عبر "بيغاسوس".. كيف تجسس عملاء مغاربة على مدربيهم في الحرس الإسباني؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

كشف تحقيق استقصائي أُنجز بالتعاون بين ائتلاف إعلامي دولي عن جانب آخر من التعاون الأمني بين الحرس المدني الإسباني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربي، وهي جهاز الاستخبارات الداخلية في المغرب.

ووفقا لصحيفة "الكونفيدنسيال"، التي شاركت في إعداد التحقيق ضمن ائتلاف يقوده مشروع "فوربيدن ستوريز"، تولى ضباط إسبان تدريب نظرائهم المغاربة، في حين تعرضوا بالتزامن لعمليات مراقبة وتجسس نفذتها الاستخبارات المغربية.

تهديد أمني

وأضافت الصحيفة أن هذا التعاون الأمني بدأ يتوسع منذ سنة 2014، بعد أن تحول الإرهاب إلى التهديد الأمني الأول لإسبانيا عقب انتهاء نشاط منظمة "إيتا" الاستقلالية. 

وأوضحت أن الحرس المدني الإسباني شرع في بناء علاقة مباشرة مع جهاز الاستخبارات الداخلية المغربي، بعدما كان التعاون في هذا المجال يقتصر أساسا على جهاز الاستخبارات الإسباني والشرطة الوطنية.

وأشارت الصحيفة إلى أن بناء الثقة بين الجانبين استغرق سنوات، وشمل زيارات متبادلة لمسؤولين كبار، حيث انتقل ضباط إسبان إلى الرباط لتدريب عناصر الاستخبارات المغربية على تقنيات المراقبة والتعقب والعمل الاستخباراتي، فيما زار مسؤولون مغاربة مدنا إسبانية مثل مدريد ومالقة وماربيا وسبتة، وشاركوا في برامج تدريبية وزيارات ميدانية.

وأفادت الصحيفة بأن العلاقة بين الجانبين بدت، بحلول سنة 2017، وثيقة وودية، وهو ما عكسته صور حصل عليها التحقيق تظهر ضباطا إسبانا ومغاربة خلال تدريبات مشتركة ولقاءات غير رسمية. 

وفي الحقيقة، لا يزال التعاون قائما، إذ استقبل مدير جهاز المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربي، عبد اللطيف حموشي، في تموز/ يوليو 2025 وفدا أمنيا إسبانيا رفيع المستوى، كما سبق أن منحته وزارة الداخلية الإسبانية وسام "الصليب الأكبر للاستحقاق" تقديرا للتعاون الأمني بين البلدين.

وكشفت الصحيفة أن هذه العلاقة كانت تخفي جانبا آخر؛ إذ عد مسؤول رفيع في الحرس المدني الإسباني، بعد اطلاعه على نتائج التحقيق، أن ما حدث يمثل "خيانة" للثقة التي بني عليها التعاون الأمني بين الطرفين.

وأوضحت الصحيفة أن التحقيق استند إلى وثائق وصور مسربة، إضافة إلى شهادات مسؤول سابق في جهاز الاستخبارات المغربي، وضباط من الحرس المدني والشرطة الوطنية وجهاز الاستخبارات الإسباني، كما خضعت الأدلة الرقمية لتحليل مستقل من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية، الذي أكد صحتها.

"التجسس على الجميع"

ونقلت "الكونفدنسيال" عن مسؤول سابق في جهاز الاستخبارات المغربي قوله: إن الجهاز كان يعتمد سياسة تقوم على "التجسس على الجميع"، بمن فيهم ضباط الحرس المدني الإسباني الذين كانوا يترددون على المغرب لتدريب عناصر الاستخبارات، موضحا أن هذا الإجراء كان يُنفذ بشكل روتيني "تحسبا لأي طارئ".

وأضافت الصحيفة أن المصدر شرح آلية التجسس، مشيرا إلى أن الاستخبارات المغربية كانت تستفيد من سيطرتها على البنية التحتية لشبكات الاتصالات المحلية للحصول على بيانات تقنية مرتبطة بالهواتف المحمولة، مثل رقم تعريف شريحة الاتصال ورقم تعريف الجهاز، إيماي، بما يسمح بتتبع الأجهزة أو اختراقها بوسائل متطورة.

وهو ما أكد خبراء الاتصالات في مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية أنه يدخل ضمن تقنيات المراقبة المستخدمة في المغرب.

وأشارت الصحيفة إلى أن الشرطة الوطنية الإسبانية كانت تتخذ احتياطات خاصة عند سفر عناصرها إلى المغرب؛ إذ يستخدم الضباط هاتفين؛ أحدهما خال من المعلومات الحساسة للاتصال بالشبكات المغربية، والآخر مهيأ بإجراءات أمنية تمنع اختراقه. 

