الزيدي.. كيف يتغلب على معضلة موقع العراق الحساس بين أميركا وإيران؟

"واشنطن ستظل تبحث في العراق عن شريك قادر على مقاومة الضغوط"
يقود رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خلال هذه الفترة تحركا دبلوماسيا مكثفا؛ فبعد اختتامه، في 19 يوليو/تموز 2026، زيارة إلى الولايات المتحدة استمرت أسبوعا و"نجح" خلالها في كسب إعجاب الرئيس دونالد ترامب، يُتوقع أن يتوجه إلى طهران للقاء القادة الإيرانيين الجدد، في إطار جولة تشمل كذلك قطر والسعودية وتركيا وسوريا.
بهذه المقدمة استهل البروفيسور جون كالابريس، أستاذ العلاقات الدولية في "الجامعة الأميركية" بواشنطن العاصمة، مقاله المنشور في موقع "ذا كونفرزيشن" الأميركي، والذي تناول فيه مساعي بغداد للانتقال من ساحة للتنافس الإقليمي إلى حلقة وصل إستراتيجية بين القوى المتنافسة في الشرق الأوسط.
ورأى كالابريس أن زيارة الولايات المتحدة مثّلت المحطة الأولى، والأكثر أهمية من وجهة نظره، ضمن تحرك أوسع يهدف إلى تعزيز الشرعية الداخلية لحكومة الزيدي، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، والارتقاء بمكانة العراق على الصعيد الإقليمي.
وأشار إلى أن بغداد، بالتوازي مع مساعيها لتوطيد علاقاتها بواشنطن، تحرص على الحفاظ على روابطها التاريخية مع طهران، رغم تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، والتداعيات الاقتصادية التي خلّفها اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويعتقد أن نجاح العراق في أداء دور الجسر بين الجانبين، وربما استضافة مفاوضات بينهما، من شأنه أن يعزز موقع بغداد الحساس والإستراتيجي في المنطقة.

أطراف متنافسة
وذهب كالابريس إلى أن الزيارة الأميركية التي شملت قمة أعمال رفيعة ولقاءات مع مسؤولي كبرى شركات الطاقة في مدينة هيوستن، أُعدّت بعناية لتنسجم مع الإستراتيجية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط، التي تضع التجارة والاستثمار في الصدارة، ويحتل فيها العراق موقعا محوريا.
ويرى الباحث أن كل ذلك يعزز مكانة بغداد بوصفها حلقة وصل إستراتيجية في شرق أوسط تعيد شبكاتُ الطاقة والبنية التحتية والتجارة والاستثمار تشكيله.
وبحسب المقال، فإن الأهمية المتنامية للعراق ساحة محتملة للدبلوماسية والتجارة تأتي في سياق تحولات محلية وإقليمية أوسع، إذ أسهم الإضعاف الكبير لتنظيم داعش في البلاد والمنطقة، وتحسن الأوضاع الأمنية، ودبلوماسية بغداد الأكثر فعالية، في توسيع هامش المناورة.
وفي الوقت نفسه، أدى سقوط نظام بشار الأسد المتحالف مع طهران في سوريا، وإضعاف وكلاء إيران في المنطقة، والحرب الأميركية-الإيرانية، إلى رفع القيمة الإستراتيجية لجغرافيا العراق ومؤسساته وعلاقاته.
وباختصار، مع إعادة تشكيل التوازن الإقليمي وتصدّع شبكة النفوذ الإيرانية التقليدية، أصبحت البلاد منصة تزداد أهميتها للتنسيق العسكري والدبلوماسية الإقليمية والترابط الاقتصادي.
ورأى أستاذ العلاقات الدولية أن زيارة الزيدي إلى واشنطن، وسط هذه التحولات، تؤكد أن الإدارة الأميركية تعيد تقييم دور العراق في وقت يفعل فيه كل لاعب إقليمي رئيس تقريبا الأمر ذاته.
