"مشاريع الرفاهية".. لماذا يضخ المستثمرون في سوريا أموالهم بمنطقة يعفور؟

مصعب المجبل | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تعود بلدة يعفور الواقعة على بُعد نحو 20 كيلومتراً غرب العاصمة دمشق، والتي تُعد واحدة من أبرز المناطق السكنية الراقية في سوريا، إلى واجهة المشهد الاستثماري مجدداً، في ظل تصاعد الاهتمام بمشاريع إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي، وسط مساعٍ لجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية إلى القطاع العقاري.

وتُعد يعفور من المناطق التي اكتسبت خلال العقود الماضية طابعاً نخبوياً خاصاً، حيث تحولت تدريجياً إلى رمز للعيش الراقي في محيط العاصمة، وأصبحت وجهة مفضلة لشرائح من رجال الأعمال والدبلوماسيين والمستثمرين السوريين والعرب، إضافة إلى شخصيات سياسية واقتصادية نافذة.

وتشير الأدبيات العمرانية في ريف دمشق إلى أن يعفور، إلى جانب مناطق مثل صحنايا وقدسيا، كانت من أوائل الضواحي التي شهدت نمط “السكن شبه المغلق” (Gated Communities) في سوريا، وهو نمط يرتبط عادة بالمشاريع السكنية الفاخرة ذات الطابع الأمني والخدمي المتكامل.

 “يعفور 963”

وتقع البلدة على طريق دمشق – بيروت الدولي، وهو أحد أهم المحاور الاقتصادية والإستراتيجية التي تربط سوريا بلبنان، ما يمنحها أهمية لوجستية إضافية تتجاوز بعدها السكني. كما تتميز بموقعها المرتفع نسبياً، الأمر الذي يمنحها مناخاً معتدلاً صيفاً، ويجعلها أقل ازدحاماً مقارنة بوسط العاصمة.

وخلال العقود الثلاثة الماضية، شهدت يعفور طفرة في المشاريع العقارية والاستثمارية، لتتحول إلى منطقة تضم فيلات وقصوراً ومزارع خاصة، كانت جزءاً من نمط سكني للنخب الاقتصادية والسياسية، ومن بينها شخصيات مرتبطة بالنظام السوري السابق، حيث ارتبط اسم المنطقة بعدد من القصور الخاصة بعائلة الأسد وكبار المسؤولين.

وتربط المنطقة شبكة طرق حديثة نسبياً تسهّل الوصول إلى مطار دمشق الدولي خلال نحو 40 إلى 45 دقيقة، وهو عامل مهم في تعزيز جاذبيتها الاستثمارية، خصوصاً لرجال الأعمال والمستثمرين الذين يفضلون القرب من المطار مع الحفاظ على خصوصية سكنية عالية.

كما تحيط بها جامعات خاصة ومدارس دولية ومراكز تجارية حديثة، إلى جانب مطاعم ومرافق خدمية راقية، إضافة إلى انتشار أنظمة أمن وحراسة خاصة داخل المجمعات السكنية، وهو ما يعكس طبيعة “التطوير العقاري المغلق” الذي يميزها عن باقي مناطق ريف دمشق.

ومع تداخل هذه العوامل، عادت يعفور إلى واجهة المشهد الاستثماري عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024؛ حيث بدأت موجة اهتمام جديدة من مستثمرين محليين وخليجيين لإعادة إطلاق مشاريع عقارية كبرى في المنطقة.

وفي أحدث هذه المشاريع، أعلنت مجموعة الاستثمار لما وراء البحار (IGO)، التي تأسست عام 2004 في الإمارات العربية المتحدة، في 17 يونيو/حزيران 2026، إطلاق مشروع “يعفور 963” السكني على مساحة تُقدّر بـ144 ألف متر مربع.

ويهدف المشروع إلى تطوير القطاع العقاري في سوريا عبر إنشاء مجمع سكني متكامل الخدمات يعتمد على مفاهيم حديثة في التخطيط العمراني، ويجمع بين الطابع المعماري المعاصر والهوية المحلية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية “سانا”.

ويتضمن المشروع مساحات خضراء واسعة، ومواقف سيارات، ومنشآت رياضية وترفيهية وخدمية، إضافة إلى مرافق تجارية، بما يوفّر بيئة سكنية متكاملة تلبي احتياجات السكان وفق المعايير الحديثة للتطوير العمراني.