في المقابل، لم يكن عناصر الحرس المدني يعتمدون هذه الإجراءات، لأنهم لم يتوقعوا أن يكونوا هدفا للمراقبة من قبل شركائهم المغاربة.

وأضافت الصحيفة أن خبراء الحرس المدني الإسباني نقلوا إلى نظرائهم المغاربة خبرات متقدمة في مجالات المراقبة السرية، والتعقب، والدخول إلى الفنادق وتفتيش الأمتعة دون ترك آثار، وتركيب وسائل تقنية لجمع المعلومات، فضلا عن بعض أساليب الاختراق الإلكتروني، وذلك في إطار التعاون لمكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.

ونقلت "الكونفدنسيال" عن المسؤول الاستخباراتي المغربي السابق قوله: إن السلطات المغربية استخدمت لاحقا بعض هذه التقنيات في ملاحقة صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين للنظام، مع إقراره بأن التحقيق لم يتضمن وثائق تثبت بشكل مباشر هذا الاستخدام.

وأوضحت الصحيفة أن التعاون كان يسير في اتجاه واحد تقريبا، إذ كان الضباط الإسبان يقدمون خبراتهم وتقنياتهم الميدانية، بينما لم يكن الجانب المغربي يشارك أساليبه أو خبراته مع نظرائه الإسبان.

وأضافت الصحيفة أن بعض التدريبات تحولت إلى عمليات ميدانية حقيقية، وأن المغرب استخدم الطائرات المسيرة لأول مرة بعد تلقي عناصره تدريبات من الحرس المدني الإسباني في مالقة، قبل أن يطور لاحقا قدراته في هذا المجال بدعم إسرائيلي.

وأفادت الصحيفة بأن وحدة الأبحاث داخل جهاز الاستخبارات المغربي كانت، وفقا للمصدر السابق، مسؤولة عن متابعة الضباط الإسبان، وهي الوحدة نفسها التي تتولى مراقبة الصحفيين والناشطين والمعارضين.

مشيرة إلى أن مديرها لعب دورا محوريا في قضية الصحفي المغربي عمر الراضي، الذي كان من أوائل ضحايا برنامج التجسس "بيغاسوس".

محاولات اختراق

وكشفت الصحيفة أن عمليات الاستهداف لم تقتصر على الضباط الإسبان أثناء وجودهم في المغرب، إذ أظهرت بيانات مشروع "بيغاسوس" أن هاتف العقيد الإسباني ألبرتو أغيليرا، الذي سبق أن شغل منصب الملحق الأمني في السفارة الإسبانية بالرباط، تعرض لمحاولات اختراق عدة منذ سنة 2019، بعد انتهاء مهمته في المغرب وانتقاله إلى مناصب قيادية داخل الحرس المدني.

وأضافت الصحيفة أن التحقيق أعاد التذكير بقضية اختراق هاتف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وعدد من الوزراء خلال الأزمة الدبلوماسية بين مدريد والرباط في سنة 2021، والتي تزامنت مع تدفق أكثر من عشرة آلاف مهاجر إلى مدينة سبتة خلال يومين.

وأشارت الصحيفة إلى أن مصادر استخباراتية إسبانية تعتقد أن جهات نافذة في الدولة المغربية قادت، خلال تلك الفترة، إستراتيجية للضغط على مدريد، استخدمت فيها ملفات الهجرة والتجسس الإلكتروني، عقب استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج.

وأضافت الصحيفة أن العلاقات السياسية والأمنية بين البلدين عادت إلى التحسن منذ سنة 2022، بعد تغيير الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية، غير أن ذلك لم ينهِ حالة انعدام الثقة بين الأجهزة الأمنية في البلدين.

مشيرة إلى حوادث أخرى، مثل نشر صور غير معلنة لمديرة الاستخبارات الإسبانية خلال زيارة سرية إلى الرباط، وكشف تحقيق سابق عن تجنيد ابنة مسؤول بارز في الشرطة الإسبانية لصالح الاستخبارات المغربية.

واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى أن الحكومة الإسبانية لا تزال تلتزم الصمت بشأن طبيعة البيانات التي استخرجت من هاتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز خلال عمليات الاختراق، كما لم تتلق وسائل الإعلام المشاركة في التحقيق أي رد رسمي من الحكومتين الإسبانية والمغربية أو من الشركة المطورة لبرنامج "بيغاسوس"، لتبقى الأسئلة المتعلقة بحجم المعلومات المسربة والجهة التي استفادت منها دون إجابات حاسمة.