العراق يبدي اهتماما بالانضمام إلى مجموعة بريكس.. ما فرصه؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يبدي العراق اهتماما متزايدا بالانضمام إلى مجموعة “بريكس” في إطار مساعيه لتنويع شراكاته الاقتصادية وتعزيز موقعه الجيوسياسي، وسط تساؤلات حول فرص بغداد في نيل عضوية التكتل، وما إذا كان هذا المسار يمثل تحولا إستراتيجيا أم مجرد أداة لتوسيع الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية.

وأكد سفير العراق لدى روسيا، عبد الكريم هاشم مصطفى، في 30 يونيو/ حزيران 2026، رغبة بغداد في الانضمام إلى مجموعة "بريكس" مستقبلا. واصفا التكتل بأنه منظمة مهمة، ومشيرا إلى أن هذه الخطوة ستكون "فكرة جيدة" وتعتمد على شروط الانضمام وآلية عمل المجموعة.

وأوضح “معهد تحليل العلاقات الدولية” الإيطالي أن "الحديث عن احتمال انضمام العراق إلى بريكس لم يأت من فراغ؛ إذ اكتسب التكتل زخما متزايدا منذ قمة جوهانسبرغ عام 2023، ثم توسع خلال عامي 2024 و2025 ليصبح منصة أوسع للدول الساعية إلى تعزيز تمثيلها في منظومة الحوكمة العالمية، وتوسيع التعاون بين دول الجنوب، وتنويع شراكاتها الاقتصادية".

وبحسب تقديره، "لم يعد هدف البريكس تشكيل كتلة موحدة ذات مواقف متطابقة، بقدر ما أصبح إنشاء إطار يجمع قوى الطاقة والاقتصادات الصناعية والمراكز اللوجستية والدول الصاعدة لتنسيق المصالح المشتركة في عدد من الملفات".

طابع تفاوضي

ويرى التقرير أن العراق "يتمتع بموقع خاص، فهو أحد كبار منتجي النفط، ويملك احتياطيات ضخمة، بينما يعتمد اقتصاده وموارده المالية بصورة كبيرة على عائدات الهيدروكربونات".

"كما يمنحه موقعه الجغرافي دورا محوريا يربط الخليج بالمشرق وتركيا والممرات المؤدية إلى أوروبا، ما يتيح لبغداد توسيع شراكاتها مع أطراف متعددة في الوقت نفسه، من دون الاضطرار إلى الانحياز إلى منظومة دولية واحدة". وفق رأيه.

ومن ثم، يعتقد المعهد أن "اهتمام بغداد المحتمل بمجموعة بريكس يحمل بعدا تفاوضيا وجيو اقتصاديا أكثر من كونه تحولا إستراتيجيا كاملا".

وبحسب وكالة "تاس" الروسية، وصف السفير العراقي لدى موسكو عبد الكريم هاشم مصطفى مجموعة بريكس بأنها "منظمة مهمة للغاية". معربا عن أمله في انضمام العراق إليها مستقبلا، لكنه أوضح أن ذلك سيعتمد على طبيعة التكتل وشروط العضوية.

ولفت التقرير إلى أن "هذه التصريحات تكتسب أهميتها؛ لأنها صدرت عن ممثل دبلوماسي رسمي، لكنها لا تعني في الوقت نفسه أن بغداد تقدمت بطلب عضوية، أو أن أعضاء المجموعة توصلوا إلى توافق بشأن قبولها، أو أن الحكومة العراقية حددت جدولا زمنيا لهذه الخطوة".

وتابع: "يجنب هذا التمييز الوقوع في خطأين متناقضين، الأول يتمثل في التقليل من أهمية الإشارة؛ إذ إن إبداء الاهتمام في نظام دولي تتزايد فيه أهمية الأطر متعددة الأطراف لتنويع العلاقات وجذب الاستثمارات قد يمهد الطريق لتحركات دبلوماسية ومؤسسية لاحقة".

أما الخطأ الثاني فيكمن، وفق التقرير، في “المبالغة في تقديرها؛ لأن التصريح الإيجابي لا يعني حدوث تحول فوري في تدفقات الاستثمارات أو التجارة أو آليات العقوبات أو التوجه الإستراتيجي للدولة”.

أوراق قوة

وتضم المجموعة عشرة أعضاء هم: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، ومصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات. 

وإلى جانب الأعضاء، استحدثت المجموعة عام 2024 فئة "الدول الشريكة"، التي أصبحت سارية خلال عام 2025. 

