من أنغولا إلى إسكتلندا.. خيوط إسرائيلية عابرة للقارات تتلاعب بالانتخابات

حزب "فرنسا الأبية" قال إنه يتوقع أن تكون الانتخابات المقبلة مسرحا لهجمات إسرائيلية
عندما وجّه رئيس الوكالة الفرنسية لمكافحة التدخل الرقمي الأجنبي، مارك أنطوان بريلان، اتهاماً لشركة إسرائيلية خاصة تُدعى "بلاك كور"، بالتلاعب في الانتخابات المحلية الفرنسية، لم تقتصر تداعيات التصريح على باريس، بل امتدت لتطرح سؤالاً دولياً أوسع حول شبكات التأثير الرقمي الإسرائيلية التي يُعتقد أنها تنشط بين أوروبا وإفريقيا والولايات المتحدة.
وبحسب الوكالة الفرنسية "فيجينوم" المتخصصة في رصد التدخلات الرقمية الأجنبية.، فإن النمط الذي رُصد خلال الانتخابات البلدية في فرنسا لم يقتصر على الساحة الفرنسية، بل ظهر أيضاً في أنغولا وتوغو وإسكتلندا، إضافة إلى الانتخابات البلدية في نيويورك عام 2025.

تدخل أجنبي
بدأ الملف خلال الانتخابات البلدية الفرنسية التي جرت في 15 و22 مارس/آذار 2026، حين رصدت وكالة "فيجينوم" نمطاً معلوماتياً أطلقت عليه اسم "روخ سوليس"، يُشتبه في أنه جزء من تدخل رقمي منسق يُنسب إلى جهات إسرائيلية، ويقوم على إنشاء مواقع وحسابات وهمية.
ويهدف هذا النمط إلى نشر محتوى تشهيري منسق وتضخيمه عبر منصات متعددة، بغرض التأثير على البيئة الانتخابية والرأي العام، ليس عبر تزوير الأصوات، بل من خلال التأثير على خيارات الناخبين وسلوكهم السياسي.
وبحسب التقرير التقني الفرنسي الصادر في 11 يونيو/حزيران 2026، استهدفت الحملة حزب "فرنسا الأبية" وعددا من مرشحيه في مدن مرسيليا وتولوز وروبيه، وهم سيباستيان ديلوغو، وفرانسوا بيكمال، ودافيد غيرو.
واعتمدت العملية، وفق التقرير، على مواقع مزيفة وحسابات منسقة عبر فيسبوك وإكس وإنستغرام وتيك توك، إضافة إلى محتوى يتضمن اتهامات جنائية وأخلاقية مضللة.
كما حدّد التقرير عدداً من المواقع المرتبطة بالعملية، من بينها "blogdesophie.com" و"delogupourpalestine.com" و"piquemalzero.com" و"lalternative2026.com"، مشيراً إلى أن بعضها يشترك في خصائص تقنية مثل عناوين الإنترنت وتواريخ التسجيل وبيانات الصور.
وربط التقرير أيضاً موقعين آخرين بالمنظومة نفسها، هما "forsane-alizza.eu" و"rcn-france.org"، في إطار ما وصفه بمحاولة خلق استقطاب بين خطاب يميني محافظ وواجهة مزعومة لجماعات إسلامية راديكالية.
وفي 20 مايو/أيار 2026، وصف وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز القضية بأنها "خطيرة للغاية"، مؤكدا فتح تحقيق قضائي ونشر تقرير كامل حول العملية. وفي 11 يونيو، قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو: إن باريس طلبت من إسرائيل توضيحات بشأن شركة "بلاك كور" والمساعدة في تحديد الجهة التي تقف خلف العملية.
من جانبها، قالت السفارة الإسرائيلية في باريس: إنها تنتظر نتائج التحقيق الفرنسي، مؤكدة أن إسرائيل "لا تنوي التدخل" في العملية السياسية الفرنسية.

