«إي 1».. مشروع استيطاني يربط القدس بمعاليه أدوميم ويهدد الدولة الفلسطينية

أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن المشروع يدفن فكرة الدولة الفلسطينية
نقل الاحتلال الإسرائيلي مشروع «إي 1» الاستيطاني شرقي القدس المحتلة إلى مرحلة تنفيذية متقدمة في 17 سبتمبر/ أيلول 2026، بعدما استكمل إدراج وحداته البالغ عددها 3401 وحدة ضمن مسار المناقصات.
وبذلك، اقترب مخطط أوقفته الضغوط الدولية لعقود من التحول إلى عقود بناء، في منطقة يتوقف على مصيرها التواصل الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وبين القدس الشرقية ومحيطها.
وعلى هذه التلال، تتقاطع خطط الإسكان والطرق ومناطق التشغيل مع إجراءات تهدد تجمعات بدوية بالإخلاء، لتشكل مشروعًا يتجاوز حدود معاليه أدوميم إلى مستقبل الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية. وقد أعلن مسؤولون إسرائيليون، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أن الغاية من البناء هي إغلاق الطريق أمام قيامها، بينما يسابق السكان والمنظمات الحقوقية إجراءات التنفيذ أمام القضاء.
فكيف وصل المشروع إلى هذه اللحظة بعد ثلاثة عقود من التأجيل؟ ومن يحول مخططاته إلى وقائع؟ وكيف تتكامل الطرق والمساكن والتهجير في إعادة رسم الضفة؟ وما الذي تستطيع الاعتراضات الفلسطينية والدولية وقفه قبل انتقال المناقصات إلى مرحلة البناء؟

ثلاثة عقود
بدأ الطريق إلى المناقصات بإعادة رسم الحدود الإدارية. ففي عام 1991، نُقل جزء من المنطقة إلى نطاق مجلس معاليه أدوميم، خلال حكومة إسحق شامير. وبعد ثلاثة أعوام، وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين وزير الإسكان بنيامين بن إليعازر لإعداد حي فيها، ثم أُقر المخطط الهيكلي العام عام 1999.
وتعاقبت الحكومات على تطوير الفكرة، وأنشئت طرق ومرافق ومقر للشرطة، لكن البناء السكني ظل معلقًا. وفي عام 2012، أعادت إسرائيل دفع المشروع بعد رفع مكانة فلسطين في الأمم المتحدة، قبل أن تتباطأ الإجراءات مجددًا. ثم أودعت المخططات السكنية للاعتراضات عام 2020، وصولًا إلى المصادقة النهائية في أغسطس/ آب 2025.
وكان الانتقال الحاسم من إقرار الخرائط إلى تسويق البناء. ففي ديسمبر/ كانون الأول 2025، طرحت المناقصة رقم 460/2025 للمشروع كاملًا، وتأجل فتحها مرارًا.
وفي 18 أغسطس/ آب 2026، ظهرت مناقصة مستقلة، رقم 186/2026، تضم 1234 وحدة، ثم خُفض عدد وحدات المناقصة الأصلية إلى 2167 وحدة، في تحديث مؤرخ في 7 سبتمبر/ أيلول.
وهذا توزيع للعدد المعتمد بين مناقصتين، وليس إضافة وحدات جديدة فوق العدد الإجمالي. وتُغلق الأولى في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بينما تبدأ الثانية في تلقي العروض في 25 من الشهر نفسه، أي قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة بعد يومين.
وفي دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 7 سبتمبر/ أيلول، عدت المناقصات تجاوزًا لعتبة توقفت عندها حكومات سابقة بفعل المعارضة الأميركية والأوروبية.
وتوضح المقارنة طبيعة التحول؛ فالمصادقة تمنح المشروع اعتمادًا تخطيطيًا، أما المناقصة فتدخل الشركات وحقوقها التعاقدية إلى الملف، وتزيد من تعقيد التراجع عنه.
وتربط الدراسة التوقيت الانتخابي بمكسب سياسي سريع للحكومة، يقابله ثمن دبلوماسي يثير التساؤل عن المنفعة الإستراتيجية للمشروع.
طرق تعيد رسم الضفة
وتتضح قيمة هذه العتبة على خريطة القدس؛ فالمشروع يمتد على نحو 12 كيلومترًا مربعًا ضمن المنطقة المصنفة «ج»، بين القدس الشرقية ومعاليه أدوميم، بمحاذاة عناتا والزعيم والعيساوية والعيزرية وأبو ديس. ويتقاطع امتداد إسرائيلي من الغرب إلى الشرق مع مجال فلسطيني يصل رام الله ببيت لحم والخليل.
وتكتسب المنطقة وزنًا يتجاوز مساحة المساكن، فهي من احتياطيات الأرض اللازمة لتطور التجمع الحضري الفلسطيني الممتد عبر القدس، حيث تتداخل فرص السكن والعمل والخدمات. ويقدر تقرير «عير عميم» وجود نحو مليون فلسطيني داخل دائرة نصف قطرها 15 كيلومترًا حول «إي 1»، بما يوضح اتساع دائرة المتأثرين بالمشروع.
ولإكمال الربط الإسرائيلي، طُرحت في مارس/ آذار 2026 مناقصة لمنطقة تشغيل وتجارية مساحتها 1355 دونمًا شرق عناتا والزعيم، مع مدخل مخطط من جهة القدس.
وبالتوازي، تقدمت إجراءات طريق العيزرية–الزعيم، المعروف باسم «نسيج الحياة» أو «طريق السيادة»، بميزانية مرصودة تبلغ 335 مليون شيكل.
وفي مايو/ أيار، هدمت الإدارة الإسرائيلية عشرات المحال عند مدخل العيزرية، في إجراءات ربطتها المنظمات بالتحضير لشق الطريق.
وتتمثل وظيفة الطريق في تحويل حركة الفلسطينيين بعيدًا عن الممر بين معاليه أدوميم والمشروع، بما يتيح تغيير مواقع الحواجز وإغلاق المجال المحيط أمامهم.
وتقدر «عير عميم» نطاق الضم الفعلي الذي تدفع إليه هذه المنظومة بنحو 3 بالمئة من الضفة الغربية، وهي مساحة تشمل الحيز الأوسع حول المستوطنة.
ويكمن الاعتراض التخطيطي في امتلاك أرض متصلة قابلة للتنمية؛ فقد تبقى رحلة رام الله–بيت لحم ممكنة، بينما تصبح المداخل والأراضي المحيطة تحت السيطرة الإسرائيلية. وهنا يتجاوز أثر المشروع إطالة المسافات، ليصل إلى تقييد توسع القدس الفلسطينية وإمكان قيام دولة ذات تواصل إقليمي وسيادة.

