بذريعة “التحريض”.. أوامر عسكرية إسرائيلية تشرعن إعدام الصحافة الفلسطينية

سلطات الاحتلال صنفت خمسة مواقع إخبارية فلسطينية "منظمات إرهابية"
منذ إغلاق ثلاث إذاعات في الخليل جنوب الضفة الغربية عام 2015، تكررت الإجراءات الإسرائيلية ضد الإعلام الفلسطيني عبر اقتحام المؤسسات وتعطيل بثها ومصادرة معداتها، تحت مزاعم "التحريض" أو "دعم الإرهاب".
واتسعت الحملة لاحقًا لتشمل شركات الإنتاج ومكاتب القنوات والمواقع الإخبارية، وصولًا إلى استهداف الصحفيين بالقتل والاعتقال ومنع الوصول إلى مناطق الأحداث، وهو مسار أعاده اقتحام إذاعة "الهدى للقرآن الكريم" في قلقيلية إلى الواجهة.

إعلام مستهدف
واقتحمت قوات الاحتلال فجر 28 يوليو/تموز 2026 مقر هذه الإذاعة في حي صوفين بمدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية، وصادرت محتويات المقر ومعدات الإذاعة، ثم أغلقت المكان وعلقت إخطارًا يمنع إعادة فتحه.
وتقف خلف الإذاعة، جمعية القرآن والسنة، وهي مؤسسة أهلية دعوية وتعليمية تعمل في تحفيظ القرآن وتنظيم البرامج التربوية ومساعدة الأسر المحتاجة.
يعيد اقتحام "الهدى" إلى الواجهة موجة بدأت بصورة واضحة في الخليل خلال خريف 2015، ففي 3 نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام، اقتحمت قوات الاحتلال مقر إذاعة "منبر الحرية"، وأوقفت البث وقطعت الكوابل وصادرت أجهزة الإرسال، ثم سلمت العاملين أمرًا بإغلاق المحطة ستة أشهر.
وبعد 18 يومًا، اقتحمت قوات الاحتلال إذاعة "صوت الخليل"، ودمرت أو صادرت معظم أجهزتها وأصدرت أمرًا مماثلًا بالإغلاق ستة أشهر. وفي 29 نوفمبر 2015، أغلقت إذاعة "دريم" في الخليل ستة أشهر بعد اقتحامها ومصادرة معداتها.
اتسعت الحملة في 11 مارس/آذار 2016 إلى مكتب قناة فلسطين اليوم في رام الله؛ حيث صودرت أجهزة الإرسال وأغلق المكتب بقرار من المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية “الكابنيت”.
وفي 31 أغسطس/آب 2016، اقتحمت قوات الاحتلال إذاعة "السنابل" في دورا جنوب الخليل، وصادرت أجهزة إرسال ومعدات تقنية واعتقلت خمسة من العاملين، ثم أغلقت المحطة ثلاثة أشهر. ووقتها، شارك الجيش والشرطة وجهاز الأمن العام "الشاباك" وما تسمى الإدارة المدنية في العملية.
وتكررت المداهمات في 31 أغسطس 2017، حين استهدفت شبكة الحرية الإعلامية وإذاعة "منبر الحرية" وتلفزيون "النورس" في الخليل؛ إذ أغلقت قوات الاحتلال تلك المؤسسات ستة أشهر وصادرت معداتها ودمرت جزءًا من بنيتها التقنية.
وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول 2017، انتقلت الحملة إلى شركات الإنتاج التي تقدم خدمات لعدة قنوات، فشملت المداهمات مكاتب شركات “بال ميديا” و"ترانس ميديا" و"رام سات" في رام الله ونابلس والخليل وبيت لحم، وصادرت قوات الاحتلال المعدات وأغلقت المكاتب بألواح حديدية لمدة 6 أشهر.
وفي شرق القدس، اقتحمت شرطة الاحتلال في 20 نوفمبر 2019 مكتب تلفزيون فلسطين وشركة الأرز للخدمات الإعلامية، وصادرت محتويات ولقطات من كاميرات المراقبة وأغلقت المكان ستة أشهر.