عابر للحدود
الأكثر أهمية في إفادة بريلان أنه أكّد أن النمط نفسه "لم يقتصر على الانتخابات البلدية في فرنسا"، بل ظهر أيضاً في أنغولا وتوغو وإسكتلندا، إضافة إلى انتخابات نيويورك البلدية عام 2025.
هذه العبارة نقلت القضية من اتهام لشركة إسرائيلية بتنفيذ حملة محدودة ضد مرشحين يساريين في فرنسا، إلى شبهات حول نموذج عملياتي عابر للحدود.
في إسكتلندا، قالت "فيجينوم": إن حسابات مرتبطة بـ"بلاك كور" استهدفت رئيس الوزراء جون سويني، والحزب الوطني الإسكتلندي، والحكومة الإسكتلندية بين 6 يناير/كانون الثاني و8 مايو/أيار 2026.
ووفق صحيفة "الغارديان" البريطانية، أشار التقرير إلى 256 حساباً وسيطاً على منصة "إكس" نشرت نحو 1400 تعليق، بينها 652 تعليقاً موجهاً إلى سويني، و338 إلى الحزب الوطني، و112 إلى الحكومة الإسكتلندية.
وقال سويني: إن هذه التقارير "مقلقة للغاية"، داعياً الحكومة البريطانية إلى جعل مواجهة التدخلات الأجنبية المعادية أولوية أعلى.
وتكتسب الحالة الإسكتلندية بعداً سياسياً نظراً لاتخاذ حكومة سويني مواقف منتقدة للسياسات الإسرائيلية في غزة، وقيامها بتعليق دعم مرتبط بشركات تزوّد الجيش الإسرائيلي بمعدات.
وقال روس كولكوهون، مسؤول الشؤون الرقمية في الحزب الوطني الإسكتلندي: إن منصات الحزب تعرضت خلال الانتخابات إلى "مستوى غير مسبوق" من التعليقات السلبية من حسابات بدت وكأنها روبوتات مولدة بالذكاء الاصطناعي.
أما في نيويورك، فلم تكشف "فيجينوم" تفاصيل الهدف المباشر، لكنها ربطت الشبهة بانتخابات البلدية عام 2025 التي فاز بها عمدة نيويورك زهران ممداني، المعروف بمواقفه المؤيدة لفلسطين والمناهضة للاحتلال الإسرائيلي.
وذكرت وكالة "رويترز" أن شرطة نيويورك ووكالة الأمن السيبراني الأميركية لم تردا على طلبات التعليق، فيما رفض مكتب التحقيقات الفيدرالي التعليق.
وفي أنغولا وتوغو، لم ترد حكومتا البلدين على طلبات "رويترز"، بينما أشار التقرير الفرنسي إلى مؤشرات تقنية حول حسابات تستهدف جمهوراً أنغولياً، وآثار نشاط مرتبط بمحتوى موجّه لجمهور توغولي أو غابوني.
ورغم أن التحقيقات الفرنسية لم تقدم حتى الآن دليلاً علنياً يفسر أسباب اختيار الشخصيات المستهدفة، فإن قاسماً مشتركاً يبرز بين عدد منهم، يتمثل في مواقفهم المنتقدة للسياسات الإسرائيلية أو الداعمة للحقوق الفلسطينية.
فبعض المرشحين المستهدفين في فرنسا ينتمون إلى حزب "فرنسا الأبية" المعروف بمواقفه الحادة تجاه الحرب على غزة، فيما سبق لرئيس الوزراء الإسكتلندي جون سويني وحكومته اتخاذ خطوات وانتقادات أثارت اعتراضات إسرائيلية.
كما ربطت تقارير إعلامية بعض الحالات بشخصيات أو قوى سياسية دعمت مقاطعة شركات مرتبطة بإسرائيل أو تبنت مواقف مؤيدة للفلسطينيين. وبينما لا يثبت ذلك بالضرورة وجود دافع سياسي موحد وراء جميع العمليات المشتبه بها، فإنه يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت بعض حملات التأثير الرقمي تستهدف بالدرجة الأولى أصواتاً تُنظر إليها بصفتها غير منسجمة مع المصالح أو الرواية الإسرائيلية في عدد من الملفات الدولية.