ويرى المعهد أن "هذه البنية تمثّل أهمية للعراق لأنها تتيح، من الناحية النظرية، مستويات مختلفة من التقارب مع المجموعة، لكنها لا تلغي الشرط الأساسي، وهو أن جميع القرارات بين الأعضاء تتخذ بالإجماع".

وأضاف: "وبالنسبة إلى بغداد، قد يشكل هذا التنوع فرصة؛ لأنه يفتح أمامها أكثر من مسار للتعاون، لكنه يتطلب في المقابل دبلوماسية قادرة على التعامل مع أولويات متعددة ومتباينة".

من زاوية تحليلة أوسع، قدر المعهد أن "اهتمام العراق بالأطر البديلة أو المكملة يرجع إلى طبيعة اقتصاده".

وتابع موضحا: "إذ تشير وثائق البنك الدولي لعام 2026 إلى أن النفط شكل خلال عام 2024 نحو 95 بالمئة من صادرات العراق و91 بالمئة من إيراداته العامة".

فضلا عن ذلك، "تقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية احتياطيات العراق بنحو 145 مليار برميل، ما يضعه بين أكبر الدول المالكة للاحتياطيات النفطية في العالم".

ومن هنا، يعتقد التقرير أن "هذه الثروة تمنح بغداد أوراق قوة مهمة، لكنها تجعلها أيضا عرضة لتقلبات أسعار النفط، وسياسات أوبك+، وقدرات التصدير، وكفاءة البنية التحتية".

وأردف: "وفي اقتصاد من هذا النوع، لا يعني التنويع تقليص أهمية قطاع النفط، بل توظيف عائداته لبناء منظومة كهرباء أكثر استقرارا وتطوير شبكات النقل والموانئ والخدمات اللوجستية وتعزيز الصناعات الخفيفة والصناعات الغذائية التحويلية والخدمات الرقمية والقطاع المالي".

في هذا الإطار، ذكر المعهد أن "صندوق النقد الدولي، ربط في تقرير المشاورات الخاصة بالمادة الرابعة لعام 2025، إمكانات نمو القطاعات غير النفطية بإصلاحات تشمل سوق العمل، وتنظيم بيئة الأعمال والقطاع المالي والحوكمة".

وعليه، شدَّد التقرير على أن "أي تعاون مع مجموعة بريكس لن يحقق قيمة حقيقية ما لم يندمج ضمن هذه الأجندة الإصلاحية الداخلية".

"ومع انضمام إيران والإمارات ومصر وإندونيسيا إلى مجموعة بريكس تعزز حضور المجموعة في مناطق إنتاج الطاقة وعلى طرق الملاحة البحرية، ومن شأن انضمام العراق مستقبلا أن يزيد من هذا الثقل الإقليمي". قال المعهد.

واستدرك: "لكن سيكون من غير الدقيق عدّ ذلك انتقالا لـ(غالبية احتياطيات العالم) إلى سيطرة مباشرة لبريكس؛ لأن الاحتياطيات تظل ملكا للدول، والأسواق ما زالت عالمية".

علاوة على ذلك، "لأوبك وأوبك+ آلياتهما الخاصة، ولا يحل توافق بريكس محل المصالح الوطنية للدول المنتجة التي تتنافس فيما بينها أيضا".

واستطرد: "وبالنسبة إلى بغداد، لا تمثل الطاقة أداة للاصطفاف مع طرف معين، بقدر ما تعد وسيلة لتوسيع خياراتها في مجالات الاستثمار والتسويق والتصنيع والخدمات اللوجستية".

توسيع الخيارات

من جانب آخر، وبعيدا عن الذهب الأسود، أكد المعهد أن "القيمة العملية لتقارب العراق مع بريكس تكمن في جوانب أكثر عمقا، تتمثل في بناء علاقات أكثر تنظيما مع المراكز المالية في الخليج، وكبار المستوردين في آسيا، والشركات الصناعية، وشركات الإنشاء، والمنصات السياسية الساعية إلى تعزيز استقلال سلاسل القيمة".

في هذا الصدد، ذكر أن "مشروع (طريق التنمية) يبرز بصفته المجال الذي يمكن أن تتحول فيه الدبلوماسية متعددة الأقطاب إلى واقع ملموس".

ويربط المشروع ميناء الفاو الكبير على الخليج العربي بالحدود التركية عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق صممت لربط العراق وتركيا وأوروبا. 

