بعد إلغاء البرلمان الفرنسي قانون العبودية.. متى يتم تعويض المتضررين؟

يجب الانتقال من "العدالة الرمزية" إلى خطوات عملية ملموسة
بعد عقود من الانتظار، تحرك البرلمان الفرنسي نحو إلغاء قانون العبودية المعروف باسم "كود نوار" (القانون الأسود)، الذي حوّل البشر إلى ملكية، ما أعاد فتح النقاش حول الإرث الاستعماري الفرنسي في إفريقيا، إضافة إلى قضية تعويض المتضررين.
وفي 28 مايو/أيار 2026، أقرّ المجلس الوطني الفرنسي (البرلمان) مشروع قانون يقضي بإلغاء قانون العبودية الأسود، وهو المرسوم الذي أصدره الملك لويس الرابع عشر عام 1685 لتنظيم أوضاع العبيد في مختلف المستعمرات الفرنسية.
وصوّت البرلمان الفرنسي في مشهد نادر من الإجماع بـ254 صوتًا مقابل صفر لصالح مشروع القانون الذي يلغي قانون "الكود الأسود".
وقد حوّل هذا القانون البشر إلى سلع، ما سمح باستغلالهم في العمل، وتعريضهم للضرب والبيع والاغتصاب والقتل.
وخلال الجلسة، قال النائب ستيفي غوستاف، المنحدر من أصول مارتينيكية تعود إلى أشخاص مستعبدين، لزملائه إن الإلغاء خطوة ضرورية، "لكن لا يمكن لأي تصويت بمفرده أن يصلح قرونًا من المعاناة".
وأضاف غوستاف، وهو يغالب دموعه: "لسنا من نسل العبيد، بل من نسل بشر وُلدوا أحرارًا، ثم حُرموا من أبسط حقوقهم"، مشيرًا إلى أن الإمبراطورية الفرنسية توسعت لاحقًا إلى أربع قارات.
سياق ضاغط
كانت فرنسا ثالث أكبر قوة لتجارة الرقيق في أوروبا، بعد بريطانيا والبرتغال، حيث قامت بشحن ما يقرب من 1.4 مليون إفريقي بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر إلى مزارع مكّنت ثروتها من السكر من بناء مدينتي نانت وبوردو الفرنسيتين.
وألغت فرنسا العبودية في عام 1794 خلال الثورة الفرنسية، لكن نابليون بونابرت أمر بإرسال قوات إلى غوادلوب في عام 1802 لإعادة العمل بها، ثم ألغته فرنسا مرة أخرى في عام 1848.
وفي عام 2001، اعترفت الدولة بالرق وتجارة الرقيق بصفتهما "جرائم ضد الإنسانية" (قانون توبيرا).
وسبق أن أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي سيغادر منصبه في 2027 بعد أن قضى فترتين رئاسيتين كحد أقصى، عن دعمه لإلغاء هذه القوانين.
وقال الرئيس ماكرون منتصف شهر مايو 2026: إن المواد الستين من قانون العبودية "ما كان ينبغي أن تصمد أمام إلغاء العبودية" في القرن التاسع عشر.
وشدد ماكرون على أن "الصمت، بل وحتى اللامبالاة التي التزمنا بها لما يقرب من قرنين من الزمان فيما يتعلق بهذا القانون الأسود ليس نسيانا، بل أصبح شكلا من أشكال الإساءة".