كيف تعمل آلة التلاعب؟
وذكرت "فيجينوم" أن هذه العمليات لا تقوم على اختراق صناديق الاقتراع، بل على استهداف البيئة التي يتشكل فيها قرار الناخب. وفي الحالة الفرنسية، لم يكن الهدف تقديم خطاب سياسي بديل، بل تشويه صورة المرشحين وإرباك المشهد الانتخابي.
ففي أحد الأمثلة، واجه النائب سيباستيان ديلوغو موقعاً باسم "مدونة صوفي" تضمن اتهاماً بالاغتصاب، فيما استُهدف فرانسوا بيكمال بمحتوى يتهمه بالبيدوفيليا والعنف ودعم حركة "حماس"، بينما تعرض دافيد غيرو لهجمات مرتبطة بمواقفه المؤيدة لفلسطين.
وذكرت الوكالة أن الشركة المرتبطة بإسرائيل استخدمت أدوات متعددة، شملت مواقع مزيفة، وصفحات على فيسبوك، وحسابات على "إكس"، إضافة إلى روابط عبر رموز QR في مدينة مرسيليا، وإعلانات سلبية في صحيفة محلية في تولوز.
وقالت "رويترز": إن بيكمال لجأ إلى الشرطة بعد استهدافه بحسابات مجهولة ومواقع وإعلانات مسيئة، قبل أن يطلب إلغاء نتيجة الانتخابات في تولوز بسبب شبهات تدخل أجنبي.
تقنياً، أشارت "فيجينوم" إلى أن العملية حملت مؤشرات "غياب الأصالة" وتضخيماً مصطنعاً، ورصدت وجود أحرف عبرية في بيانات بعض ملفات الصور على موقع "lalternative2026.com"، إضافة إلى حساب "كانفا" يُعتقد أنه متمركز في إسرائيل، وحساب على "تيك توك" باسم "@renaissancecatholiquefr" ظهرت عليه مؤشرات ارتباط جغرافي بإسرائيل.
كما أوضحت أن الحساب نشر سابقاً فيديوهات باللغة الإنجليزية تحمل خطاباً معادياً للمسلمين تحت وسمي (#TheWestIsNext و#TheWestIsNow).
ورغم ذلك، فرّق التقرير الفرنسي بين خطورة النمط وضعف أثره الفعلي؛ إذ أشار إلى أن عملية "روخ سوليس" لم تحقق سوى "رؤية محدودة" على الإنترنت رغم كثافة محاولات التضخيم.
وهذا يعني أن الخطر لا يكمن بالضرورة في نجاح العملية في تغيير النتائج، بل في القدرة على إدخال اتهامات كاذبة إلى فضاء انتخابي حساس وإعادة تشكيل الانطباعات العامة.
وتقدّم "بلاك كور" نفسها، بحسب ما نقلته "رويترز" قبل اختفاء موقعها، بصفتها شركة "تأثير وسيبرانية وتكنولوجية" تعمل في عصر "حرب المعلومات"، وتوفر أدوات لتشكيل السرديات السياسية.
لكن "رويترز" قالت: إنها لم تتمكن من التحقق من مالكي الشركة أو مقرها أو العثور على تسجيل قانوني لها في السجلات الإسرائيلية، فيما أكدت "فيجينوم" أن "بلاك كور" تبدو كياناً إسرائيلياً بلا وضع قانوني واضح.
هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها اسم إسرائيلي في سوق التأثير السياسي. ففي فبراير/شباط 2023، كشف تحقيق دولي قادته "فوربيدن ستوريز" و"الغارديان" عن مجموعة "تيم خورخي" بقيادة تال حنان، وهو عنصر سابق في القوات الخاصة الإسرائيلية، ادعى أمام صحفيين متخفين القدرة على التأثير في 33 انتخابات رئاسية.