وجاء الإخطار بتوجيه من وزير الأمن العام الإسرائيلي آنذاك جلعاد إردان، ومددت السلطات الإغلاق مرات متتالية حتى عام 2021 على الأقل، كما أغلقت قوات الاحتلال في أكتوبر 2023 شركة “جي ميديا”.
وصلت هذه السياسة إلى مستوى أكثر اتساعًا في 22 سبتمبر/أيلول 2024، عندما اقتحمت قوة إسرائيلية مكتب قناة الجزيرة في رام الله، وأخلت الصحفيين بالقوة وصادرت معدات ووثائق وسلمت المكتب أمرًا بإغلاقه 45 يومًا.
توالت بعد ذلك أوامر تمديد إغلاق المكتب، ومنها تمديد لمدة 45 يومًا بدأ في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتمديدات لمدة 60 يومًا خلال عام 2025. وفي 22 فبراير/شباط 2026، أعلنت الجزيرة أن سلطات الاحتلال مددت الإغلاق 90 يومًا للمرة الثانية عشرة.
وفي 26 فبراير 2026، قالت لجنة حماية الصحفيين: إن سلطات الاحتلال أصدرت أوامر بإغلاق خمسة مواقع إخبارية فلسطينية.

قوانين الإغلاق والاعتقال
تعمل الإجراءات الإسرائيلية ضد الإعلام الفلسطيني عبر منظومات قانونية مختلفة تتغير بحسب مكان المؤسسة وطبيعة الإجراء. ففي الضفة الغربية، يستند الجيش إلى أوامر عسكرية تمنح القائد العسكري سلطات واسعة على النشر والتجمع والإغلاق والاعتقال.
ويعد الأمر العسكري رقم 101 الصادر عام 1967 أحد أبرز هذه النصوص؛ إذ يفرض قيودًا على نشر مواد ذات مضمون سياسي وعلى تنظيم التجمعات والاحتجاجات، ويجرم محاولة التأثير على الرأي العام بطريقة تعدها سلطات الاحتلال مضرة بالأمن أو النظام العام.
كما يشمل الأمر إظهار التأييد أو التعاطف مع منظمة تصنف معادية، وتصل العقوبة المنصوص عليها إلى السجن عشر سنوات.
وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش، هذه الأوامر بأنها شديدة الاتساع وتتيح ملاحقة التعبير السياسي السلمي، كما رأت منظمة العفو الدولية، أن الأمر 101 استخدم لمعاقبة فلسطينيين على أنشطة سياسية وتعبيرية تندرج ضمن حرية الرأي والتجمع.
أما الاعتقالات، فتستند في حالات كثيرة إلى الأمر العسكري رقم 1651، الذي يسمح بإصدار أوامر اعتقال إداري تصل مدتها إلى ستة أشهر، مع إمكانية التجديد المتكرر.
ويعرض المعتقل على قاض عسكري خلال ثمانية أيام، فيما تعتمد جلسات المراجعة في عدد من الملفات على مواد استخبارية سرية لا يستطيع المعتقل أو محاميه الاطلاع الكامل عليها.
وقد وثقت منظمات حرية الصحافة استخدام الاعتقال الإداري ضد صحفيين فلسطينيين، إلى جانب المحاكمات المرتبطة بمنشورات أو تغطيات أو بث مباشر صنفته سلطات الاحتلال تحريضًا.
ويخضع إغلاق مكتب الجزيرة في رام الله للإطار العسكري وأنظمة الطوارئ المطبقة في الضفة؛ إذ حملت أوامر التمديد مبررات صادرة عن قيادة جيش الاحتلال في المنطقة. وأعلنت القناة في 22 فبراير 2026 أن قرار التمديد استند إلى أنظمة الطوارئ لعام 1945.
أما الحظر المفروض على عمل الجزيرة داخل إسرائيل، فيستند إلى "قانون منع هيئة بث أجنبية من المساس بأمن الدولة"، الذي أقرّه الكنيست مطلع أبريل/نيسان 2024.
