أردوغان يطوي صفحة بوتين؟.. تحولات تركية تعيد أنقرة إلى أحضان الناتو

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تشهد تركيا تحولا هادئا نحو إعادة الانتماء إلى حلفائها الغربيين، بعد سنوات من الابتعاد عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) والتقارب مع موسكو.

وقالت مديرة البرنامج التركي في معهد الشرق الأوسط، غونول تول: إن هذا التحول لم يقتصر على الخطاب، بل تجسّد في خطوات عملية ملموسة تراجعت فيها أنقرة عن تبعيتها للطاقة الروسية، وأعادت رسم تحالفاتها الدفاعية.

وذكرت تول في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، أنه "على مدى خمسة وعشرين عاما، كان المحللون الغربيون يُصابون بالهلع كلما نشأ خلاف بين أنقرة وواشنطن أو أوروبا، خشية أن يكونوا قد خسروا تركيا".

حدث ذلك أول مرة عام 2003 حين صوّت البرلمان التركي ضد منح القوات الأميركية حق العبور لغزو العراق، ثم تكرر عام 2010 حين صوّتت تركيا ضد تشديد العقوبات الأممية على إيران.

وبلغت المخاوف ذروتها عام 2017 حين اشترت أنقرة منظومة الصواريخ الروسية "إس-400"، ما أثار تساؤلات جدية حول مدى انتماء ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف إلى المعسكر الغربي.

وطوال النصف الثاني من القرن العشرين، حرصت القيادات العلمانية التركية على تثبيت البلاد في الفلك الغربي؛ إذ انضمت إلى مجلس أوروبا عام 1949، ودخلت الناتو عام 1952، وأبرمت اتفاقية شراكة مع الجماعة الاقتصادية الأوروبية عام 1963.

غير أن المراقبين الغربيين "خشوا أن يسحب حزب العدالة والتنمية بقيادة، رجب طيب أردوغان، تركيا بعيدا عن الغرب منذ وصوله إلى السلطة عام 2002، بتقدير أن له جذورا تنتمي للحركة الإسلامية". بحسب مقال الباحثة تول.

وهذا ما حاول أردوغان تنفيذه فعلا -وفق المقال- فمنذ منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة، سعى تحت شعار "الاستقلالية الإستراتيجية" إلى تعميق الروابط الاقتصادية والطاقوية والأمنية مع موسكو، وانتهج في أحيان كثيرة سياسات أثارت غضب حلفائه في الناتو.

جذور التقارب

وأفاد المقال بأن جذور التقارب التركي-الروسي تعود، للمفارقة، إلى إحدى أشد الأزمات خطورة في تاريخ العلاقات بين البلدين.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2015، بعد أشهر قليلة من التدخل الروسي في سوريا دعما لنظام بشار الأسد، أسقطت تركيا طائرة حربية روسية قرب الحدود السورية-التركية. حينها سارعت موسكو إلى فرض عقوبات اقتصادية شاملة، وباتت أنقرة تخشى ردا عسكريا.

وطلبت تركيا من حلفائها في الناتو إلغاء قرار سحب بطاريات صواريخ "باتريوت" المنتشرة على أراضيها، لكن الولايات المتحدة وألمانيا مضتا في قرارهما.

وكانت العلاقات الأميركية-التركية متوترة أصلا بسبب دعم واشنطن لمليشيا كردية سورية تعدها أنقرة منظمة إرهابية، فجاء سحب "باتريوت" ليرسّخ في أذهان الأتراك قناعة بأن الناتو لن يقف إلى جانبهم في اللحظات الحرجة.

وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أول زعيم أجنبي يتصل بأردوغان ويعرض دعمه، في حين جاء رد حلفاء الناتو باردا نسبيا، ما أوجد لدى أردوغان قناعة راسخة بأن موسكو شريك موثوق في الأزمات، خلافا لحلف بدا انتهازيا في أحسن أحواله.

وبعد شهر واحد فقط، شنّت تركيا عملية عسكرية في شمال سوريا بموافقة ضمنية روسية، ثم اشترت في العام التالي منظومة "إس-400"، التي لا تتوافق مع أنظمة الناتو.

وكان الحلفاء يخشون أن يجمع رادارها المتطور معلومات استخباراتية عن الطائرات الحربية لدول الحلف، لا سيما مقاتلة "إف-35"، وأن يكشف بيانات تشغيلية حساسة لموسكو.

