"عصائب أهل الحق ولواء الإمام علي".. ماذا وراء تسليم سلاحهما للجيش العراقي؟

"ما يجري في العراق لا يمكن اعتباره شأنا داخليا فحسب"
في الأيام الأخيرة، أعلنت "عصائب أهل الحق" و"لواء الإمام علي"، وهما من أبرز الفصائل الشيعية الموالية لإيران في العراق، فك ارتباطهما بهيئة الحشد الشعبي، وتسليم جميع الأسلحة والمعدات لتصبح تحت الإشراف المباشر والموحد للدولة.
وتعليقا على ذلك، يرى موقع "سوهو" الصيني أن هذه الخطوة لا تمثل مجرد إعادة ترتيب للقوى المسلحة داخل العراق، بل تعكس تحولات أعمق تمس بنية السلطة والأمن في البلاد، وتحمل أيضًا تداعيات إقليمية مرتبطة بتوازنات النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية.
كما تشير هذه التطورات إلى أن قوات الحشد الشعبي التي لعبت دورًا محوريًا في الحرب ضد تنظيم الدولة، تواجه اليوم أكبر عملية إعادة هيكلة منذ تأسيسها.

مناورة مفاجئة
وأوضح أن "الفصيلين أعلنا في 2 يونيو/ حزيران 2026 بدء عملية إعادة هيكلة شاملة عبر تشكيل لجان متخصصة تتولى حصر الأفراد والمعدات العسكرية، تمهيدا لفك الارتباط الكامل ببنية الفصائل المسلحة والخضوع لإدارة الدولة العراقية".
وأضاف: "هذه الخطوة لم تكن مفاجئة أو معزولة عن السياق السياسي، بل جاءت مدعومة من تحالف الإطار التنسيقي، أكبر كتلة في البرلمان العراقي الذي عدّ حصر السلاح بيد الدولة واستعادة المؤسسات الرسمية لسلطة القرار الأمني جزءا أساسيا من عملية إصلاح الدولة".
فقد أصدر الإطار التنسيقي في الأول من يونيو/ حزيران بيانا دعا فيه إلى حصر السلاح بيد الدولة وفصل هيئة الحشد الشعبي عن الارتباطات الحزبية والسياسية.
وبحسب التقرير، فإن "استجابة فصيلين بارزين لهذه الدعوة بعد يوم واحد فقط تعكس وجود توافق سياسي مسبق أكثر مما تعكس مبادرة منفردة من هذه الفصائل".
في السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن "الزعيم الشيعي مقتدى الصدر كان قد دعا كذلك في مايو/ أيار الفصائل التابعة له إلى الاندماج الكامل ضمن المؤسسات العسكرية الرسمية".
وبحسبه، فإن "تتابع هذه المواقف السياسية يعكس وجود توافق متزايد بين القوى السياسية العراقية الرئيسة على أن أمن البلاد واستقرارها لا يمكن أن يستندا إلى تعدد مراكز القوة المسلحة، وإنما إلى سلطة الدولة المركزية ومؤسساتها الرسمية".
بتعبير آخر، "إن قبول فصائل شيعية رئيسة بالخضوع لسلطة الدولة يشير إلى تحول نوعي في البيئة السياسية العراقية؛ حيث بدأت بعض القوى السياسية تتجاوز الاعتبارات الفئوية الضيقة لمصلحة مفاهيم الدولة الموحدة والتماسك الوطني".
في سياق متصل، شدد الموقع على أن "إخضاع السلاح لسلطة الدولة لا يقتصر على نقل ملكية الأسلحة والمعدات العسكرية، بل يحمل دلالة رمزية تتعلق بإعادة بناء هيبة الدولة واستعادة مؤسساتها لسلطتها".
وأردف: "عانى العراق طوال سنوات من تعدد مراكز القوى المسلحة وهيمنة الفصائل على أجزاء من المشهد الأمني والسياسي، ما أضعف سلطة الحكومة المركزية وأدى إلى تشتت منظومة الحكم والإدارة".
وبحسبه، فإن "التحولات الجارية حاليا لا تقتصر على إعادة تنظيم الفصائل المسلحة، بل تمثل أيضا عملية إعادة تشكيل للهوية السياسية العراقية، وقد تترك آثارا مهمة على الانتخابات المقبلة وعلى شكل النظام السياسي في المستقبل".
واستطرد: "تحاول بغداد وسط التنافس المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، استعادة جزء من استقلالية قراره السياسي والأمني، وإعادة ترسيخ سلطة الدولة على حساب مراكز النفوذ المسلحة".