وأشار الموقع الرسمي للميناء إلى أن المشروع يمتد عبر محور متكامل يزيد طوله على 1200 كيلومتر، بينما يعده البنك الدولي جزءا أساسيا من إستراتيجية التنمية العراقية.

وتابع المعهد الإيطالي: "في ديسمبر/ كانون الأول 2025، أعلنت سلطة الموانئ تسليم أول جزء من المشروع بين الفاو ومدينة صفوان في محافظة البصرة أقصى جنوب العراق وقرب الحدود مع السعودية والكويت".

ومن وجهة نظره، فإن "هذا الممر لا يقتصر على كونه مشروعا للنقل، بل يمثل فرصة لإعادة صياغة دور الدولة من خلال تحسين كفاءة الجمارك وإدارة المعابر الحدودية ورفع المعايير اللوجستية وتوفير الطاقة للمناطق الإنتاجية وتطوير العقود والتأمين وتمويل المشروعات وتعزيز التكامل الرقمي".

واستطرد: "وهنا أيضا، لا تكمن أهمية المشروع في ارتباطه بطرف دولي بعينه، بل في قدرته على جعل العراق أكثر جاذبية لشركاء الخليج وآسيا وأوروبا ودول بريكس، بما يعزز القيمة الإستراتيجية لموقعه الجغرافي".

ورغم عدم توصل مجموعة البريكس بعد إلى عملة موحدة مشتركة، إلا أن الدول العشر أصبحت تستخدم العملات المحلية في بعض المعاملات الثنائية.

وبالنسبة لبغداد، يرى التقرير أن ذلك "قد يسهم في خفض التكاليف وتقليل العقبات، لكنه لن يغني عن الحفاظ على قنوات مالية قوية مع الأسواق العالمية الرئيسة".

واسترسل: "ولذلك، فإن النتيجة الأكثر واقعية تتمثل في تنويع قنوات الدفع، لا الانفصال عن النظام المالي العالمي".

وفي الإطار نفسه، لفت المعهد إلى أن "السياسة الخارجية متعددة المسارات تبدو الخيار الأكثر انسجاما مع مصالح العراق؛ إذ لا يستدعي تعزيز العلاقات مع مجموعة بريكس التخلي عن الشركاء الغربيين أو المؤسسات متعددة الأطراف أو الأدوات المالية المقومة بالدولار".

في المقابل، فإن استمرار التعاون مع الولايات المتحدة أو صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي "لا يمنع بغداد من استقطاب الاستثمارات والأسواق ومشروعات البنية التحتية عبر الصين والهند وروسيا والسعودية والإمارات أو غيرها من أعضاء بريكس"، وفق تقديره.

انطلاقا من ذلك، رجح المعهد أن "يواصل العراق اتباع سياسة تقوم على توسيع خياراته الخارجية دون منح أي مسار طابعا حصريا".

واستدرك: "لكن هذا التوجه يتطلب قدرا كبيرا من الاتساق الداخلي، فإذا تحول الاهتمام ببريكس مستقبلا إلى طلب رسمي، فسيتعين على حكومة العراق تقديمه ضمن خطة تنموية واضحة وقابلة للقياس، تشمل أولويات البنية التحتية والإطار المالي وأهداف تنمية الصادرات غير النفطية وإصلاح القطاع المصرفي وضمان الشفافية في المناقصات وتعزيز القدرة على استيعاب الاستثمارات".

ونوَّه إلى أنه "من دون هذه الأسس، ستظل العضوية ذات قيمة رمزية في المقام الأول، أما إذا اقترنت بإصلاحات فعلية، فقد توسع الأدوات الاقتصادية المتاحة أمام العراق".

القيمة السياسية

وفي أفضل السيناريوهات المتوقعة، رأى المعهد أن بغداد "قد تنجح في تحويل اهتمامها السياسي إلى إستراتيجية عملية، عبر تعزيز بيئة الاستثمار وتسريع تنفيذ مشروع طريق التنمية وتحديث الإجراءات الجمركية والمصرفية وإطلاق حوار فني مع أعضاء وشركاء بريكس من دون إغلاق قنوات التعاون الأخرى".

ويعتقد أنه "من شأن هذا المسار أن يعزز جاذبية العراق بوصفه منصة تربط الخليج وتركيا وأوروبا، وأن يسهم في تنويع مصادر الاستثمار، مع توظيف موارده في قطاع الطاقة لدعم القطاعات غير النفطية".