الضم بأدوات الاحتلال
وتمنح تصريحات المسؤولين هذه الخريطة معناها السياسي. ففي أغسطس/ آب 2025، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن البناء «يدفن فكرة الدولة الفلسطينية». وبعد شهر، قال رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، خلال توقيع اتفاق تطوير معاليه أدوميم: «لن تكون هناك دولة فلسطينية». وبذلك، اقترن تسريع المشروع بهدف معلن يتعلق بمستقبل التسوية.
وتتوزع أدوات التنفيذ بين مؤسسات متعددة. ويتولى مجلس التخطيط الأعلى في الإدارة المدنية المصادقة على المخططات والنظر في الاعتراضات، وتطرح وزارة البناء والإسكان وسلطة أراضي إسرائيل المناقصات، بينما تشارك بلدية معاليه أدوميم في أعمال التطوير والتراخيص.
ويجمع سموتريتش بين وزارة المالية وصلاحيات داخل وزارة الدفاع متصلة بالشؤون المدنية في الضفة، بما يمنحه تأثيرًا في التمويل ومسار الإدارة.
ويترجم اتفاق سبتمبر/ أيلول 2025 هذا التنسيق إلى التزامات، تشمل ثلاثة مليارات شيكل للبنية التحتية اللازمة لنحو 7600 وحدة في معاليه أدوميم و«إي 1» مجتمعين، مقابل تسريع البلدية إصدار التراخيص. وبالتالي، يغطي التمويل توسعًا أوسع من المشروع وحده.
وتعمل خلف القرار شبكة استيطانية تدفع به سياسيًا وميدانيًا. فقد نظم مجلس «يشع»، مظلة المجالس الاستيطانية، فعالية للإعلان عن دفع المشروع، ورحب رئيسه يسرائيل غانتس بالخطوة. ويضغط رئيس بلدية معاليه أدوميم غاي يفراح لتوسيع المستوطنة وربطها بالقدس.
أما «رغافيم»، فتستخدم الالتماسات ورصد البناء الفلسطيني للمطالبة بهدم تجمعات تصفها بأنها غير مرخصة، وفي مقدمتها الخان الأحمر. وشاركها «منتدى محيط القدس» تنظيم جولات لأعضاء كنيست للضغط باتجاه إخلائه. وحضر إحدى هذه الجولات في يناير/ كانون الثاني 2023 عضوا الكنيست عن الليكود داني دانون ويولي إدلشتاين.
وتوثق «عير عميم» مشاركة سموتريتش في هذه الجهود خلال نشاطه في الحركة، قبل توليه صلاحيات حكومية. وتكشف هذه الصلة انتقال مطالب الإخلاء من حملات المنظمات إلى مؤسسات قادرة على إصدار الأوامر وتنفيذها.

