بعد عزلة وعقوبات لعقود.. ماذا وراء الاهتمام الدولي المتصاعد بسوريا الجديدة؟

"حظي الشرع خلال بضعة أشهر باهتمام دبلوماسي يفوق ما حصل عليه العديد من قادة الشرق الأوسط طوال سنوات حكمهم"
حتى وقت قريب، كانت سوريا تُعد من أكثر دول المنطقة عزلةً وإثارةً للجدل، في ظل اقتصاد متدهور، وحرب أهلية استمرت لسنوات طويلة، إضافة إلى عقوبات دولية مشددة.
لكن خلال الأشهر الأخيرة، شهدت الساحة الدولية تطورًا غير معتاد؛ حيث تكثفت اللقاءات والاتصالات الهاتفية بين الرئيس السوري أحمد الشرع وعدد من قادة الولايات المتحدة وتركيا، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي، وملك بريطانيا، إلى جانب قادة دول الخليج.
وفي الفترة الأخيرة، تلقت سوريا دعوة للمشاركة في قمة مجموعة السبع، كما بدأت محادثات مع دمشق حول الاستثمارات، والدعم المالي الأوروبي، وإعادة تفعيل الاتفاقيات التجارية.
ورغم عدم تلبية الشرع دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لحضور قمة إيفيان، إلا أن موقع "داي آز" الأذربيجاني أشار إلى أنه "لم تحظ أي دولة في الشرق الأوسط خرجت من حرب أو أزمة بهذا المستوى من الاهتمام الدولي والعروض العملية خلال فترة زمنية قصيرة".
وأضاف الموقع أن التاريخ شهد حالات عديدة لتغيير أنظمة بعد نزاعات، لكن نادرًا ما يحصل قائد جديد خلال فترة قصيرة على هذا القدر من الوصول إلى دوائر صنع القرار الدولية والمنصات العالمية الكبرى.
وبحسب الموقع الناطق بالروسية، فقد حظي أحمد الشرع خلال بضعة أشهر باهتمام دبلوماسي يفوق ما حصل عليه العديد من قادة الشرق الأوسط طوال سنوات حكمهم.

قفزة نوعية
وأثار هذا الواقع تساؤلات التقرير "حول أسباب هذا الانفتاح السريع على سوريا، رغم أنها لم تتحول بين ليلة وضحاها إلى دولة ثرية، ولم تكتشف احتياطيات ضخمة من النفط أو الغاز، ولم تحقق قفزة تكنولوجية نوعية، كما أنها لا تصنف ضمن القوى الإقليمية الكبرى".
ويرى الموقع أن "التفسير الأول يتمثل في التقديرات الإنسانية، فالحرب خلفت دمارا واسعا في سوريا وأدت إلى انهيار اقتصادي وتشريد ملايين السوريين".
واستدرك: "غير أن هذا العامل وحده لا يكفي لتفسير حجم الاهتمام الدولي؛ إذ توجد دول أخرى كثيرة تحتاج إلى المساعدة دون أن تحظى بالمستوى ذاته من الزخم السياسي".
من هنا، أبرز التقرير تفسير ثاني "يرتبط بإيران وروسيا، فمن الواضح أن الدول الغربية تسعى إلى تقليص نفوذ كل من طهران وموسكو داخل سوريا".
لكن التقرير يرى أن "هذا العامل أيضا لا يفسر وحده حجم النشاط الدبلوماسي المتنامي، ولا السرعة التي جرى بها منح الشرعية الدولية للقيادة السورية الجديدة".
وطرح الموقع تفسيرا ثالثا "يتعلق بالمصالح الأوروبية، فمن وجهة نظر أوروبا، تمثل سوريا قضية مرتبطة بملايين اللاجئين، وإذا بدأت البلاد في التعافي واستقطاب التمويل الدولي، فقد يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغوط الناجمة عن الهجرة على الدول الأوروبية".
وفي هذا السياق، يرى التقرير أن "تخصيص بضعة مليارات من اليورو لإعادة إعمار سوريا قد يكون أقل تكلفة بالنسبة لبروكسل من الاستمرار لعقود في التعامل مع تداعيات أزمة الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي".