ضوء أخضر
في المقابل، يعتقد التقرير أن "عملية التحول الحالية تكشف عن تصدعات متزايدة داخل البيت الشيعي العراقي، كما تضع النفوذ الإيراني التقليدي في العراق أمام تحديات جديدة".
وتابع موضحا: "اعتمدت طهران لعقود على شبكة من الفصائل الشيعية المسلحة التي تربطها بها علاقات سياسية وعقائدية وثيقة، ما وفر لها نفوذا واسعا داخل العراق ومكنها من تعزيز موقعها الإقليمي وموازنة النفوذ الأميركي".
واستدرك: "إلا إن اتجاه بعض الفصائل نحو الدولة العراقية بدلا من الارتباط بالمنظومات المسلحة التقليدية يعكس تحولا جوهريا في حساباتها السياسية ومصالحها الإستراتيجية".
وبحسب وجهة نظره، بات "المعسكر الشيعي العراقي يشهد تبلور مسارين مختلفين؛ الأول تمثله فصائل مثل عصائب أهل الحق ولواء الإمام علي، التي تفضل الاندماج في مؤسسات الدولة والخضوع لسلطتها القانونية، فيما يتمسك المسار الآخر، الذي تمثله فصائل أكثر تشددا مثل كتائب حزب الله، بخيار المقاومة المسلحة ورفض التخلي عن السلاح".
ووفق تقديره، فإن "هذا الانقسام أضعف حالة التنسيق الموحد التي كانت تميز الفصائل الشيعية المسلحة، وأوجد معادلة جديدة تقوم على التنافس بين خيار الاندماج السياسي وخيار الاستمرار في نهج المقاومة".
من زاوية أخرى، لفت الموقع إلى أن "الفصيلين لم يعلنا التخلي عن سلاحهما نتيجة هزيمة عسكرية أمام القوات الأميركية أو العراقية، أو نتيجة ضغط حملة عسكرية أو استسلام ميداني".
بل، بحسبه، "اُتخذ القرار بصورة طوعية؛ حيث أعلنت عصائب أهل الحق عن تشكيل لجنة مختصة لحصر الأفراد والمعدات، فيما أعلن لواء الإمام علي بدء تسليم أسلحته إلى الدولة".
ومن هنا، يعتقد الموقع أن "الهدوء الذي رافق الإعلان والآليات الواضحة التي طرحت لتنفيذه يوحيان بأن الخطوة جاءت تنفيذا لترتيبات سياسية جرى الإعداد لها مسبقا، لا كردّ فعل على تطورات عسكرية طارئة".
لافتا إلى أن "المفارقة تكمن في أن الفصيلين اللذين بادرا إلى إعلان تسليم السلاح يعدان من القوى المعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع إيران".
ودفعت هذه المعطيات الموقع للتساؤل "عما إذا كانت هذه الخطوة تمت بموافقة إيرانية غير معلنة".
في هذا الصدد، لفت التقرير إلى "وجود تقديرات ترى أن طهران قد تجد مصلحة في تقليص دور بعض الفصائل المسلحة، إذا كان ذلك سيساعد على تقوية الحكومة العراقية، وتقليل الذرائع التي تبرر استمرار الوجود العسكري الأميركي".

وقت مناسب
وفي سياق أوسع، يرى التقرير أن استيعاب دلالات هذه التطورات يقتضي التوقف عند طبيعة "هيئة الحشد الشعبي" ودورها في المشهد العراقي.
وقال: "تأسست الهيئة عام 2014 عقب اجتياح تنظيم الدولة مساحات واسعة من العراق، بعدما أصدر المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني فتوى دعا فيها العراقيين إلى حمل السلاح للدفاع عن البلاد".
وأردف: "تحول الحشد الشعبي لاحقا إلى جزء رسمي من المنظومة الأمنية العراقية، وأصبح مقاتلوه يتقاضون رواتبهم من الدولة".
غير أن التقرير نوه إلى أن "العديد من الفصائل المنضوية تحت مظلة الحشد احتفظت بهياكلها الخاصة ومصادر تمويلها ومرجعياتها السياسية، كما حافظ بعضها على علاقات وثيقة مع إيران".
ووفق رأيه، "جعل هذا الواقع الحشد الشعبي يبدو بالنسبة لبعض المراقبين أشبه بكيان مواز للدولة، يمتلك نفوذا عسكريا وسياسيا يتجاوز في بعض الأحيان سلطة المؤسسات الرسمية".