وأضاف أن كلا من إيران ودول الخليج العربية والصين قد عمّق تعامله مع بغداد، ساعيا إلى أهداف مختلفة، مع إدراك مشترك بأن البلاد تحتل موقعا إستراتيجيا استثنائيا.
وذهب كالابريس إلى أن إعادة التقييم الأميركية تعكس انتقالا من المقاربة التي سادت بعد حرب العراق، حين نُظر إلى بغداد أساسا من زاوية مكافحة الإرهاب، إلى شراكة أوسع بات يتبناها المسؤولون الأميركيون والعراقيون.
وبحسب المقال، فإن الصفقات الاقتصادية الجديدة تشير إلى جهد لتعزيز قطاع الطاقة العراقي وتحديث البنية التحتية وتوسيع استثمارات القطاع الخاص، وأن التعاون الأمني يبقى مهما لكنه يكمّل الآن إستراتيجية أوسع لبناء دولة أكثر صمودا.

ما بعد الدور الأميركي
ويرى الكاتب أن العراق يحتل موقعا محوريا في الإستراتيجية الإقليمية لإيران، في لحظة تواجه فيها طهران بيئة أشد تعقيدا في أماكن أخرى. مضيفا أن البلاد تمنحها حاجزا إستراتيجيا وروابط تجارية واسعة وممرا حيويا يصلها بشركائها في بلاد الشام.
وأضاف أنه مع الضغوط التي يتعرض لها حلفاء طهران الإقليميون الأوسع، مثل حزب الله وحوثيّي اليمن، صار الحفاظ على موقعها في بغداد أكثر أهمية.
وأشار كذلك إلى أن دول الخليج العربية أعادت ترتيب أولوياتها تجاه العراق.
فبينما لا تزال الهواجس الأمنية، خصوصا العلاقة العراقية-الإيرانية، تشكّل سياساتها، ترى السعودية والإمارات وممالك خليجية أخرى في مسار بغداد بعد داعش فرصة لتعزيز الانخراط عبر الاستثمار والبنية التحتية والاندماج الاقتصادي.
وأوضح المقال أن عراقا أكثر استقرارا وترابطا يمكن أن يربط الأسواق الخليجية ورؤوس الأموال ومبادرات البنية التحتية بالتجارة والاستثمار العالميين، مع تقليص المخاطر المرتبطة بعدم الاستقرار المنبعث من إيران.
ورأى كالابريس أن الدور الصيني يبيّن بُعدا آخر لأهمية بغداد؛ إذ إن تحوّلها إلى ساحة رئيسة للتنافس الجيوسياسي والتجاري سيدفع الشركات الصينية إلى منافسة أشد على العقود، ويمنح بكين حوافز أكبر لتعميق تعاملها في البلاد للحفاظ على نفوذها.
ويعتقد الكاتب أن مصالح الصين لا تقتصر على تأمين الوصول أو التفوق على المنافسين، فعراق مستقر ذو مقومات اقتصادية قوية، يمثل لبكين شريكا موثوقا في الطاقة، ومحورا محتملا لترابط إقليمي أوسع. مضيفا أن مصالح واشنطن وبكين، بمعزل عن تنافس القوى الكبرى، متوافقة إلى حد بعيد.

دولة وسيطة
وذهب كالابريس إلى أن هذه العلاقات المتطورة مع العراق لا تمثل تنافسا بسيطا بين دول أو تكتلات متنافسة، بل تتعايش وتعكس جهد بغداد لتنويع علاقاتها الخارجية وتفادي التبعية المفرطة لأي قوة واحدة.
كما يرى أن ما يميز البلاد هو التقاطع غير المعتاد للعلاقات الذي لا تملكه إلا قلة من دول الشرق الأوسط.
وأوضح المقال أن بغداد قادرة على التعامل مع واشنطن في الأمن والطاقة، ومع طهران في الروابط السياسية والتجارية، ومع بكين في البنية التحتية والتجارة، ومع دول الخليج في الاستثمار والترابط الإقليمي.
