غياب وزاري لا يعني تراجع النفوذ.. ماذا يحدث في المشهد التركماني بالعراق؟

منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تطور سياسي مهم شهده العراق في مايو/أيار 2026، حيث تمثل في حصول حكومة علي الزيدي على ثقة البرلمان، وهو حدث لم يقتصر تأثيره على تشكيل حكومة جديدة فحسب، بل فتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى السياسية والعرقية داخل البلاد. 

وبينما انشغل المراقبون بتركيبة الحكومة الجديدة، برزت ملاحظة لافتة، تمثلت في غياب أي شخصية تركمانية عن قائمة الوزراء الذين حصلوا على الثقة في المرحلة الأولى. 

غير أن قراءة أعمق للمشهد السياسي العراقي، تشير إلى أن هذا الغياب لا يعني بالضرورة تراجع نفوذ التركمان، بل قد يكون جزءا من عملية تفاوض أوسع، تهدف إلى تأمين تمثيل أكثر تأثيرا لهم داخل مؤسسات الدولة.

أداء الجبهة

ونشر مركز "أُورسام" مقالا للكاتب التركي سلجوق باجالان، قال فيه: إن “التغيّر السياسي الذي شهده العراق سنة 2003، دفع التركمان لموقع صعب داخل النظام السياسي الجديد”. 

وأضاف "رغم أنهم يُعدّون أحد المكونات الرئيسة في المجتمع العراقي، إلا أنهم لم يتمكنوا من بناء نفوذ مؤسسي يوازي ما تمتلكه القوى الكردية أو الكتل العربية الكبرى". 

كما أسهمت التحولات السياسية والديموغرافية، خاصة في محافظة كركوك، في تقليص قدرتهم على التأثير في القرار السياسي الوطني.

وخلال السنوات الماضية، انصبّ اهتمام القوى السياسية التركمانية على قضايا تتعلق بالحفاظ على الهوية القومية، وضمان الحقوق الدستورية، وتعزيز التمثيل في مؤسسات الدولة، إضافة إلى الدفاع عن موقعهم في كركوك والمناطق ذات الغالبية التركمانية. 

إلا أن هذا النشاط ظل محصورا في إطار المطالبة بالحقوق أكثر من المشاركة الفعلية في صناعة السياسات العامة للدولة، يوضح باجالان.

وأفرزت انتخابات 2025 واقعا سياسيا جديدا، دفع الجبهة التركمانية العراقية إلى تبني نهج أكثر واقعية وبراغماتية. فبدلا من الاكتفاء بخطاب المطالب والحقوق، بدأت الجبهة تنخرط بصورة أكبر في التحالفات السياسية والحوارات التي تشكل أساس عملية الحكم في العراق.

ويُعد وجود الجبهة ضمن ائتلاف إدارة الدولة أحد أهم المكاسب السياسية التي حققها التركمان في السنوات الأخيرة، إذ وفر لهم فرصة المشاركة المباشرة في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومات واتخاذ القرارات الكبرى. 

كما أن التواصل المستمر بين القيادات التركمانية والقوى السياسية العراقية المختلفة عزز من مكانة التركمان، بوصفهم طرفا يمكنه التأثير في التوازنات السياسية، لا مجرد مكوّن يسعى للحصول على حصته من المناصب.

ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل الطبيعة التوافقية للنظام السياسي العراقي، حيث لا تستطيع أي قوة سياسية تشكيل الحكومة بمفردها، وهو ما يجعل القوى المتوسطة والصغيرة قادرة على لعب أدوار مؤثرة في بناء التحالفات وترجيح كفة بعض الأطراف على حساب أخرى.

وأردف الكاتب التركي بأن "قوة المكونات السياسية غالبا ما تُقاس بعدد المناصب التي تحصل عليها داخل الحكومة، لكن هذا المعيار لا يعكس دائما حجم النفوذ الحقيقي.

واستطرد: “فالوزارات في العراق ليست مجرد مؤسسات خدمية، بل تمثل أدوات للتأثير السياسي والإداري والاقتصادي”.

صانع التوازنات

من هنا فإن السؤال الأهم بالنسبة للتركمان ليس ما إذا كانوا سيحصلون على وزارة أم لا، بل ما طبيعة الوزارة التي سيحصلون عليها، وما مقدار التأثير الذي ستمنحه لهم داخل منظومة الحكم.

وتابع: إن الحصول على حقيبة وزارية ذات وزن سياسي وإداري يمكن أن يفتح المجال أمام التركمان، للمشاركة الفعلية في رسم السياسات العامة وإدارة الموارد والتأثير في القرارات الإستراتيجية للدولة. أما الاكتفاء بمناصب ذات طابع رمزي أو محدود الصلاحيات، فقد يضمن حضورا شكليا دون أن يحقق مكاسب سياسية حقيقية.