ويمنح قانون القنوات الأجنبية وزير الاتصالات الإسرائيلي، بعد موافقة رئيس الوزراء والحكومة أو المجلس الوزاري الأمني، صلاحية وقف البث وإغلاق المكاتب ومصادرة المعدات وحجب المواقع الإلكترونية لمدة محددة قابلة للتمديد.
واستخدمت الحكومة هذا القانون ضد عمل الجزيرة داخل إسرائيل، فيما خضعت القرارات لمراجعات أمام المحاكم الإسرائيلية.
وقد طعنت القناة وجمعية الحقوق المدنية في إسرائيل بالقانون، مقدرتين أن الصلاحيات الواردة فيه تمس حرية التعبير وحق الجمهور في الحصول على المعلومات.
وفي شرق القدس، استخدمت سلطات الاحتلال أدوات تتصل بحظر نشاط السلطة الفلسطينية ومؤسساتها داخل المدينة.
وجاء إغلاق مكتب تلفزيون فلسطين وشركة الأرز عام 2019 بقرار من وزير الأمن العام، مع اتهامهما بالعمل لمصلحة السلطة الفلسطينية ومخالفة ترتيبات أوسلو.
برزت تهمة "التحريض" بصورة مكثفة خلال موجة المواجهات التي عرفت إعلاميًا بـ"هبة السكاكين"، حين ركزت سلطات الاحتلال إجراءاتها على إذاعات الخليل.
واتهمت إذاعة "منبر الحرية" بالتحريض على هجمات الطعن، وإذاعة "السنابل" بالإشادة بهجمات والدعوة إلى الانتفاضة، ووصفت شركات الإنتاج عام 2017 بأنها تساعد "الإرهاب".
كما صنفت شركة "جي ميديا" عام 2023 "منظمة غير مشروعة"، ووصفت خمسة مواقع إخبارية فلسطينية عام 2026 بأنها "منظمات إرهابية"، واستخدمت اتهامات مشابهة ضد الجزيرة وإذاعة "الهدى".
وترى منظمات حقوقية أن اتساع صياغة "التحريض" يسمح بتطبيقها على مواد سياسية وميدانية تتجاوز الدعوة المباشرة إلى المواجهة أو القتال.
وقد وثقت لجنة حماية الصحفيين حالات واجه فيها صحفيون اتهامات مرتبطة بمنشورات أو بث مباشر أو عمل صحفي، فيما اعتبر الاتحاد الدولي للصحفيين إغلاق مكتب الجزيرة في رام الله تصعيدًا ضد حرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة.
وتختلف إمكانات الطعن بحسب الإطار المستخدم؛ إذ يوفر قانون القنوات الأجنبية مراجعة أمام محكمة إسرائيلية ويتيح للمؤسسة خوض مسار قضائي معلن، بينما تمر الطعون في الضفة عبر منظومة عسكرية تعتمد في بعض الحالات على تقييمات استخبارية ومواد سرية.

تعطيل البث
توضح أعداد الشهداء والمعتقلين وحجم الدمار أن استهداف المؤسسات الإعلامية يجري داخل بيئة أشمل تضغط على الصحفيين ووسائل الوصول إلى المعلومات.
وبحسب توثيق نقابة الصحفيين الفلسطينيين حتى 30 يوليو 2026، استشهد 260 صحفيًا منذ أكتوبر 2023، وكان 39 صحفيًا رهن الاعتقال، فيما أصيب 550 صحفيًا ودُمرت 150 مؤسسة إعلامية.
وفي تقرير نصف سنوي نشرته النقابة في 20 يوليو 2026، سجلت 467 انتهاكًا خلال الأشهر الستة الأولى من العام، بينها استشهاد ثمانية صحفيين.
وفي ملف الاعتقالات، قالت لجنة حماية الصحفيين في 3 يونيو/حزيران 2026 إنها وثقت 102 حالات اعتقال لصحفيين وعاملين إعلاميين منذ بدء الحرب، وظل 36 صحفيًا قيد الاحتجاز في ذلك التاريخ.