وحتى حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا وأقصتها من برنامج "إف-35"، أصرّت أنقرة على حقها في تنويع شراكاتها الدفاعية.

غزو أوكرانيا

ووفق تقدير تول، فقد أسهم الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 في تعميق العلاقة التركية-الروسية من جهة، وتوتيرها من جهة أخرى.

فتركيا لم تدعم الغزو؛ بل أدانته بشدة، وصوّتت في الأمم المتحدة لصالح القرار الذي ندّده، وزوّدت أوكرانيا بطائرات مسيّرة وأسلحة أخرى، وأغلقت مضيقَي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية تطبيقا لاتفاقية مونترو لعام 1936.

بيد أن تركيا رفضت الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا، وغدت شريانا اقتصاديا حيويا لموسكو، فتدفق عشرات الآلاف من الروس الفارين من الحرب إلى تركيا؛ حيث اشتروا العقارات وأسسوا الشركات وضخوا أموالا نقدية في الاقتصاد التركي المتعثر.

وتضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2022 ليتجاوز 60 مليار دولار، ما جعل تركيا ثاني أكبر شريك تجاري لروسيا بعد الصين.

وتعمّقت روابط الطاقة بصورة لافتة؛ إذ باتت تركيا خلال عامين من الغزو ثالث أكبر مستورد للوقود الأحفوري الروسي، وتجاوزت وارداتها النفطية من روسيا في 2023 و2024 ضعفَي مستويات عام 2021.

وواصل البلدان تنفيذ اتفاقية بناء محطة "آق قويو" النووية، التي أبرماها عام 2010، والتي تمنح شركة "روساتوم" الروسية الحكومية حق بناء المحطة الواقعة على الساحل المتوسطي التركي وتملكها وتشغيلها لمدة تشغيل متوقعة تبلغ 60 عاما، وهو ما يمنح موسكو نفوذا طويل الأمد داخل بنية تحتية حيوية في دولة عضو في الناتو.

واستدرك المقال: "لكن الأزمات الداخلية دفعت أنقرة في نهاية المطاف إلى إعادة حساباتها. فبحلول انتخابات 2023، كانت تركيا تعاني تضخما كبيرا وانهيارا في عملتها وأزمة في ميزان المدفوعات، فيما أنهك سوء الإدارة الاقتصادية وتآكل المؤسسات ثقة المستثمرين".

وزاد الطين بلة زلزال فبراير/شباط 2023 المدمر الذي أودى بحياة أكثر من 50 ألف شخص وخلّف خسائر تجاوزت 100 مليار دولار.

وبعد فوزه في الانتخابات في مايو/أيار 2023، أدرك أردوغان أن تغيير صورة تركيا بات ضرورة اقتصادية وأمنية لا تحتمل التأجيل.

فعيّن محمد شيمشك وزيرا للمالية، وهو شخصية تحظى بثقة المستثمرين الدوليين، وطاف الأخير العواصم الغربية ليطمئنهم بأن تركيا تعود إلى السياسات الاقتصادية الرشيدة.

وأعلن وزير الخارجية هاكان فيدان، أن تركيا ستنتقل إلى تنسيق دبلوماسي أوثق مع الشركاء الغربيين. وفي يوليو/تموز 2023، رفع أردوغان اعتراضه على عضوية السويد في الناتو.

وعدّلت أنقرة سياساتها تجنبا للعقوبات الثانوية، فتراجعت الصادرات التركية إلى روسيا تراجعا حادا مطلع 2024، وأغلقت المصارف التركية حسابات الشركات الروسية وقطعت صلاتها بنظيراتها الروسية.

وشرعت تركيا في تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية؛ إذ أجرت عام 2025 محادثات مع إيران لزيادة واردات الغاز التركماني، وسارعت إلى رفع وارداتها من الغاز المسال الأميركي ومن موردين آخرين.

وأسدلت الستار بهدوء على مشروع بوتين لإنشاء مركز لتوزيع الغاز الروسي في تركيا الذي حذّرت منه الحكومات الغربية.

وفي العام 2025، مدّدت تركيا عقود الغاز الروسية المنتهية عاما واحدا فقط، في حين وقّعت صفقة لمدة خمسة عشر عاما لاستيراد نحو 1500 شحنة غاز مسال من الولايات المتحدة.

