تحولات دمشق تربك حسابات تل أبيب.. ماذا ينتظر "سكة حديد السلام"؟

مصعب المجبل | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

عاد الجدل مجددا بشأن مستقبل مشروع "سكة حديد السلام"، في ظل مؤشرات إلى توجه خليجي لدراسة مسارات بديلة قد تمر عبر الأراضي السورية بدلا من إسرائيل.

وفي هذا السياق، ذكر موقع قناة "i24NEWS" الإسرائيلية، في 8 يوليو/ تموز 2026، نقلا عن مصدرين مطلعين على المناقشات، أن المملكة العربية السعودية تدرس إجراء تعديل جوهري على مسار الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، بما يقضي باستبعاد إسرائيل من المشروع وتوجيه مساره عبر سوريا.

وبحسب المصدرين، فإن الحرب في غزة، إلى جانب تعثر محادثات التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دفعا الرياض إلى بحث خيارات ومسارات بديلة للمشروع.

"سكة حديد السلام".. هل يفقد المشروع مساره الأصلي؟

من بين أبرز الخيارات المطروحة حاليا إعادة توجيه الممر الاقتصادي عبر الأراضي السورية، بما يتيح إنشاء رابط بري بين دول الخليج والبحر المتوسط من دون المرور بإسرائيل، بحسب ما أورده موقع "i24NEWS" الإسرائيلي.

وكان الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي كُشف عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر شبكة من الموانئ وخطوط السكك الحديدية ومسارات الشحن، تمر بدول الخليج والأردن وإسرائيل.

ووفقا للتصور الأصلي، كان من المقرر أن تنتقل البضائع من السعودية عبر الأردن إلى إسرائيل، ثم تُشحن إلى أوروبا عبر ميناء حيفا، قبل توزيعها بحرا إلى الأسواق الأوروبية والأميركية، إلى جانب تخصيص المسار لنقل المسافرين.

ونقل موقع "i24NEWS" عن أحد مصادره أن تغيير مسار المشروع، إذا تم، قد يلحق ضررا كبيرا بالمكانة الجيوسياسية والاقتصادية لإسرائيل، التي نظرت إلى الممر بصفته أصلا إستراتيجيا وجزءا من رؤية إقليمية كانت تراهن على أن تتوج باتفاق تطبيع مع السعودية.

وفي ضوء هذه التطورات، تتصاعد التساؤلات بشأن ما إذا كان مشروع "سكة حديد السلام" يواجه خطر فقدان دوره الاقتصادي والإستراتيجي مع تنامي الحضور الإقليمي لسوريا واحتمال تحولها إلى المسار البديل للممر.

في الأصل، طُرح مشروع "سكة حديد السلام" لأول مرة عام 2018 على يد وزير النقل الإسرائيلي آنذاك يسرائيل كاتس، خلال مؤتمر النقل الدولي الذي استضافته العاصمة العمانية مسقط في نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام.

وروّج كاتس للمشروع بصفته شبكة سكك حديدية تربط دول الخليج بإسرائيل مرورا بالأردن، مدعيا أن الفلسطينيين سيستفيدون منه عبر ربطهم بميناء حيفا غربا، وبالدول الخليجية شرقا.

كما تحدث آنذاك عن "فوائد اقتصادية هائلة" ستعود، بحسب وصفه، على إسرائيل والأردن والسعودية ودول الخليج، مع إمكانية انضمام العراق وسوريا إلى المشروع مستقبلا.

ولم يغفل كاتس البعد الأمني للمشروع، إذ قدم "سكة حديد السلام" بصفته، وفق قوله: "بديلا يحد من المخاطر الإيرانية في مضيقي هرمز وباب المندب"، وفق عرض تفصيلي للخطة نشرته وسائل إعلام عالمية آنذاك.

وبحسب العرض الذي قدمه، استندت المبادرة إلى فكرتين رئيستين: أن تتحول إسرائيل إلى جسر بري يربط آسيا بأوروبا، وأن يصبح الأردن مركزا إقليميا لنقل البضائع، مع توقعات بأن يصل حجم التجارة عبر هذا المسار إلى نحو 250 مليار دولار بحلول عام 2030.

ورغم الطموحات التي رافقت المشروع، بقي "سكة حديد السلام"، منذ طرحه عام 2018، رهين الحسابات السياسية ولم يتحول إلى واقع عملي، على الرغم من الرهان الإسرائيلي عليه بوصفه أحد أهم مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي.

وكانت إسرائيل تعول على المشروع لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج، وتوسيع شبكة شراكاتها الإقليمية، وتقليل اعتمادها على سوقها المحلية وعدد محدود من الشركاء الاقتصاديين.

غير أن التحولات الإقليمية المتسارعة، وفي مقدمتها الصراعات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، حالت دون إحراز تقدم فعلي في تنفيذ المشروع، فيما تفتح التطورات الراهنة الباب أمام إعادة رسم مساره وربما استبعاد إسرائيل منه بالكامل.

"محور جيوسياسي"

في ظل إعادة رسم خرائط الممرات الاقتصادية الإقليمية، تبرز مجدداً احتمالات تغيير مسار مشروع "سكة حديد السلام"، بما قد يُبقي إسرائيل خارج هذا المشروع.

ويواجه المشروع الذي راهنت عليه إسرائيل لتعزيز موقعها التجاري وربط الخليج بآسيا وأوروبا، احتمال فقدان دوره مع بروز سوريا كمسار بديل أكثر ترجيحاً في ظل التحولات الإقليمية.

فالتغيرات السياسية التي شهدتها دمشق عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد أعادت طرح سوريا بوصفها حلقة وصل جيوسياسية، لا سيما مع توجهات سعودية وتركية لدراسة إنشاء ممر يربط الخليج بالبحر المتوسط عبر الأراضي السورية، وصولاً إلى العراق وتركيا.