وتكشف شهادة مدير ومقدم البرامج بإذاعة "صوت الخليل" أمجد شاور، كيفية تحول الاقتحام إلى وقف فوري للعمل. وقال للمركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى": إن الجنود أمروا الطاقم بإيقاف البث واحتجزوا فني الصوت، ثم قطعوا الأسلاك ونقلوا المعدات إلى شاحنة عسكرية.
ويتجاوز أثر هذه الإجراءات عدد الصحفيين المتضررين إلى القدرة اليومية على إنتاج الخبر؛ إذ تؤدي مصادرة أجهزة الإرسال والكاميرات والحواسيب والأرشيف إلى تعطيل المؤسسة ورفع كلفة عودتها إلى العمل.
وقدرت خسائر "منبر الحرية" وتلفزيون "النورس" عام 2017 بنحو 650 ألف دولار مجتمعة، فيما أثرت مداهمات شركات الإنتاج في أكتوبر من العام نفسه على 94 صحفيًا وموظفًا. وفي حالة "السنابل"، استمر التعطيل بعد انتهاء مدة الإغلاق بسبب حجم الخسائر واعتقال العاملين.
وتؤدي المداهمات إلى تفكيك الشبكة التي تمد القنوات والصحف بالمادة الميدانية؛ فشركات مثل "بال ميديا" و"ترانس ميديا" و"رام سات" كانت تقدم خدمات تصوير وإنتاج وبث لمؤسسات عدة، ولذلك أصاب إغلاق مكاتبها جهات تتجاوز الشركات المستهدفة مباشرة.
كما دفع إغلاق مكتب الجزيرة في رام الله القناة إلى نقل جزء من عمليات التحرير والتنسيق إلى عمان، ومواصلة التغطية من خلال الهواتف الذكية والشقق والفنادق والمواقع المؤقتة، ما أفقد الطاقم البنية التي يوفرها المقر الثابت من أجهزة وأرشيف واتصالات وغرف تحرير.
ويرتبط تعطيل المؤسسات بمنع الوصول إلى أماكن الأحداث، فمنذ أكتوبر 2023، منعت إسرائيل الصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة بصورة مستقلة، واقتصرت زيارات محدودة على جولات تنظمها قوات الاحتلال وتحدد مساراتها ومدتها.
ودفع ذلك الصحفيين الفلسطينيين داخل القطاع إلى تحمل العبء الأساسي في توثيق العدوان، وسط القصف والنزوح وانقطاع الاتصالات ونقص المعدات وغياب الحماية.
في الأثناء، وصف مدير مكتب الجزيرة في الضفة الغربية وليد العمري، إغلاق المكتب بأنه محاولة لـ"محو الحقيقة" ومنع الجمهور من سماعها.
ويعمل تكرار المداهمات والاعتقالات على دفع الصحفيين والمصادر إلى حساب مخاطر التغطية، خصوصًا أثناء الاقتحامات والعمليات العسكرية.
وقد وفرت المنصات الرقمية والهواتف الذكية وسيلة لاستمرار بعض المؤسسات بعد فقدان مقارها؛ إذ استعادت "منبر الحرية" و"دريم" بثهما عبر الأثير والإنترنت، واستمرت الجزيرة في التغطية من عمان ومن نقاط ميدانية بديلة.
غير أن هذه الأدوات لا تستعيد الأرشيف المصادر ولا تعوض غرف الأخبار وأجهزة الإرسال، كما تبقى عاجزة أمام الحواجز والاعتقالات وانقطاع الاتصالات ومنع الوصول إلى مناطق العمليات.
وتكشف الفترة الممتدة من إغلاق إذاعات الخليل سنة 2015 إلى اقتحام إذاعة "الهدى" في 2026 منظومة متدرجة تضم أوامر الإغلاق والمصادرة والاعتقال الإداري وحجب المواقع والقتل ومنع الوصول.
وتتيح تهم "التحريض" و"دعم الإرهاب" تنفيذ أوامر الإغلاق والمصادرة قبل نشر أدلة تفصيلية أو اكتمال الطعون، بينما تقلص الاعتقالات ومنع الوصول عدد الشهود في الميدان.