عبودية شاملة
في تفاعله مع الحدث، قال الكاتب الصحفي ستيفان جيري-فيرنييه: إن أحكام قانون العبيد (Code Noir) حكمت ظروف معيشة العبيد ووضعهم الاجتماعي.
وشدد جيري-فيرنييه في تحليل لموقع "leclubdesjuristes" بتاريخ 01 يونيو/حزيران 2026، أن هؤلاء العبيد الذين فُرضت عليهم المعمودية والتعليم في المذاهب الكاثوليكية والرسولية والرومانية، جُعلوا مجرد سلعة تُعامل معاملة العبد.
واسترسل: "لم يكن للعبيد أي شيء، وكان يُمكن شراؤهم أو بيعهم أو تأجيرهم. وكان الزواج يتطلب موافقة السيد، ويرث الأطفال المولودون من هذه الزيجات وضع أمهاتهم كعبيد. ولمنع الثورات، مُنع تجمع العبيد التابعين لأسياد مختلفين".
وأضاف: "كما عوقب العبيد الهاربون بالعقاب البدني، كالتشويه والوسم، أو بالإعدام. وفرضت النصوص التزامات معينة على الأسياد، إذ كان عليهم توفير حصة أسبوعية من الطعام والملابس، ورعاية العبيد المسنين أو المرضى".
من جانب آخر، أوضح الكاتب أن الحكومة الفرنسية ملزمة بتقديم تقرير يحلل الآثار المعاصرة لقانون الاستعمار على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية للأقاليم ما وراء البحار، وعلى أحفاد المستعبدين.
وشدد على أن هذا التقرير يمكن أن يُسهم إسهاما قيّما في المناقشات الجارية حول قضية التعويضات المادية والمالية الحساسة عن آثار العبودية.
تعويض المتضررين
وفي هذا الصدد، أكد موقع "franceinfo"، بتاريخ 28 مايو 2026، أن قضية التعويضات أثارت جدلا واسعا؛ حيث أشار العديد من أعضاء البرلمان إلى أن مالكي العبيد السابقين قد تلقوا تعويضات، على عكس العبيد أنفسهم.
ومع ذلك، يردف المصدر ذاته، "لم يتناول النص هذا الموضوع، إذ رغب مقرره، ماكس ماتياسين، في الحفاظ على تماسك النص ومعالجة قضية التعويضات ضمن سياق أوسع".
واسترسل، كما أقرّ أعضاء البرلمان تعديلا ينص على وجوب اعتراف فرنسا بأن "جميع القوانين التي رسّخت تحويل البشر إلى سلع، ونظّمت ترحيلهم واستغلالهم والعنف المرتكب ضدهم، لا تنفصل عن الجرائم ضد الإنسانية".
كذلك أشارت الكاتبة الصحفية الفرنسية من أصل إفريقي سيكستين ليروج في تحليل لموقع "lepelerin" الفرنسي بتاريخ 10 يونيو 2026، إلى أن الرئيس ماكرون أشار بنفسه إلى مسألة التعويضات.
وقالت ليروج: إن كلمة "التعويض" لطالما كانت من المحرمات في فرنسا، مشيرة إلى أن هذه المسألة طُرحت لأول مرة في قانون توبيرا (2001).
واسترسلت، "حينها، كان الموضوع محور نقاشات عديدة في الجمعية الوطنية. حتى إن المصطلح ورد في إحدى مواد القانون المقترح، قبل حذفه من النص المعتمد".
وتابعت: "ليس السؤال ما إذا كنا نؤيد ذلك أم نعارضه، بل كيف نُعالج تبعات جريمة ضد الإنسانية ما تزال آثارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية ملموسة حتى اليوم".
وأضافت: "في رأيي، لا ينبغي أن تقتصر التعويضات على التعويض المالي فحسب، بل يمكن أن تتخذ أشكالا عديدة: إحياء الذكرى، واتخاذ تدابير لمكافحة التمييز... كل هذا يُسهم في عملية إصلاحية".
وذكرت ليروج أن التعويضات لا يمكن اختزالها في مجرد شيك، إذ لا يمكن لأي مبلغ من المال أن يمحو ما عاناه الناس، مشددة على وجوب أن تكون أوجه عدم المساواة والظلم التاريخي الناتج عنها، لا سيما في الأقاليم الفرنسية ما وراء البحار، محور نقاشات فرنسا.
يشار إلى أنه في 25 مارس/آذار 2026، تبنت الأمم المتحدة قرارا يصنف تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي على أنها "أخطر جريمة ضد الإنسانية"، فيما امتنعت فرنسا عن التصويت.

إجراء قصري
في قراءة سياسية للخطوة الفرنسية، أكد الباحث الأكاديمي محمد علي عثمان، أن قرار الجمعية الوطنية الفرنسية بإلغاء "الكود الأسود" رسميا يُمثل خطوة تاريخية تحمل في طياتها دلالات رمزية بالغة الأهمية، ومحاولة لتطهير المنظومة التشريعية من ترسبات الحقبة الاستعمارية.
وأضاف علي عثمان في تحليل لموقع "قراءات إفريقية" بتاريخ 08 يونيو 2026، "إلا أن هذا الإجراء، وعلى الرغم من أبعاده المعنوية ومساعيه الرامية إلى تصفية الذاكرة الاستعمارية وسد الفجوة بين مبادئ الجمهورية وواقعها التاريخي، يظل قاصرا عن إحداث تحول حقيقي وجذري في مسار العلاقات الفرنسية الإفريقية المعاصرة".
ورأى الباحث الأكاديمي أن الأزمة الراهنة بين باريس والقارة السمراء تتجاوز مجرد نصوص قانونية قديمة طواها الزمن تشريعيا وعمليا، لتضرب بجذورها في عمق ممارسات ملموسة وإستراتيجيات مستمرة يراها العقل الإفريقي امتدادا لـ "الاستعمار الجديد".
وشدد أنه ما دامت آليات التبعية الاقتصادية والمالية قائمة، ومسارات استعادة الهوية والآثار الثقافية المنهوبة مكبلة بالبيروقراطية، والسياسات الحمائية تجاه المهاجرين في الداخل الفرنسي تكرّس التهميش، فإن هذه الخطوات التشريعية ستظل في نظر النخب والشعوب الإفريقية مجرد شعارات سياسية وتنازلات رمزية مدفوعة ببرغماتية فرنسية لمحاصرة النفوذ الدولي المتنامي للقوى المنافسة في المنطقة.
وبناءً على ذلك، يقول علي عثمان، "فإن صناعة مستقبل مشترك ومتوازن بين الطرفين لا تتطلب مجرد إلغاء أرشيف القوانين الجائرة، بل تستلزم تفكيكا حقيقيا لآليات الهيمنة المعاصرة".
وخلص الباحث الأكاديمي إلى ضرورة الانتقال من "العدالة الرمزية" إلى خطوات عملية ملموسة تقوم على المساواة الدستورية والاقتصادية الكاملة، والاعتراف الصريح بالحقوق والتعويضات التاريخية، سواءٌ في أقاليم ما وراء البحار أو في عمق القارة الإفريقية.

