لهذا تبدو المطالبة بتمثيل مؤثر ومنتج أكثر أهمية من مجرد المطالبة بزيادة عدد المناصب. فالهدف لا ينبغي أن يكون الحصول على مقعد داخل الحكومة فقط، بل أن يكون بناء شراكة فعلية في إدارة الدولة وصناعة القرار.

وقال الكاتب التركي: إن كركوك تمثل محورا أساسيا في مستقبل الدور السياسي للتركمان. 

فبعد سنوات طويلة من التنافس الحاد بين القوى العربية والكردية على إدارة المحافظة، نجح التركمان في تعزيز حضورهم السياسي داخلها، وهو ما منحهم زخما جديدا على المستوى الوطني.

وتكمن أهمية كركوك في أنها لا تمثل مجرد محافظة عراقية عادية، بل تُعد رمزا سياسيا واقتصاديا وديموغرافيا بالغ الحساسية، وفق الكاتب باجالان.

لذلك فإن نجاح التركمان في ترسيخ حضورهم داخل إدارة المحافظة يمنحهم ثقلا إضافيا في بغداد ويعزز قدرتهم على التفاوض مع القوى السياسية الأخرى.

وإذا تمكنوا من الجمع بين نفوذ محلي قوي في كركوك وتمثيل مؤثر داخل الحكومة المركزية، فإنهم سَيحققون معادلة سياسية غير مسبوقة منذ عام 2003، بحيث تقوم على التأثير المتزامن في المستويين المحلي والوطني.

وأشار الكاتب التركي إلى أن أحد أبرز التحولات التي يشهدها الواقع السياسي التركماني، يتمثل في الانتقال التدريجي من دور "المكوّن المطالب بالحقوق" إلى دور "الشريك السياسي". 

فالقوى التي تقتصر أدوارها على المطالبة غالبا ما تبقى على هامش العملية السياسية، بينما تكتسب القوى المشاركة في بناء التوافقات والتحالفات مكانة أكبر داخل النظام السياسي.

فرصة مهمة

وفي العراق الحالي، حيث تقوم الحكومات على التفاهمات بين أطراف متعددة، يمكن للتركمان أن يؤدوا دورا مهما في تقريب وجهات النظر بين القوى المتنافسة. وهذا النوع من الأدوار يمنحهم نفوذا يفوق أحيانا حجمهم العددي أو تمثيلهم البرلماني.

ومن هنا يبرز مفهوم “صانع التوازنات” الذي يشير إلى قدرة طرف سياسي على التأثير في تشكيل التحالفات، واتخاذ القرارات دون أن يكون القوة الأكبر في الساحة. 

ويبدو أن التركمان باتوا يقتربون تدريجيا من هذا الموقع، مستفيدين من طبيعة النظام السياسي العراقي القائم على التوافق والشراكة. 

وقال باجالان: إن “المؤشرات الحالية تشير إلى أن التركمان يقفون أمام فرصة سياسية مهمة، قد تكون من أبرز الفرص التي أتيحت لهم منذ عام 2003”. 

ورأى أن "وجودهم ضمن التحالفات الحاكمة، وتنامي حضورهم في كركوك، وازدياد قدرتهم على التفاوض مع مختلف القوى السياسية، هي كلها عوامل تمنحهم فرصة للتحول إلى لاعب أكثر تأثيرا في المشهد العراقي".

واستدرك باجالان: "غير أن نجاح هذه الفرصة يتوقف على قدرة القيادات التركمانية على تحويل المكاسب الحالية إلى نفوذ مؤسسي طويل الأمد، وعدم الاكتفاء بالإنجازات الرمزية أو المناصب المؤقتة". 

وشدد على أن "التحدي الحقيقي لا يكمن في الحصول على حقيبة وزارية أو منصب سياسي، بل في بناء حضور مستدام داخل مؤسسات الدولة وآليات صنع القرار".

وأكد باجالان أنه "في حال تمكن التركمان من تحقيق هذا الهدف، فإنهم لن يكونوا مجرد مكوّن يسعى للدفاع عن حقوقه، بل سيصبحون طرفا أساسيا في رسم مستقبل العراق، والمساهمة في إدارة توازناته السياسية المعقدة". 

وتابع: "عندها يمكن القول إنهم انتقلوا فعلا من هامش المشهد السياسي إلى قلبه، ومن موقع المطالبة إلى موقع الشراكة والتأثير".