وأضاف أن "الحكومات العراقية المتعاقبة كانت تدرك حساسية هذا الملف، لكنها تجنبت غالبا الدخول في مواجهة مباشرة مع هذه القوى المسلحة".
انطلاقا من ذلك، يرى الموقع أن "رئيس الوزراء علي الزيدي يواجه معادلة شديدة التعقيد في إدارة هذا الملف".
وتابع: "فالعراق يحتاج إلى التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي للحفاظ على الاستقرار، لكنه في الوقت ذاته يواجه ضغوطا داخلية من الفصائل المقربة من إيران الرافضة للوجود الأميركي".
فضلا عن ذلك، "تحتاج بغداد أيضا إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع طهران لضمان التوازن داخل البيت الشيعي، في وقت تتسبب فيه بعض الفصائل المسلحة بأزمات متكررة للدولة العراقية".
في هذا الإطار، أشار التقرير إلى أن "الهجمات التي استهدفت قواعد ومصالح أميركية خلال السنوات الماضية وضعت الحكومة العراقية مرارا في موقف حرج بين حليفيها المتنافسين".
وبحسب التقرير، فإن "الزيدي ربما توصل إلى قناعة بأن استمرار وجود فصائل مسلحة تعمل بصورة موازية لمؤسسات الدولة يمثل عبئا سياسيا وأمنيا، وأن الوقت مناسب لإعادة بسط سلطة الحكومة على هذا الملف".

إعادة تموضع
ومع ذلك، شدد التقرير على أن "الإعلان عن تسليم السلاح لا يعني بالضرورة انتهاء الملف".
وأرجع ذلك إلى "وجود فارق كبير بين إعلان النوايا وبين التنفيذ الكامل على الأرض، خصوصا فيما يتعلق بحصر الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيرة وتسجيلها وإخضاعها لرقابة الدولة".
وأردف: "هناك العديد من التساؤلات ما زالت مطروحة بشأن آليات الإشراف على العملية وإمكانية إخفاء بعض الأسلحة أو الاحتفاظ بها خارج الأطر الرسمية".
ورغم ذلك، يرى الموقع أن "مجرد اتخاذ هذه الخطوة يعكس وجود إرادة سياسية متنامية داخل العراق لإنهاء حالة تعدد مراكز القوة المسلحة وإعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة".
في التداعيات الإقليمية لهذه الخطوة، شدد الموقع على أن "ما يجري في العراق لا يمكن عدّه شأنا داخليا فحسب، بل يرتبط مباشرة بالتنافس الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران".
فوفقا له، "شكل العراق خلال السنوات الماضية إحدى أهم ساحات الصراع غير المباشر بين الطرفين؛ حيث سعى كل منهما إلى توسيع نفوذه عبر حلفاء سياسيين وعسكريين داخل البلاد".
وذكر أن "التغيرات الجارية تأتي في وقت تشهد فيه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ميلا متزايدا نحو تقليص الانخراط المباشر، بينما تواجه إيران ضغوطا خارجية وعقوبات متواصلة، ما أدى إلى تغيير تدريجي في موازين القوى الإقليمية".
في هذا السياق، توقع التقرير أن "ابتعاد بعض الفصائل الشيعية عن المنظومات التقليدية المرتبطة بإيران واقترابها من مؤسسات الدولة العراقية، يحد من هامش النفوذ الإيراني داخل العراق، ويدفع طهران إلى إعادة تقييم إستراتيجيتها هناك".
وعليه، يعتقد أن إيران "قد تجد نفسها مضطرة مستقبلا إلى تعزيز علاقاتها مع الحكومة المركزية العراقية بصورة أكبر، بدلا من الاعتماد على شبكة الفصائل المسلحة فقط، إذا أرادت الحفاظ على نفوذها داخل البلاد".
"من جهتها، تواجه الحكومة العراقية تحدي كبير يتمثل في قدرتها على استكمال عملية دمج الفصائل المسلحة، وترسيخ سلطة الدولة، واحتواء الانقسامات الداخلية، ومنع التدخلات الخارجية"، وفقا له.
في المحصلة، يرى التقرير أن "مستقبل العراق لن يؤثر في استقراره الداخلي فحسب، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على توازنات الشرق الأوسط وعلى طبيعة التفاعلات الإقليمية خلال السنوات المقبلة".
















