا تمثل عقدة مواصلات تربط دارفور وكردفان بالعاصمة عبر أم درمان، بينما تحولت جبرة الشيخ خلال الأشهر الماضية إلى مركز لوجستي وقاعدة متقدمة لقوات الدعم السريع في شمال كردفان.

وأدى سقوط المدينتين إلى تقليص الضغط العسكري على مدينة الأبيض، وفتح طريق أقصر أمام إمدادات الجيش، ودفع قوات الدعم السريع المنسحبة إلى مناطق أكثر انكشافًا في شمال غربي الولاية.

وقالت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، المتحالفة مع الجيش: إنها دمرت 62 عربة قتالية، واستولت على 54 عربة أخرى، إضافة إلى كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات التي تركتها قوات الدعم السريع في مواقعها.

كما كشفت عمليات تمشيط مدينة جبرة الشيخ، وفق مصادر عسكرية تحدثت إلى مواقع سودانية محلية، عن مخازن للأسلحة والذخائر، وطائرات مسيّرة انقضاضية، ووسائل اتصال، وعتاد عسكري متنوع.

وقال الخبير العسكري أبو بكر عبد الرحيم إن الجيش استفاد من عمليات استخبارية دقيقة، إلى جانب ضربات نفذتها الطائرات المسيّرة، أدت إلى قطع خطوط الإمداد، وتحييد عدد من القيادات الميدانية، وهو ما أفقد قوات الدعم السريع جانبًا كبيرًا من قدرتها التقليدية على المناورة واستدعاء التعزيزات من المناطق المجاورة.

وبذلك، جاء خطاب حميدتي بعد انتقال قواته من مرحلة محاولة إحكام الطوق على مدينة الأبيض والتوسع شرقًا، إلى مرحلة الدفاع عن ممراتها الحيوية بين كردفان ودارفور.

قيادة مضطربة

ولم يقتصر الضغط على خسارة الأرض، بل كشف أسلوب الخطاب نفسه عن مؤشرات محتملة على وجود خلل في منظومة القيادة والسيطرة داخل قوات الدعم السريع؛ فبدلاً من تمرير تعليمات الجاهزية، والتحرك، ومنع التصوير عبر التسلسل القيادي العسكري، أعلن حميدتي هذه التوجيهات في كلمة بثت عبر منصات التواصل الاجتماعي، موجهاً أوامره مباشرة إلى جميع المقاتلين.

ويرى السياسي السوداني إبراهيم عبد القادر، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن هذه الطريقة تعكس ضعف قنوات الاتصال بين القيادة والوحدات الميدانية، وغياب بعض القيادات عن مسرح العمليات، لافتاً إلى أن الخطط العسكرية لا تُعرض عادة عبر وسائل الإعلام.

وأضاف أن الخطاب جاء بعد ظهور عناصر من قوات الدعم السريع في مقاطع مصورة يشكون فيها أوضاعهم الميدانية، ويطالبون قيادتهم بالتدخل، ما جعل الكلمة أقرب إلى رسالة موجهة إلى الداخل لاحتواء التململ، منها إلى رسالة موجهة إلى الخصوم.

وتزامنت مؤشرات الاضطراب مع سلسلة من الانشقاقات بلغت ذروتها قبل الخطاب بأيام، بعدما وصل نحو 280 مقاتلاً، بينهم قادة ميدانيون، إلى الخرطوم قادمين من دارفور بكامل عتادهم العسكري.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الجيش السوداني أشرف على إخراج هذه المجموعة من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، تمهيداً لإعادة تنظيمها وإلحاقها بصفوفه.

وسبق ذلك انشقاق مسؤول عمليات محور بارا بشارة الهويرة، والقائد الميداني علي رزق الله "السافنا"، واللواء النور آدم "النور القبة"، الذي غادر شمال دارفور برفقة قوة قيل إنها تضم أكثر من 40 عربة قتالية.

كما أعلن ضيف الله آدم، القائد الثاني للمجموعة الرابعة في محور النيل الأزرق، انشقاقه عن قوات الدعم السريع، فيما استقال فارس النور، مستشار حميدتي وعضو المجلس الرئاسي لتحالف "تأسيس"، من مناصبه العسكرية والسياسية.

ويفسر تتابع هذه الانشقاقات، إلى جانب اتساعها، استعجال حميدتي مخاطبة مقاتليه، في محاولة لطمأنتهم، ورفع معنوياتهم، والتأكيد على أنه سيكون إلى جانبهم في الخطوط الأمامية.

اعتراف بالهزيمة أم تعبئة مضادة؟

وانقسمت قراءات خطاب حميدتي بين من عده اعترافاً ضمنياً بالتراجع العسكري، ومن رأى فيه تمهيداً لمرحلة جديدة من التصعيد.

واستند أصحاب القراءة الأولى إلى تكراره عبارات مثل "لا رجوع"، و"لا تقاعس"، و"نكون أو لا نكون"، مقدرين أنها لغة قائد يسعى إلى احتواء آثار هزيمة ميدانية، ومنع انتقالها من ساحات القتال إلى معنويات المقاتلين.

وأشار مراقبون إلى تشابه هذا الخطاب مع رسائل تعبئة سابقة أطلقها حميدتي عقب خسارة قواته منطقة جبل موية الإستراتيجية بولاية سنار في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ثم عقب انسحابها من الخرطوم في مارس/آذار 2025.

وفي كلتا الحالتين، حاول تعويض التراجع الجغرافي بالتلويح بشن هجمات جديدة، والتأكيد أن الانسحاب لا يعني فقدان القدرة على مواصلة القتال.