ويكتسب هذا الطرح زخماً في وقت تركز فيه سوريا على إعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع محيطها الإقليمي.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي بشار عبيد لـ"الاستقلال": إن "إسرائيل تسعى منذ فترة طويلة إلى تفعيل مشروع (سكة حديد السلام) وإحيائه، نظراً لأهميته الكبيرة بالنسبة إليها على المستويين التجاري والاقتصادي".

وأضاف عبيد أن "التطورات التي شهدتها سوريا أخيرا كان لها تأثير كبير في المنطقة، خصوصاً أن سوريا أصبحت تمثل محوراً جيوسياسياً مهماً في ظل التحولات السياسية التي طرأت عليها".

وأشار إلى أن "انعكاسات هذه التحولات لم تقتصر على دول الجوار السوري، بل امتدت إلى مجمل الإقليم".

ولفت عبيد إلى أن "السعودية وتركيا تعملان حالياً على دراسة تغيير مسار هذا المشروع وتوجيه الممر الاقتصادي الحيوي عبر سوريا، وذلك لعدة تقديرات، من أبرزها إيجاد بديل عن إسرائيل وإخراجها من هذا المسار".

وبيّن أن "الفكرة تقوم على ربط سوريا بدول الخليج العربي عبر الأردن، وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، وربطها كذلك بالعراق ثم تركيا، وصولاً إلى أوروبا، بما يسهم في إحياء طريق الحرير التاريخي وتعزيز مسارات التجارة الإقليمية والدولية".

وأوضح عبيد أن هناك "محاولات على المستوى الدولي لإعادة تأهيل خط سكة حديد الحجاز، الذي كان في الماضي شرياناً رئيساً يربط بلاد الشام بالخليج العربي والحجاز".

"قلق إسرائيلي"

وليست هذه المرة الأولى التي يُثار فيها الحديث عن احتمال استبعاد إسرائيل من هذا المشروع.

ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، كشف موقع "i24NEWS" الإسرائيلي أن العمل على مشروع خط السكك الحديدية الذي يربط إسرائيل بالإمارات استمر بعيدا عن الأضواء، رغم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وأضاف الموقع أن المشروع بلغ مراحل متقدمة من التحضير، وأن وفدا إسرائيليا من وزارة المواصلات، برئاسة الوزيرة ميري ريغيف، زار أبوظبي خلال ذلك الشهر لدفع المشروع قدما.

وبحسب موقع "واي نت" العبري، عقدت الوزيرة الإسرائيلية والوفد المرافق لها اجتماعا وصف بالمهم مع شخصية بارزة مقربة من العائلة الحاكمة في الإمارات، ورئيس مجلس إدارة شركة "الاتحاد للسكك الحديدية"، إلى جانب وزير النقل الإماراتي.

وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، نقلا عن "واي نت"، أن الوفد الإسرائيلي توجه إلى الإمارات على وجه السرعة بعد أن تبين لتل أبيب أن فرنسا وتركيا تسعيان إلى استبعاد إسرائيل من مشروع "سكة حديد السلام"، عبر طرح مسار بديل يمر من الأردن إلى سوريا ثم إلى أحد الموانئ اللبنانية، متجاوزا الأراضي الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي بشار عبيد، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن "إسرائيل تشعر بقلق متزايد من احتمال فقدان ممر (سكة حديد السلام)، لأنها تنظر إليه باعتباره مشروعا حيويا على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي".

وأوضح أن "أهمية المشروع بالنسبة لإسرائيل تكمن في كونه يربطها اقتصاديا بآسيا، وبالتالي فإن فقدان هذا الممر يعني خسارة جزء مهم من موقعها التجاري ودورها في حركة التجارة الإقليمية".

وأضاف عبيد أن "إسرائيل تحاول فتح نافذة جديدة عبر السعي إلى تطبيع العلاقات مع سوريا، إلا أن التساؤل يبقى حول مدى استعداد دمشق، في ظل ظروفها الحالية أو مستقبلا، للانخراط في مسار تطبيع مع إسرائيل".

وأكد أنه "يستبعد إقدام الحكومة السورية على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة"، مشيرا إلى أن "المشروع السياسي الذي تتبناه دمشق لا يتجه إلى السير على خطى بعض الدول التي أقامت علاقات مع إسرائيل".

وتابع أن "سوريا لا تزال متمسكة بموقفها الرافض للمشروع الإسرائيلي، وهو موقف ينسجم مع سياساتها الحالية وتوجهات حكومتها".

وأضاف أن "الأولوية بالنسبة لدمشق تتمثل في إعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد، ومعالجة آثار سنوات الحرب، وليس الانخراط في مشاريع ترتبط بمسار التطبيع مع إسرائيل".

وأشار عبيد إلى أن "دولا خليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، تعمل على ضخّ استثمارات كبيرة في سوريا ضمن رؤية اقتصادية إقليمية، من خلال مشاريع استثمارية واتفاقيات تجارية تستهدف دعم عملية إعادة الإعمار وإعادة دمج سوريا اقتصاديا في محيطها".

وأوضح أن "سوريا باتت، بالنسبة لدول الخليج وتركيا، مرشحة لتكون البديل الإستراتيجي في مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي، وفي مقدمتها مشروع الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا، بما يعزز حركة التجارة ويعيد إحياء مساراتها التاريخية".

وختم عبيد بالقول: "إذا استمرت الدول العربية والإقليمية في تبني مواقفها الحالية، فمن المرجح أن تفقد إسرائيل هذا الممر الاقتصادي لصالح سوريا".