وشدَّد المعهد على أن ذلك "يتطلب التركيز على تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية وتمويل المشروعات والمعايير الرقمية وبناء القدرات البشرية، إلى جانب متابعة توقيع المذكرات الفنية وتعزيز الحضور في المنتديات الاقتصادية التابعة لبريكس، واستكمال ممر الفاو-تركيا وتحسين قابلية المشروعات للحصول على التمويل".

"كما ينبغي إنشاء قائمة مشروعات تقوم على معايير شفافة، مع تجنب تصوير الانضمام إلى بريكس بوصفه بديلا عن الإصلاحات الداخلية". وفق تحليله.

"أما في أسوأ السيناريوهات، فقد يبقى الاهتمام بالمجموعة في حدود التصريحات، بينما تعوق القيود المالية والاضطرابات الإقليمية وتأخر تنفيذ مشروعات البنية التحتية والغموض التنظيمي، عملية التحول الاقتصادي". قال المعهد.

وفي هذه الحالة، يقدر أن العراق "قد يحصد حضورا سياسيا أكبر، لكنه لن ينجح في جذب استثمارات طويلة الأجل أو تحقيق تحسن ملموس في الترابط الاقتصادي، بل قد يفسر الحديث عن بريكس خارجيا بصفته إشارة سياسية غامضة أكثر منه برنامجا اقتصاديا واضحا".

ورأى أنه "لتفادي ذلك، ينبغي تقليص الفجوة بين الطموحات والتنفيذ، ومراقبة مؤشرات مثل تعثر مشروع طريق التنمية، أو غياب المشاورات الرسمية، أو تراجع جودة الحوكمة المصرفية، أو ضعف قابلية المشروعات للتمويل، مع تجنب الخطابات المبالغ فيها والتركيز على قضايا البنية التحتية والتجارة والتنمية".

وفي السيناريو الأكثر استقرارا، يحتفظ العراق -وفق المعهد- بملف بريكس بـ"وصفه خيارا دبلوماسيا متوسط المدى من دون التسرع في طلب العضوية".

وهو ما عده "يمنح بغداد مساحة أوسع للمناورة، مع تحقيق مكاسب غير مباشرة، مثل توسيع الاتصالات، وزيادة فرص المشاركة في المنتديات، وإقامة شراكات جديدة، من دون تغيير رسمي في وضعه داخل المجموعة".

وتابع: "يقوم هذا المسار على استثمار الاهتمام ببريكس لتحسين الحوار مع جميع الشركاء، بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودول الخليج والشركاء الغربيين وتوسيع المبادرات التجارية الثنائية بالعملات المحلية، وتعزيز الشراكات في مجالات الموانئ والصناعة، وقياس النتائج من خلال حجم الاستثمارات المنفذة، وتطور القدرات اللوجستية، ونمو الصادرات غير النفطية".

ورجَّح التقرير أن الفرضية الأكثر ترجيحا أن "بغداد تختبر أولا القيمة السياسية للتقارب مع مجموعة بريكس قبل الشروع في أي إجراءات رسمية للانضمام".

وأردف: "يسمح إعلان الاهتمام بالتوجه نحو بريكس بإرسال رسائل متزامنة إلى عدة أطراف؛ فهو يبعث بإشارة انفتاح إلى روسيا والدول الآسيوية، ويستقطب اهتمام دول الخليج من خلال التركيز على البنية التحتية ورؤوس الأموال، كما يوجه رسالة إلى الشركاء الغربيين بأن بغداد تمتلك بدائل وتسعى إلى التفاوض من موقع أقل اعتمادا على طرف واحد".

في الوقت ذاته، أشار التقرير إلى أنه "لا يمكن استبعاد تفسير آخر، يتمثل في أن الاهتمام ببريكس قد يكون وسيلة لإدماج مفهوم التعددية القطبية ضمن مشروع تحديث الدولة العراقية، من دون أن يعني ذلك تغيير الاصطفاف الإستراتيجي".

وأضاف: "إذا صحت هذه القراءة، فلن يكون المؤشر الحاسم هو صدور تصريحات دبلوماسية جديدة، بل ظهور خطوات تنفيذية ملموسة، مثل إرسال وفود فنية أو تقديم طلبات شراكة أو المشاركة في مجموعات العمل أو توقيع بروتوكولات تعاون مع بنك التنمية الجديد أو إطلاق مشروعات مرتبطة بالموانئ والطاقة والتحول الرقمي وأنظمة المدفوعات".