وقال رجل الأعمال السوري موفق القداح، في تصريح لوكالة “سانا” خلال مراسم إطلاق المشروع: إن “يعفور 963” يمثل باكورة أعمال المجموعة في سوريا، ويأتي ضمن رؤية استثمارية تركز على إدخال تقنيات البناء الحديثة وتطوير مفهوم السكن الراقي في البلاد.

كما فتحت منصات التسويق العقاري باب الاكتتاب على المشروع الذي يتضمن 12 برجاً سكنياً، طُرح منها برجان في المرحلة الأولى، مع عرض أسعار يبدأ من 280 ألف دولار للشقة الواحدة، مع تسهيلات سداد تمتد لثلاث سنوات بعد دفعة أولى بنسبة 15%.

لطالما ارتبط اسم يعفور في الوعي العام السوري بأنها منطقة سكن للنخب الميسورة؛ حيث ظلت لسنوات طويلة خارج نطاق السكن العام أو الطبقات المتوسطة؛ بسبب ارتفاع أسعار العقارات فيها وخصوصيتها العمرانية والأمنية.

وبعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، ظهرت إلى العلن معلومات وصور لعدد من العقارات الفاخرة في المنطقة، من بينها فيلا تعود لماهر الأسد شقيق بشار الأسد، ما سلط الضوء على حجم الثروة العقارية التي تراكمت في المنطقة خلال العقود الماضية.

كما تشير مصادر عقارية وإعلامية إلى أن عدداً من قيادات الفرقة الرابعة، التي كان يقودها ماهر الأسد، يمتلكون عقارات في يعفور، إلى جانب شخصيات سياسية واقتصادية بارزة من عهد حافظ الأسد، وبعض رجال الأعمال الذين غادروا البلاد لاحقاً.

وخلال العقود الثلاثة الماضية، توسعت المشاريع السكنية الفاخرة في المنطقة بشكل ملحوظ؛ حيث ظل التملك فيها شبه محصور على أصحاب الثروات الكبيرة من السوريين، إضافة إلى مستثمرين عرب، خصوصاً من دول الخليج.

وتضم يعفور قصوراً ضخمة تصل مساحة بعضها إلى نحو 2400 متر مربع، كما أسهمت استثمارات خليجية في رفع أسعار العقارات قبل عام 2011، عبر مشاريع سكنية وترفيهية وتجارية قُدرت بعشرات ومئات ملايين الدولارات.

وبحسب بيانات سوق العقارات في تلك الفترة، كانت أسعار الفلل في يعفور حتى عام 2010 تتراوح بين 40 و90 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 800 ألف إلى 1.8 مليون دولار آنذاك وفق سعر صرف يقارب 50 ليرة للدولار الواحد.

وعقب التدخل الروسي في سوريا عام 2015، استخدم عدد من المستشارين الروس منازل في يعفور كمقرات إقامة وإشراف على أنشطة تدريبية مرتبطة بالجيش السوري.

كما سيطرت مجموعات مرتبطة بإيران على بعض المشاريع السكنية في المنطقة، وحولتها إلى مقرات إقامة وتنقل، ما أضاف بُعداً أمنياً جديداً لطبيعة استخدام العقارات فيها.

وفي عام 2017، جرى إنشاء مدينة فنية داخل يعفور، صُممت لتشبه الأحياء الدمشقية القديمة، بهدف استخدامها في إنتاج الأعمال الدرامية، بعيداً عن مناطق الحرب في ريف دمشق.

وخلال سنوات الحرب، تداولت وسائل إعلام وتقارير محلية أخباراً عن إقامة حفلات زفاف فاخرة في المنطقة، بلغت كلفتها ملايين الدولارات، كان أبرزها حفل عام 2019 الذي جمع شخصيات مرتبطة بعائلة الأسد، وبلغت كلفته نحو مليوني دولار.

 استئناف مشاريع

في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، بدأت الحكومة السورية إعادة النظر في قانون الاستثمار بهدف خلق بيئة أكثر جذباً لرؤوس الأموال، خصوصاً مع توجه تدريجي نحو تخفيف العقوبات الاقتصادية وإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي الإقليمي.

وتعد مذكرة التفاهم في قطاع الطاقة التي وُقّعت في مايو/أيار 2025 مع ائتلاف من أربع شركات دولية، بينها شركة قطرية، بقيمة تُقدّر بنحو 7 مليارات دولار، من أبرز المشاريع الاستثمارية التي تم الإعلان عنها في المرحلة الجديدة.