بديل آمن
ورغم اعتقاد التقرير أن "كل هذه التفسيرات تبدو منطقية"، إلا أنه يقدر أن "أيا منها بمفرده لا يفسر السبب الذي يدفع القوى الدولية ليس فقط إلى الاعتراف بالسلطة السورية الجديدة، بل إلى محاولة دمجها بسرعة في المؤسسات والآليات الدولية القائمة".
وأضاف: "إن الاعتراف بالشرعية السياسية في العلاقات الدولية يستغرق عادة سنوات، لا سيما عندما يتعلق الأمر بدول كانت حتى وقت قريب تعيش عزلة دولية وترتبط صورتها بالحروب والصراعات".
من هنا، لفت التقرير إلى "عامل آخر يتمثل في إعادة بناء الاقتصاد السوري، فالدولة التي يناهز عدد سكانها 25 مليون نسمة شهدت تدميرا واسعا للبنية التحتية وقطاع الطاقة والطرق والمساكن وشبكات المياه والقطاع الصناعي، فيما تقدر الخسائر المتراكمة خلال سنوات الحرب بمئات مليارات الدولارات".
وبحسبه، فإن "هذا يعني أن جميع القطاعات الاقتصادية تقريبا تحتاج إلى استثمارات ضخمة خلال المرحلة المقبلة".
ومن هذا المنطلق، يعتقد التقرير أن "المنطقة قد تكون أمام بداية سباق للظفر بأكبر سوق لإعادة الإعمار في الشرق الأوسط منذ إعادة إعمار العراق، وأن وتيرة التحركات الدبلوماسية الحالية قد تعكس رغبة القوى الكبرى في ترسيخ نفوذها قبل توزيع الفرص الاقتصادية والاستثمارية".
وعلاوة على ذلك، "تكشف الخارطة الجغرافية عن موقع سوري إستراتيجي يربط بين تركيا والعراق ودول الخليج وشرق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، مما يؤهلها لتكون ممرا لتدفقات التجارة ومشاريع الطاقة وشبكات اللوجستيات".
في هذا الصدد، يقدر الموقع أن "دعوة سوريا لحضور قمة مجموعة السبع قد ترتبط برؤية دولية تسعى لدمجها في سلاسل الإمداد وممرات النقل الجديدة، كبديل آمن في ظل عدم الاستقرار المحيط بمضيق هرمز".
ومع ذلك، يرى التقرير أنه "لو كانت المكاسب الاقتصادية وحدها هي المحرك الرئيس، لكان المشهد يقتصر على نشاط شركات البناء والبنوك وصناديق الاستثمار ووزارات الاقتصاد".
وأردف: "لكن ما يجري حاليا يتجاوز ذلك، إذ يتمثل في اهتمام مباشر من كبار القادة الدوليين واعتراف سياسي ودبلوماسي على أعلى المستويات".
واستطرد: "إن الدول التي تحظى عادة بهذا المستوى من الاهتمام الغربي تكون إما حلفاء رئيسين أو دولا تقع في قلب تحولات جيوسياسية كبرى، ويبدو أن سوريا باتت تنتمي إلى الفئة الثانية".
في المحصلة، يؤكد الموقع أن "سقوط نظام بشار الأسد أتاح فرصة نادرة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، وأن سوريا أصبحت في صلب عملية إعادة الترتيب الإقليمي الجارية".
وأضاف أن "الاستثمارات وإعادة الإعمار والتجارة عناصر ضرورية لضمان استقرار هذا التوازن الجديد".
واختتم قائلا: "لا يبدو أن الاقتصاد الهدف النهائي بحد ذاته، بل يعد جزءا من مشروع سياسي أوسع يهدف إلى صياغة قواعد جديدة للعبة الإقليمية في مرحلة لم تعد فيها الترتيبات القديمة قادرة على الاستمرار".
