ووصف الباحث العراق بأنه يحمل سمات ما يسميه "الدولة الوسيطة"، أي دولة تستمد نفوذها من قدرتها على الحفاظ على صلاتها بشبكات سياسية واقتصادية وأمنية متنافسة، والإسهام في تنظيم التفاعل بينها.
ورأى كالابريس أن البلاد تقدم لمحة عن تحول أوسع في جيوسياسية الشرق الأوسط، فالقوة العسكرية والتحالفات التقليدية تبقى محورية، لكن النفوذ بات يُمارس بصورة متزايدة عبر الشبكات التي تربط الاقتصادات والمجتمعات، من بنية تحتية للطاقة، وشبكات للكهرباء، وممرات للوجستيات، وأنظمة مالية، وعلاقات استثمارية.
وشدد على أن الدول التي تشكّل هذه الشبكات ستملك قدرة أكبر على التأثير في مستقبل المنطقة.
وقال الكاتب: إن التحدي يكمن فيما إذا كان العراق قادرا على تحويل هذا الترابط إلى ميزة وطنية دون أن يسمح للتنافس الخارجي بأن يطغى على القرار الحكومي.
ويعتقد أن العلاقات نفسها التي تعزز مكانة بغداد تخلق أيضا حوافز للأطراف الخارجية لتتنافس داخل نظامها السياسي، مضيفا أن الترابط قد يوفر ورقة ضغط، لكنه قد يعمّق التبعية أيضا في غياب مؤسسات أقوى.
وأوضح كالابريس أن التحدي الأكثر إلحاحا هو تعزيز سلطة الدولة، وأن مسعى الزيدي لجعل الجماعات المسلحة غير الحكومية تحت سيطرة الحكومة سيختبر ما إذا كانت المليشيات القوية الموالية لإيران ستتخلى عن الاستقلالية والنفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية التي راكمتها على مدى عقدين.
ويرى الكاتب أن التقدم نحو نزع السلاح سيكون متفاوتا على الأرجح، خصوصا إذا رفعت التوترات الإقليمية مجددا القيمة المتصورة لهذه الجماعات لدى طهران.
وأضاف أن الاقتصاد السياسي المحلي في العراق يقدّم عقبة لا تقل صعوبة؛ إذ لا تزال شبكات المحسوبية والفساد والحوكمة المفتتة تحدّ من قدرة بغداد على تنفيذ إصلاحات على المستوى الوطني، وجذب استثمار مستدام، وترجمة الشراكات الخارجية إلى تنمية اقتصادية واسعة النطاق.
وخلص كالابريس إلى أن تحويل الأهمية الإستراتيجية إلى قوة وطنية دائمة يعتمد في نهاية المطاف على القدرة المؤسسية بقدر ما يعتمد على العلاقات الخارجية.
وأشار كذلك إلى أن الديناميكيات الخارجية ستبقى مؤثرة؛ إذ يضمن انعدام الثقة المستمر بين واشنطن وطهران استمرار الضغط على البلاد من قوى متنافسة تسعى لتشكيل مسارها السياسي.
وحذّر أستاذ العلاقات الدولية من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في انعدام الثقة وحده، بل في احتمال تحوّل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران إلى حرب إقليمية طويلة الأمد، إذ قد يهدد ذلك فرص العراق في استثمار موقعه الجديد، بل وحتى بقاء حكومة الزيدي نفسها.
وختم كالابريس بأن الصين، أيا كان ما سيحدث في هذا الملف، من غير المرجح أن تتراجع عن سوق باتت فيها شريكا تجاريا رئيسا ومستثمرا كبيرا في البنية التحتية، وأن دول الخليج العربية ستواصل السعي إلى عراق أكثر استقرارا واندماجا اقتصاديا.
وأضاف أن واشنطن ستظل تبحث عن شريك قادر على مقاومة الضغوط المزعزعة للاستقرار والمساعدة في موازنة الصين، مؤكدا أن التحدي أمام بغداد هو إدارة هذه العلاقات المتشابكة بما يجعل الشراكات الخارجية دعما للسيادة العراقية، لا قيدا عليها.