وذكر التحقيق أن المجموعة استخدمت منصة تُعرف باسم "AIMS" لإدارة عشرات آلاف الحسابات الوهمية عبر "تويتر" و"لينكدإن" و"فيسبوك" و"تلغرام" و"إنستغرام" و"يوتيوب".
وفي مايو/أيار 2024، أعلنت "ميتا" إزالة شبكة تضم مئات الحسابات المزيفة على "فيسبوك" و"إنستغرام" مرتبطة بشركة إسرائيلية تُدعى "STOIC"، قالت: إنها انتحلت صفة أميركيين وكنديين لدعم رسائل سياسية ومهاجمة أطراف مختلفة.
كما أعلنت "أوبن إيه آي" في الشهر نفسه تعطيل عمليات تأثير استخدمت أدواتها، بينها عملية مرتبطة بـ"STOIC" وصفتها بأنها "فاعل تهديد مأجور".
وبحسب تقرير "وول ستريت جورنال" في مايو/أيار 2024، فإن هذه الحالات لا تثبت وجود مركز واحد يدير العمليات، لكنها تعكس بيئة عمل تجمع بين الخبرات الأمنية والتسويق السياسي والأتمتة الرقمية والحسابات الوهمية والذكاء الاصطناعي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن "بلاك كور" قد تكون جزءاً من سؤال أوسع: كيف تحولت خبرات الحرب السيبرانية وحرب المعلومات إلى خدمات تجارية يمكن توظيفها من قبل حكومات أو حملات سياسية أو جماعات ضغط؟

هوامش ضيقة
وأضافت الصحيفة الأميركية أن عدداً من هذه العمليات لم يحقق انتشاراً واسعاً. مشيرة إلى ما أوردته "ميتا" بأن معظم نشاط شبكة "STOIC" أُزيل قبل الوصول إلى جمهور واسع، فيما قالت "أوبن إيه آي" إن العمليات التي عطّلتها لم تُسجل تفاعلاً كبيراً.
لكن ضعف الانتشار لا يلغي الخطر، إذ إن الانتخابات المحلية تُحسم أحياناً بهوامش ضيقة، كما أن حملة تشهير مركزة في مدينة واحدة قد تدفع المرشح إلى الانشغال بالدفاع عن نفسه بدلاً من مناقشة برنامجه الانتخابي.
وهو ما أشار إليه تقرير "رويترز" في فرنسا، عندما خسر فرانسوا بيكمال جولة إعادة ضيقة في تولوز، قبل أن يطلب إلغاء النتيجة مستنداً إلى شبهات تدخل أجنبي.
وذكرت الوكالة أن فرنسا قرأت الملف سياسياً بصفته إنذاراً مبكراً قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في 2027.
من جهته، قال حزب "فرنسا الأبية": إنه يتوقع أن تكون الانتخابات المقبلة مسرحاً لهجمات من هذا النوع، ودعا زعيمه جان لوك ميلونشون إلى تشريع أكثر صرامة لمواجهة التدخل الأجنبي.
أما وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكورنو، فاختار رفع مسألة التدخل الإسرائيلي في الانتخابات البلدية إلى مستوى الحكومة الإسرائيلية، بدلاً من الاكتفاء بتحقيق جنائي يقتصر على حسابات مجهولة.
المصادر
- من باريس إلى نيويورك.. شركة إسرائيلية متهمة بالتلاعب السياسي والانتخابي في 5 دول
- باريس تتهم شركة إسرائيلية بالتدخل في الانتخابات البلدية بفرنسا ودول أخرى
- SGDSN_VIGINUM_Rapport-technique_Rokh-Solis
- Meta Takes Down ‘Inauthentic’ Accounts on Facebook, Instagram Linked to Israeli Firm
- Israeli firm BlackCore suspected of meddling in New York and Scotland votes, France says
- Revealed: the hacking and disinformation team meddling in elections

















