بين أنقرة والرياض.. كيف يعيد التحالف الجديد تشكيل النفوذ في لبنان؟

"العامل الاقتصادي عنصر حاسم في العلاقات"
تشهد الساحة اللبنانية تنسيقا متزايدا بين تركيا والسعودية لدعم الاستقرار وتعزيز حضور لبنان إقليميا، وسط مقاربة إسرائيلية تتحفظ على اتساع الدور التركي الأمني والسياسي في البلاد.
ويرى موقع فارسي أن "ترسيخ حكم أحمد الشرع في سوريا بدعم تركي، أدّى إلى تعزيز الحضور الإقليمي لأنقرة، بما أتاح لها توسيع تحركها السياسي في بيروت أيضا".
في هذا السياق، تعتقد "وكالة مهر للأنباء" أن تركيا "تسعى إلى توسيع نفوذها في المنطقة وحماية مصالحها الإستراتيجية في ملفات الطاقة وشرق المتوسط، بالتوازي مع تعزيز حضورها الاقتصادي في لبنان".
وبعيدا عن الفيتو الإسرائيلي ضد خطط تركيا للمشاركة في القوات الدولية الداعمة للاستقرار في لبنان، ومساعدة الجيش اللبناني من خلال بيع منتجاتها الدفاعية له؛ أبرزت الوكالة نطاق التفاعل والمواجهة بين تركيا والسعودية في لبنان.
وتقدر أن "المنافسة الحالية بين تركيا والسعودية تخضع لقواعد اشتباك جديدة، نتيجة للتحالف الإستراتيجي الأخير بين الرياض وأنقرة".

حلقة جغرافية
واستهلت الوكالة تقريرها مشيرة إلى أهمية "العامل الاقتصادي كعنصر حاسم في علاقة أنقرة بلبنان وتحركاتها في الإقليم".
وقالت: "يسعى رجب طيب أردوغان إلى منع نشوء أي تحالف أو ترتيبات للطاقة البحرية تجمع اليونان وقبرص وإسرائيل، بما قد يؤدي إلى عزل تركيا".
كما "أبدت أنقرة تحفظات سياسية على بعض الاتفاقات الحدودية، مثل الاتفاق بين لبنان وقبرص، بهدف الحفاظ على موقعها في صراع النفوذ حول حقول الغاز والنفط".
وفي الوقت ذاته، ذكرت الوكالة أن تركيا "تسعى إلى ربط لبنان بمشروع سكة حديد الحجاز التاريخي عبر خطي طرابلس-حمص وبيروت-دمشق، وإتاحة الفرصة للشركات التركية للمشاركة في إعادة إعمار البنية التحتية اللبنانية والموانئ البحرية، بما يعزّز مكانة تركيا بوصفها أحد أبرز الشركاء التجاريين وموردي السلع الأساسية إلى السوق اللبنانية".
بعبارة أخرى، "تستفيد أنقرة من موقع لبنان كحلقة جغرافية تربط صادراتها بمشاريع النقل الإقليمية وخطوط السكك الحديدية، فيما تسعى الشركات التركية إلى الحصول على حصة كبيرة من عقود إعادة إعمار البنية التحتية والموانئ اللبنانية".
يضاف إلى ذلك، أن "استقرار بيروت يوفر سوقا مستقرة للسلع والمنتجات الغذائية والصناعية التركية".
من جانب آخر، لفتت الوكالة إلى أن "التنسيق مع لبنان يمنح أنقرة ورقة قوة دبلوماسية وقانونية في المنافسة بشأن ترسيم الحدود البحرية وملفات الطاقة في مواجهة تحالف اليونان وقبرص وإسرائيل".
من هنا، أشار التقرير إلى أن "الدور الأمني لتركيا في لبنان يصطدم بفيتو إسرائيلي؛ إذ ترفض تل أبيب أي وجود عسكري أو أمني تركي في الجنوب اللبناني".
وإلى جانب ذلك، يعتقد أنه "توجد أيضا تحفظات فرنسية، وحتى أميركية، على الدور التركي في لبنان؛ حيث يعدون الجمهورية اللبنانية جزءا من مشروعهم السياسي في الشرق الأوسط".
غير واضحة
وفي هذا الإطار، سلطت الوكالة الضوء على حدود التنسيق والتنافس بين أنقرة والرياض في لبنان، مؤكدة على "أن التحول الإستراتيجي في العلاقات بين تركيا والسعودية وتنسيق مواقفهما بشأن الملفات الإقليمية شكلا خطوة كبيرة، إلا أن حدود هذا التقارب في الملف اللبناني لا تزال غير واضحة".
ومن أشكال التنسيق بين الجانبين، والتي ذكرها التقرير، "دعم الرياض جهود تركيا لتسهيل الحوار بين حكومة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام والسلطات الحاكمة في دمشق برئاسة الشرع؛ بهدف معالجة ملفات الحدود واللاجئين والأمن المشترك".
فضلا عن "تأييد السعودية انضمام لبنان إلى مشاريع النقل والسكك الحديدية الإقليمية، بما ينسجم مع رؤيتها لإعادة بيروت إلى محيطها العربي وإبعادها عن الاقتصاد المرتبط بحزب الله".
في المقابل، زعمت الوكالة الفارسية أن "الرياض، عبر سفيرها في لبنان، يزيد بن فرحان، تفرض حدودا واضحة للتحرك التركي في البلاد، في ظل المنافسة المحتدمة بين البلدين على النفوذ داخل الساحة السنية اللبنانية".
وادّعت أن "السعودية تشترط أن يمر الدور التركي في لبنان عبر رئاسة الجمهورية والجيش والحكومة".
في المقابل، يعتقد التقرير أن "تركيا التي تستفيد من لبنان اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، تحرص على إظهار التزامها بالمنظومة العربية؛ إذ يمنحها هذا الالتزام شرعية تتيح لها التوسع دون الصدام مع القوى الإقليمية الكبرى".
في المحصلة، تقدر الوكالة أن "المنافسة الحالية بين تركيا والسعودية تخضع لقواعد اشتباك جديدة، فرضها التحالف الإستراتيجي الذي نشأ أخيرا بين الرياض وأنقرة".
على الصعيد الشعبي، أوضح التقرير أن تركيا "تتمتع في طرابلس وبعض قرى منطقة العرقوب والبقاع بعلاقات ثقافية واجتماعية وعاطفية، لا سيما أن علاقتها بطرابلس تشمل عائلات تركمانية، فيما حصل آلاف اللبنانيين في الشمال وعكار على الجنسية التركية".
إضافة إلى ذلك، "تنشط أنقرة في ترميم الآثار العثمانية، ودعم المستشفيات، وتقديم مساعدات غذائية مباشرة، وهو ما ساهم في بناء قاعدة شعبية لها في هذه المناطق".
أيضا، نوَّهت الوكالة إلى أن "تبني تركيا لخطاب (المدافع عن القضايا الإسلامية) يحظى بتأييد واسع داخل المجتمع السني المحافظ في الشمال والبقاع".