كما شهد 2 يونيو/حزيران 2025 إعادة افتتاح بورصة دمشق للمرة الأولى بعد سقوط النظام، وذلك في مقر جديد داخل منطقة يعفور، في خطوة تعكس محاولة إعادة تنشيط السوق المالية وربطها بالمشاريع العقارية والاستثمارية الجديدة.

وفي 26 أبريل/نيسان 2026، أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان استئناف العمل بمشروع “البوابة الثامنة” في يعفور بعد سنوات من التوقف، بالتزامن مع توقيع ملحق عقد جديد مع شركاء إماراتيين.

ويُعد مشروع “البوابة الثامنة” واحداً من أكبر المشاريع العقارية والتجارية المخططة في سوريا؛ حيث يجمع بين الوحدات السكنية والمراكز التجارية والخدمات العامة في بيئة عمرانية حديثة.

وكان المشروع قد انطلق عام 2008 عبر شركة “إعمار سوريا” بكلفة تجاوزت نصف مليار دولار، وكان من المخطط إنجازه خلال ست سنوات، إلا أن اندلاع الثورة السورية عام 2011 أدى إلى توقفه بالكامل.

وفي ظل التحولات الجارية في المشهد الاستثماري السوري، تعود يعفور لتحتل موقعاً متقدماً كإحدى أكثر المناطق العقارية جذباً للاهتمام، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي القريب من دمشق ولبنان، بل أيضاً بسبب تاريخها الطويل في استقطاب المشاريع الفاخرة.

وتتقاطع في المنطقة عدة عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية، تجعل منها نموذجاً معقداً للسكن الاستثماري، الذي يجمع بين الرفاهية العالية والبنية التحتية المتطورة من جهة، وبين إرث سياسي وأمني ثقيل من جهة أخرى.

وهذا الواقع يعكس مساراً أوسع لإعادة تشكيل الخريطة العمرانية في سوريا، حيث يتم إحياء مشاريع مجمدة منذ سنوات، ضمن رؤية اقتصادية جديدة تعتمد على جذب رأس المال الخارجي، وإعادة تعريف مفهوم “السكن الراقي” في البلاد.

أهمية ومخاطر

ضمن هذا السياق، يشير الباحث السوري ومدير موقع “اقتصادي” يونس الكريم، في حديثه لـ”الاستقلال”، إلى أن يعفور تمتاز ببنية تحتية متقدمة نسبياً مقارنة بغيرها من مناطق ريف دمشق، إضافة إلى استقرار أمني نسبي خلال سنوات الحرب، ما جعلها أقل عرضة للتدمير المباشر.

ويضيف أن وجود بعثات دبلوماسية ومقار سكنية محمية فيها منحها طابعاً نخبوياً خاصاً، إلى جانب طبيعتها الجغرافية الهادئة وقربها من العاصمة، وهو ما عزز جاذبيتها السكنية والاستثمارية.

كما يشير إلى أن الوعي الاجتماعي المرتبط بالمنطقة بصفتها “سكن الأثرياء” أسهم في رفع قيمتها السوقية بشكل مستمر، حتى في فترات التراجع الاقتصادي العام.

ويرى أن أحد أهم عوامل الجذب هو وجود دراسات ومخططات عمرانية سابقة يمكن البناء عليها، ما يقلل نسبياً من تكاليف التطوير مقارنة بمناطق أخرى.

ويضيف أن قرب المنطقة من لبنان ومطار بيروت، إلى جانب قربها من مطار دمشق الدولي، يمنحها ميزة لوجستية مهمة للمستثمرين، خصوصاً في القطاعات العقارية والخدمية.

لكن في المقابل، يحذر الكريم من تحديات تتعلق بالبيئة القانونية والمالية، خصوصاً فيما يتعلق بآليات التسعير والدفع، سواء بالليرة السورية أو بالدولار، في ظل تضخم مرتفع وتقلبات حادة في سعر الصرف.

كما يشير إلى مخاطر الاعتماد على نظام البيع على الخارطة الذي يضع المستثمرين أمام تحديات تتعلق بالسيولة وجودة التنفيذ، في ظل غياب أدوات تمويل عقاري متطورة وضعف دور المصارف.

ويختم بالإشارة إلى أن تجارب مشاريع سابقة مثل “ماروتا سيتي” و“باسيليا سيتي” تظل حاضرة كمؤشر على احتمالات التأخير أو الفجوة بين الخطط المعلنة والتنفيذ الفعلي، ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع محفوفاً بمستويات مختلفة من المخاطر.