في المقابل، ركزت القراءة الثانية على حديثه عن تغيير "اللعبة"، ومنح القادة الميدانيين حرية أكبر في إدارة التحركات، إلى جانب امتناعه عن تحديد المناطق المستهدفة.

ووفق هذه القراءة، قد تكون قيادة الدعم السريع بصدد نقل ثقل عملياتها إلى محور جديد، أو تنفيذ هجمات تعتمد على الطائرات المسيّرة والالتفاف على مناطق تقدم الجيش، بدلاً من خوض مواجهة مباشرة على طريق الصادرات.

وحاول حميدتي موازنة خسارة المدن بالتأكيد أن قواته ألحقت بالجيش، خلال يومين، خسائر بشرية لا يمكن تعويضها، لكنه لم يقدم أرقاماً أو أدلة تدعم هذا الادعاء.

في المقابل، ركز الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه على عرض العربات القتالية والأسلحة والذخائر التي استولوا عليها خلال العمليات الأخيرة.

وبحسب مقال للكاتب السوداني عثمان السمندل نشرته صحيفة "سودانيل"، فإن التراجع في شمال كردفان لا يعني أن قوات الدعم السريع أصبحت على وشك الانهيار، إذ لا تزال تحتفظ بقوات كبيرة، ومناطق نفوذ، وقدرات تسليحية، وخطوط إمداد فاعلة.

غير أن الخطاب كشف، في المقابل، أن قيادة الدعم السريع تنظر إلى المرحلة الحالية بوصفها اختباراً حقيقياً لبقاء مشروعها العسكري، وليس مجرد خسارة تكتيكية عابرة.

الطابور الخامس

ولعل أخطر ما حمله خطاب حميدتي كان دعوته إلى "تنظيف الطابور الخامس"؛ إذ تعكس هذه العبارة انتقال تفسير أسباب التراجع من ميدان المعركة إلى داخل صفوف قواته، بما يوحي بتزايد الشكوك داخل منظومة القيادة والثقة.

وقد يكون تشديده على منع تصوير التحركات العسكرية مرتبطًا بخسائر عملياتية مباشرة؛ إذ تتيح المقاطع المصورة للخصم تحديد مواقع القوات، وأنواع الأسلحة، واتجاهات التحرك، كما تساعده على تحليل نقاط التجمع وخطوط الإمداد.

لكن تهديد كل من يصور من دون تكليف باعتباره جزءًا من "الطابور الخامس" يتجاوز مجرد ضبط النشاط الإعلامي، إلى توسيع دائرة الاشتباه داخل القوة، بما قد يشمل مقاتلين وقادة ميدانيين.

وتزداد خطورة هذا التوجه في قوة ذات تركيبة قبلية ومناطقية معقدة، شهدت خلال الأشهر الماضية انتقال عدد من القادة والمجموعات بكامل أسلحتها إلى الجانب الآخر.

ومن شأن تكثيف عمليات البحث عن متعاونين أو مشتبه بهم أن يدفع إلى تشديد الرقابة الداخلية، وتقييد حركة الوحدات، وإعادة توزيع القيادات، وهي إجراءات قد تقلل من المرونة الميدانية التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع طوال سنوات الحرب.

كما أعاد الخطاب إلى الواجهة تصريحات القائد المنشق علي رزق الله "السافنا"، الذي قال عقب انشقاقه: إن قوات الدعم السريع قامت بتصفية عدد من القادة، وفرضت الإقامة الجبرية على آخرين، وذكر أسماء بعينها.

وبحسب الكاتب السوداني حسن يعقوب، في مقال نشره موقع "سودافكس" المحلي، فإن الدعوة إلى "تنظيف الطابور الخامس" قد تأتي بنتائج عكسية؛ إذ قد تؤدي، بدلاً من استعادة الانضباط، إلى توسيع دائرة الشكوك داخل صفوف القوة، ودفع العناصر المترددة إلى الانشقاق.

وعندها، لن يكون التحدي الأكبر أمام قوات الدعم السريع استعادة المدن التي خسرتها، بقدر ما سيكون الحفاظ على تماسكها الداخلي ومنع تفكك بنيتها التنظيمية.

مرحلة مفصلية

وفي المحصلة، لا يقدم خطاب حميدتي دليلاً قاطعًا على قرب انهيار قوات الدعم السريع، كما لا يؤكد في الوقت نفسه قدرتها على استعادة زمام المبادرة عسكريًا، لكنه يكشف بوضوح أن الحركة تواجه واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ اندلاع الحرب.

فبين خسائر ميدانية متتالية في شمال كردفان، وانشقاقات نالت قادة وعناصر بارزين، وتشديد إجراءات الانضباط الداخلي، تبدو قيادة الدعم السريع أمام اختبار مزدوج؛ يتمثل في الحفاظ على تماسك قواتها، ومنع انتقال آثار التراجع العسكري إلى بنيتها التنظيمية.

وفي المقابل، يسعى الجيش السوداني إلى استثمار تقدمه الميداني لتعزيز مكاسبه في كردفان، وقطع ما تبقى من خطوط الإمداد بين الإقليم ودارفور، بما قد يفرض معادلات جديدة على مسار الحرب خلال المرحلة المقبلة.

وبناءً على ذلك، تبدو المعارك المقبلة مرشحة لأن تكون أكثر حسماً، ليس فقط على مستوى السيطرة على الأرض، وإنما أيضاً في تحديد قدرة كل طرف على الحفاظ على تماسكه العسكري والتنظيمي، في حرب دخلت مرحلة تختلف عن جميع مراحلها السابقة.