طابع عشائري
في هذا السياق، يرى التقرير أن التنافس السعودي التركي في لبنان اتخذ طابعا "قبليا ومجتمعيا".
وتابع موضحا: "إذ تميل بعض القرى الحدودية والفقيرة إلى الاستفادة بدرجة أكبر من المساعدات التركية المباشرة، بينما لا يزال النفوذ السعودي حاضرا عبر شبكات التواصل مع القبائل العربية المنتشرة في البقاع والشمال ومنطقة خلدة".
وفي الوقت ذاته، لا تعارض السعودية -بحسب التقرير- "الدور التركي في شمال لبنان، بتقدير أن ذلك يسهم في مواجهة الفقر والحد من النفوذ الإيراني".
أما بين المسيحيين اللبنانيين، فذكرت الوكالة أن "اليمين المتمثل في حزبي الكتائب والقوات اللبنانية يحظى بدعم السعودية، ولذلك يبدي مخاوف من توسع النفوذ التركي في طرابلس وتحول البقاع إلى ورقة بيد تيار (الإسلام السياسي)".
"ومن ثم، يعارض هذا التيار أي وجود أمني أو عسكري تركي في جنوب لبنان أو أي منطقة أخرى، ويفضل أن يتولى الجيش اللبناني والقوات الدولية الغربية والمحايدة مسؤولية الأمن". وفق الوكالة.
وعلاوة على ذلك، "اتجه التيار الوطني الحر، برئاسة ميشال عون، نحو تعزيز علاقاته مع الرياض بعد سنوات من التحالف مع حزب الله".
ومع ذلك، يقدر التقرير أن عون "يرى في تركيا قوة إقليمية قادرة على ضبط الأوضاع في (سوريا الجديدة)، ولذلك يرحب بالتنسيق بين تركيا والسعودية".
بالنسبة لإسرائيل، وصفت الوكالة موقفها من الحضور التركي والسعودي في لبنان بـ"المتناقض".
وعزت ذلك إلى أن "إسرائيل ترى في هذا الحضور فرصة إستراتيجية لإضعاف إيران، لكنها تعارض بشدة أي توسع عسكري أو سياسي تركي مباشر على حدودها الشمالية".
بتعبير آخر، يقدر التقرير أن "إسرائيل تتفق مع الرياض وأنقرة على هدف (القضاء على نفوذ حزب الله)، لكنها لا تسمح بتحول طموحات أنقرة إلى مشاركة مباشرة في الترتيبات الأمنية أو قوات حفظ السلام في جنوب لبنان".
وهو ما يفسر، وفق الوكالة، لماذا "ينظر الكيان الصهيوني إلى السعودية بوصفها القوة الإقليمية الأبرز في لبنان، وشريك إقليمي لمنع الطائفة السنية اللبنانية من الانخراط في العمل السياسي".
وفيما يتعلق بالمساعدات التي تصل لبيروت، شدَّد التقرير على أن إسرائيل "تفضل تقديم المساعدات المالية للبنان عبر مؤسسات الدولة الرسمية لضمان تجفيف منابع السلاح".
وفي نهاية المطاف، خلصت الوكالة إلى أن "السعودية والمسيحيين اللبنانيين يتقاطعون مع إسرائيل في مواجهة (الإسلام السياسي السني)، في حين يظلّ قبولهم بالدور التركي في لبنان مشروطا بأن يتحرك تحت مظلة سعودية وأميركية".

