وكانت واردات الغاز الروسي تمثل أكثر من 50 بالمئة من إمدادات تركيا عام 2018، فانخفضت إلى ما دون 40 بالمئة بنهاية 2025.

وعقب لقاء أردوغان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، في البيت الأبيض خلال سبتمبر/أيلول 2025، حيث طالبه بتخفيض مشتريات تركيا من الطاقة الروسية، باتت أكبر مصافي النفط التركية تستورد النفط الخام من العراق وكازاخستان وموردين آخرين، ما أسهم في تراجع الصادرات النفطية الروسية إلى تركيا بأكثر من 60 بالمئة في أكتوبر/تشرين الأول.

مآلات حرب إيران

وتعتقد تول أن المستجدات الإقليمية خلال العام ونصف العام الماضيين عزّزت مسار إعادة الانتماء التركي.

فسقوط الأسد أواخر 2024 وصعود حكومة دمشق الجديدة المتوافقة مع أنقرة أفقدا روسيا معظم نفوذها في سوريا، وأسقطا عن أردوغان الحاجة إلى مجاملة بوتين في ملفه السوري.

كما مهّد التحول السياسي في سوريا الطريق أمام انسحاب عسكري أميركي، أزاح مصدرا مزمنا للتوتر في العلاقات التركية-الأميركية.

وجاء رد الناتو على الحرب بقيادة أميركية ضد إيران التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 ليُثبّت قناعة أنقرة بصواب خياراتها. 

فحين اخترقت صواريخ إيرانية عدة المجال الجوي التركي، كانت منظومات الدفاع المرتبطة بالناتو في شرق البحر المتوسط هي التي اعترضتها.

وعزّز الحلف دفاعات تركيا الجوية والصاروخية في أعقاب ذلك، وضمن ذلك نشر بطاريات "باتريوت" في جنوب شرق البلاد حيث يقع الرادار الداعم لدرع الصواريخ الباليستية للناتو. وفي المقابل، بقيت منظومة "إس-400" الباهظة الثمن مُعطّلة تماما حين تعرضت تركيا لتهديد صاروخي مباشر.

وبحسب المقال، تسعى أنقرة إلى الاستعانة بحلفاء الناتو لسد الثغرات في منظوماتها الدفاعية التي كشفتها الحرب، لا سيما في مواجهة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى وصواريخ كروز وهجمات الإغراق المتزامنة.

وأحيت تركيا مفاوضات كانت متعثرة مع فرنسا وإيطاليا للحصول على منظومة "SAMP/T" والمشاركة في إنتاجها. 

وأعلنت ألمانيا نشر بطارية "باتريوت" إضافية و150 جنديا في تركيا نهاية يونيو/حزيران.

وكشف المسؤولون الأتراك أخيرا عن خطة ناتو جارية منذ 2023 لإنشاء فيلق متعدد الجنسيات في تركيا، تسعى أنقرة إلى استكماله بحلول 2028.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، انضمت تركيا إلى مبادرة ناتو لإزالة الألغام البحرية في البحر الأسود مع بلغاريا ورومانيا.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، بعد سنوات من التمسك بشراء دفعة ثانية من "إس-400"، طلب أردوغان من بوتين أخذ المنظومة وإعادتها لروسيا.

لكن أكدت الباحثة أن تقارب تركيا من الناتو لا يعني تخليها الكامل عن مبدأ الاستقلالية الإستراتيجية، فأنقرة تريد الإبقاء على هامش واسع من حرية التحرك، مع خيار التعامل المتزامن مع أطراف متنافسة، من الناتو إلى الصين وروسيا والقوى الإقليمية.

لكنها، بحسب المقال، باتت تدرك أنها في وضع أمتن حين تعمل بالتنسيق مع واشنطن وأوروبا، فصناعتها الدفاعية تعتمد على تقنيات ومكونات وتمويل غربي، وعمليات الاقتناء من حلفاء الناتو، كشراء عشرات من مقاتلات "يوروفايتر تايفون" عام 2025، تقع في صميم برامج التحديث العسكري التركي.

وختمت تول بالقول: إن اقتصاد تركيا وأمنها طوال عقود ظلّا راسخَين في الفلك الأوروبي الأميركي. وقد حاول أردوغان كسر هذه المعادلة ببناء علاقة وثيقة مع روسيا، لكن الواقع أعاد تركيا إلى حيث كانت.