اقتلاع يتجدد شرق القدس
أما على الجانب الفلسطيني من الخريطة، فيقع الخان الأحمر في قلب الصراع على البقاء. وسبق لسكانه النزوح من النقب في خمسينيات القرن الماضي، قبل استقرارهم شرقي القدس.
ويضم التجمع البدوي اليوم نحو 250 شخصًا، ويواجه تهديدات متكررة بالإخلاء. وفي 19 مايو/ أيار 2026، وجه سموتريتش الإدارة المدنية إلى تسريع إجراءات إزالته، بالتزامن مع أمر بوضع اليد على شريط من الأرض يمر فيه لمد خط مياه بين مستوطنتي ميشور أدوميم وكفار أدوميم.
وتحذر «عير عميم» من أن المسار يهدد منشآت السكان ويضاعف القيود المفروضة عليهم، ضمن إجراءات تستهدف المجال الأوسع حول المشروع. وتقدر «هيومن رايتس ووتش» أن تنفيذ «إي 1» يهدد بالتهجير القسري لأكثر من 18 تجمعًا بدويًا، وهي جماعات ترتبط قدرتها على البقاء بالأرض والرعي والوصول إلى الخدمات.
وفي مقابل هذه التجمعات، تدفع حكومة الاحتلال بمخطط توسعة حي الجبل قرب أبو ديس، على نحو 79 دونمًا، بسعة نظرية تقارب 950 وحدة. وتقول منظمة «السلام الآن»: إن الموقع يبعد أقل من مئة متر عن مكب للنفايات، وإن انحدار الأرض وكثافة المباني المقترحة لا يتلاءمان مع نمط الحياة البدوية.
وتعيد الخطة إلى الواجهة تجربة الجهالين الذين نُقلوا إلى المنطقة في التسعينيات لإفساح المجال أمام توسع معاليه أدوميم. وقد وثقت دراسة لمنظمة «بمكوم» أثر النقل السابق على النساء، من خسارة أدوارهن الاقتصادية في تربية المواشي إلى تراجع الخصوصية وتوتر العلاقات الاجتماعية في المواقع المكتظة. وبالتزامن، تستهدف المساكن والخدمات الجديدة جذب مستوطنين إسرائيليين، بينما تتقلص إمكانات التوسع الفلسطيني شرق القدس.

معركة تسبق الجرافات
وتواجه هذه الإجراءات اعتراضات تتجاوز بيانات الإدانة. فلسطينيًا، طالب نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ بتحويل الإدانة إلى «إجراءات ملزمة وحاسمة» توقف الاستيطان والضم، محذرًا من تقويض إمكان قيام دولة متصلة.
وشارك سكان متضررون من المنطقة في التماسات قدمتها «عير عميم» و«السلام الآن» و«بمكوم»، بتمثيل المحامي مايكل سفارد.
وفي 8 سبتمبر/ أيلول، رفضت المحكمة المركزية في القدس وقف مناقصة الدفعة الأولى مؤقتًا، لكنها أبقت الطعون في المخططات قيد النظر.
ويتصل هذا النزاع بضغوط تستهدف الجهات المنفذة. وتستند الاعتراضات الحقوقية إلى حظر نقل سكان القوة المحتلة إلى الأرض المحتلة، وحظر النقل القسري للسكان الفلسطينيين. وقد حذرت «هيومن رايتس ووتش» الشركات من مخاطر التورط في انتهاكات مرتبطة بالبناء الاستيطاني والتهجير.
كما طالب وزراء خارجية تركيا والإمارات وإندونيسيا وقطر ومصر وباكستان والسعودية والأردن بوقف المشروع وإلغاء إجراءاته، ودعموا فرض عقوبات على الجهات التي تموله أو تسهله أو تنفذه.
وفي 8 سبتمبر/ أيلول، أعلنت 12 دولة نيتها فرض قيود تجارية على سلع المستوطنات أو دعمها أو التعامل معها، وتعهدت بريطانيا وفرنسا وكندا باتخاذ تدابير وطنية لحظر تجارتها.
وداخل الأراضي المحتلة، وصف رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت المشروع بأنه «خطأ» يحمل الدولة كلفة دولية، مع رفضه حل الدولتين في الظروف الحالية.
فيما صعّد رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود أولمرت انتقاداته لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو في الضفة الغربية، مؤكدًا أن الفلسطينيين يتعرضون لمحاولة «تطهير عرقي».
المصادر
- مشروع "إي 1" الاستيطاني يدخل مرحلة التنفيذ.. هكذا تفكك إسرائيل الضفة جغرافيا
- أولمرت: "إسرائيل" تنفذ تطهيرًا عرقيًا في الضفة.. ويؤيد العقوبات البريطانية على المستوطنات
- 8 دول بينها تركيا تدين الاستيطان الإسرائيلي وتطالب بوقف مشروع "E1"
- إسرائيل تفتح باب العطاءات لمشروع استيطاني بالغ الحساسية في الضفة الغربية
- Joint Foreign Ministers' Statement on the Two-State Solution
















